أحدث الموضوعات
عبد المجيد ابو العلا يكتب: الردع الجوي: أبعاد التنافس الدولي على تطوير الصواريخ
-
1 مارس 2023, 4:34:48 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
تعتبر الصواريخ بأنواعها المختلفة من أبرز الأسلحة التي تعمل الدول على زيادة الاستثمار في تطويرها؛ لأهميتها الاستراتيجية، ودورها في بناء الردع، والقدرة على إصابة أهداف متنوعة المدى. وتزداد أهمية التنافس الدولي على تطوير الصواريخ بالنظر إلى التنافس الدولي المماثل على الفضاء مدنياً وعسكرياً. وفضلاً عن اهتمام الدول الكبرى بتطوير صواريخ نوعية كالصواريخ فرط الصوتية، تعمل الدول ذات الطموحات النووية على تطوير صواريخ باليستية قادرة على حمل أسلحة نووية. وبجانب تنافس الدول الكبرى على تطوير الصواريخ، فإن الصواريخ تخلق تنافساً في إطار عوامل التهديد والردع في مناطق التوتر والصراعات، مثل المنطقة الأوروبية على وقع الحرب الأوكرانية، ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ على خلفية التوترات حول تايوان، والتجارب الصاروخية الكورية الشمالية، والمخاوف اليابانية من القدرات الصاروخية لبكين وبيونج يانج.
نماذج دولية
تعمل العديد من دول العالم على تطوير أنواع مختلفة من الصواريخ، في إطار التسابق العالمي على تطوير الصواريخ، والتطلُّع إلى فرض السيادة على الفضاء. وعلى سبيل المثال، يمكن التطرق إلى بعض حالات ونماذج تطوير الصواريخ في دول العالم، ومنها:
1– سباق تسلُّح القوى الكبرى على الصواريخ فرط الصوتية: ثمة سباق تسلح بين القوى الكبرى على تطوير الصواريخ فرط الصوتية، مع اعتبار أن اللحاق بقدرات القوى الأخرى في تطوير إنتاج تلك الصواريخ هدف بحد ذاته، وهو ما يظهر على سبيل المثال في الحالة الأمريكية؛ حيث اعتبر الفريق جوني وولف مدير برنامج الأنظمة الاستراتيجية للبحرية، أن تطوير روسيا والصين صواريخ فرط صوتية خلَق لدى بلاده دوافع ملحة للحاق بهذا الركب، مشيراً إلى أن الصين وروسيا طوَّرتا أسلحة فرط صوتية لم تطورها الولايات المتحدة.
فبعدما تراجعت الولايات المتحدة عن البحث والتطوير حول برامج صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت في السنوات الماضية، فإن تعزيز الصين وروسيا الاستثمار في برامج الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت؛ دفع هذه البرامج نحو أولويات التطوير الدفاعي الأمريكي مرة أخرى، وقد طلب البنتاجون زيادة 4.7 مليار دولار لأبحاث صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت في ميزانيته لعام 2023، ارتفاعاً من 3.8 مليار دولار. كما أعلنت روسيا، في مايو الماضي، عن الاختبار الناجح لصاروخ Zicron الذي تفوق سرعته سرعة الصوت.
وبخلاف الولايات المتحدة وروسيا والصين، أعلنت كوريا الشمالية، العام الماضي، أنها اختبرت بنجاح صاروخاً تفوق سرعته سرعة الصوت، كما أعلنت إيران عن تطوير صاروخ تفوق سرعته سرعة الصوت أيضاً.
2– خطة كوريا الشمالية لتطوير الأسلحة والصواريخ: تعمل كوريا الشمالية على زيادة تطوير وإنتاج الصواريخ باستمرار، كماً ونوعاً. وقد اعتمد المؤتمر الثامن لحزب العمال الكوري الحاكم الخطة الخمسية لتطوير علوم الدفاع وأنظمة الأسلحة، في يناير 2021، كجزء من الخطة الاقتصادية الخمسية لكوريا الشمالية، وهي المرة الأولى التي تُدرج فيها بيونج يانج السلاح علناً في خطتها الاقتصادية. وتضمنت الخطة الكشف عن تطوير كوريا الشمالية صاروخاً يبلغ مداه 15000 كيلومتر، ورؤوساً حربيةً انزلاقيةً تفوق سرعة الصوت، وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات، وصاروخاً باليستياً يُطلَق من الغواصات.
وشهد المؤتمر كذلك الإعلان عن سلسلة صواريخ جديدة تحت اسم “هواسونج فو”، فضلاً عن الاستمرار في تطوير صواريخ جديدة ضمن السلاسل السابقة، مثل سلسلة صواريخ “هواسونج”. وتشير تقديرات إلى تسجيل كوريا الشمالية قفزة في عدد الصواريخ المسجل إطلاقها خلال عام 2022؛ حيث أطلقت بيونج يانج بالفعل أكثر من 80 صاروخاً باليستياً وصواريخ كروز خلال العام الماضي.
3– اعتزام اليابان تطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى الصين وكوريا الشمالية: في إطار توجه اليابان نحو تعديل استراتيجيتها الدفاعية، وزيادة إنفاقها على القطاع العسكري، تُولي اليابان أهمية للتوجه نحو زيادة الإنفاق على تطوير الصواريخ، في ظل اضطراب البيئة الأمنية المحيطة، وتنامي قلق طوكيو من تطوير بيونج يانج وبكين الصواريخ. وبينما كشفت اليابان، في ديسمبر الماضي، عن أكبر خطة إنفاق عسكري لها منذ الحرب العالمية الثانية، تعمل طوكيو على تطوير ترسانتها الصاروخية، وخصصت مبلغ 36 مليار دولار لتحديث أكثر من 10 أنواع من الصواريخ.
كما أشارت تقارير إلى اعتزام الحكومة اليابانية تطوير عدة صواريخ طويلة المدى لتنشرها خلال العقد القادم؛ حيث تتطلع طوكيو إلى نشر صاروخ يصل مداه إلى 2000 كيلومتر بحلول عام 2030، وصاروخ فرط صوتي يصل مداه إلى 3000 كيلومتر بحلول عام 2035، بحيث يمكنه إصابة أهداف استراتيجية في كوريا الشمالية وأجزاء من الصين، كما طلبت وزارة الدفاع اليابانية في ميزانيتها لعام 2023، نحو 2.1 مليون دولار للمضي قدماً في التطوير المشترك لصاروخ جو–جو (JNAAM) مع المملكة المتحدة، وهو أول مشروع معدات دفاعية ياباني مع شريك أجنبي غير الولايات المتحدة.
4– مشروع تركي سري لتطوير الصواريخ: وفقاً لما تذكره بعض التقارير، فإن تركيا تعمل سراً على مشروع لتطوير الصواريخ يطلق عليه اسم “تايفون”، وهو مشروع مستمر منذ عدة سنوات، وترفض رئاسة الصناعة الدفاعية التركية الكشف عن أي معلومات حوله. وقد أجرت أنقرة، في أكتوبر الماضي، تجارب إطلاق صاروخ باليستي قصير المدى محلي الصنع فوق البحر الأسود، على مسافة 561 كيلومتراً، وهي أبعد مسافة يقطعها أي سلاح تم تطويره في تركيا.
اتجاهات التطوير
يمكن استعراض أبرز العوامل الدافعة نحو التنافس الدولي على تطوير الصواريخ، وكذلك الاتجاهات الرئيسية لتطويرها؛ وذلك فيما يلي:
1– تطوير صواريخ متعددة المهام: تعمل الدول على تطوير صواريخ قادرة على القيام بعدة مهام في الوقت نفسه؛ وذلك كمرحلة تالية لتطوير “صواريخ متعددة الرؤوس” بحيث يقوم كل رأس بمهمة نوعية مختلفة بدلاً من التعامل مع الرؤوس المتنوعة على أنها رؤوس حربية تقليدية؛ فبجانب القدرات التدميرية والنارية للصاروخ، فإن الرؤوس الأخرى يتم تجهيزها بقدرات تقنية أخرى استطلاعية أو تشويشية؛ لأداء مهام أخرى تتكامل مع مهمة الإطلاق والتدمير.
وعلى سبيل المثال، تقوم الحكومة اليابانية بتطوير صاروخ كروز قادر على أداء مهام الاستطلاع والتشويش على الرادارات، بجانب المهام الحربية التقليدية، مع تحسين دقة ضرب الصاروخ. ويتكون الصاروخ الياباني المتوقع بدء إنتاج النموذج الأولي منه، في أبريل 2023، من 3 رؤوس؛ بحيث يتم إطلاق رأس حربي استطلاعي عالي الأداء بكاميرا لتحديد الموقع الدقيق للهدف؛ يتبعه رأس حربي باعث للموجات الكهرومغناطيسية لتعطيل رادارات وأجهزة الاستشعار الخاصة بالعدو. أما الرأس الثالث فهو الرأس الحربي الصاروخي التقليدي الذي يُستخدَم في إصابة الأهداف. وفيما يتعلق بمدى الصاروخ، فمن المفترض أن يكون قادراً على إصابة أهداف على مسافات تصل إلى 1000 كيلومتر.
2– تعزيز قدرات الردع والتهديد النووي: تهتم الدول النووية أو الساعية إلى امتلاك أسلحة نووية، ببرامجها الصاروخية؛ حيث تعمل على تطوير صواريخ قادرة على حمل أسلحة نووية؛ فعلى سبيل المثال، يعد من أهم أهداف تطوير كوريا الشمالية صواريخَ متنوعة – إن لم يكن الغرض الرئيسي منها – هو تحسين قدرات الردع والتهديد، من خلال زيادة خياراتها لإطلاق رؤوس حربية نووية وأسلحة دمار شامل أخرى.
كما تثير سياسة بيونج يانج العاملة على تحسين قدراتها في مجال تطوير وإنتاج الصواريخ، مخاوف غربية من جدية تفكير كوريا الشمالية في سيناريوهات استخدام الأسلحة النووية في أي صراع عسكري مستقبلي كبير معها، كما يثير تقدم إيران في برنامج تطوير الصواريخ الباليستية وقدراتها الصاروخية البعيدة المدى، مخاوف إقليمية وعالمية من أن تستخدم طهران برنامجها الصاروخي مع برنامجها النووي في إطلاق صواريخ تحمل رؤوساً نوويةً.
3– تحفيز الحرب الأوكرانية تطوير الدفاع الجوي الأوروبي: حفَّزت الحرب الروسية على أوكرانيا عملَ الدول الأوروبية، وخاصةً دول الجوار الروسي، على تطوير الدفاعات الجوية. وبالإضافة إلى مقترحات إنشاء مظلة دفاع جوي أوروبية، فإن مخاطر الصواريخ الروسية تدفع بعض الدول إلى تعزيز ونشر أنظمة دفاع جوي، جنباً إلى جنب مع نشر أنظمة دفاع جوي لحمايتها. فعلى سبيل المثال، وبخلاف نشر بولندا صواريخ باتريوت الألمانية للمساعدة في تأمين مجالها الجوي عقب سقوط صواريخ روسية في أراضيها، فإن الحكومة البولندية تبحث منذ ما قبل الحادث مع نظيرتها البريطانية إمكانية التعاون في تطوير صاروخ طويل المدى، في ظل تحفيز الحرب الأوكرانية الخطط البولندية لتطوير قدرات الدفاع الجوي القصيرة والمتوسطة المدى للبلاد، وتعزيز التعاون الصاروخي البولندي البريطاني، وبحث عمليات نقل التكنولوجيا.
4– الحد من فرص اكتشاف أنظمة الدفاع الجوي للصواريخ: يرتبط توجه الدول نحو تطوير صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت بأهمية عامل السرعة في العمليات العسكرية؛ إذ يتصل تطوير تلك الصواريخ بشكل مباشر بالعمل على الحد من فرص اكتشاف الصواريخ والاشتباك معها من قِبل أنظمة الدفاع الجوي للعدو؛ حيث تطير الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت بسرعة تقترب من 4000 ميل في الساعة تقريباً؛ ما يجعل من الصعب اكتشافها واعتراضها في الوقت المناسب، فضلاً عن تطوير صواريخ فرط صوتية يمكنها المناورة وتغيير الارتفاع للهروب من أنظمة الدفاع الصاروخي. وقد أثار إطلاق بكين صاروخاً تفوق سرعته سرعة الصوت، في أغسطس 2021، قلق واشنطن من عدم قدرة أنظمة الدفاعات الأمريكية ضد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات بألاسكا على التصدي له باعتباره صاروخاً مدارياً، في حين أن تلك الأنظمة تعترض الصواريخ الباليستية من اتجاه واحد.
5– مشروعات لتطوير صواريخ مضادة للأسلحة فرط الصوتية: مقابل العمل على تطوير صواريخ أسرع من الصوت، فإن تلك الجهود تستدعي جهوداً مقابلة في مجال تطوير صواريخ مضادة للأسلحة فرط الصوتية. وعلى سبيل المثال، وافق صندوق الدفاع الأوروبي، في يوليو 2022، على إقرار 100 مليون يورو لمشروع (EU HYDEF) للدفاع فرط الصوتي، الذي يهدف إلى تطوير صاروخ مضاد للأسلحة فرط الصوتية بحلول عام 2030؛ حيث يهدف هذا المشروع الأوروبي إلى بناء صواريخ اعتراضية تستهدف العديد من التهديدات والأسلحة فرط الصوتية وأنظمة الاستشعار وغيرها، مع تقنيات اعتراض عالية المناورة.
6– سعي الدول إلى زيادة حصتها في اقتصاديات الفضاء: لا يرتبط التنافس على الفضاء بأبعاد أمنية وعسكرية فقط، بل يرتبط أيضاً بأبعاد تجارية واقتصادية، خاصةً حول ما بات يُعرَف بـ”اقتصاد الفضاء”. وعلى سبيل المثال، فإنه في الوقت الذي وجدت فيه كوريا الجنوبية نفسها مضطرة للاستغناء عن خدمات روسيا في مجال الفضاء، وإلغائها في يناير الماضي، عقداً مع شركة “روس كوسموس” الفضائية الروسية لإطلاق قمر صناعي إلى الفضاء، في إطار الامتثال للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا بسبب الحرب الأوكرانية، وأعلنت أنها تخطط لاستخدام صاروخ “فيجا – 6” الأوروبي بدلاً من صاروخ “أنجارا – 1.2” الروسي لإطلاق قمرها الصناعي؛ فإن سيول عملت على الاستفادة من ذلك أيضاً لتعزيز قدراتها الصاروخية، والمضي قدماً في برنامج محلي لتطوير الصواريخ يستهدف، بخلاف أبعاد الأمن القومي، اقتطاع نصيب أكبر من اقتصاد الفضاء العالمي.
حيث تستهدف سيول زيادة حصتها في اقتصاد الفضاء العالمي إلى 10% بحلول عام 2045 مقارنة بـ1% فقط حالياً؛ وذلك في ظل خطط كورية جنوبية تستهدف أيضاً الهبوط على سطح القمر بحلول عام 2032 وعلى المريخ بحلول عام 2045، كما نجحت الهند، في نوفمبر الماضي، في إطلاق أول صاروخ تجاري طوره القطاع الخاص بالبلاد إلى الفضاء، وتبلغ سرعته 5 أضعاف سرعة الصوت، في إطار العمل على بناء وتطوير صناعة فضاء تجارية في الهند.
7– العمل على تطوير صواريخ صديقة للبيئة: تعمل بعض الدول على تطوير صواريخ صديقة للبيئة، في إطار التوجهات العالمية لتخفيض الانبعاثات الحرارية، ومواجهة مخاطر التغيرات المناخية. ومن المفترض أن تستخدم تلك الصواريخ وقوداً صديقاً للبيئة، وتنتج انبعاثات حرارية أقل مقارنة بالصواريخ الأخرى. وعلى سبيل المثال، صمم باحثون في المملكة المتحدة صاروخ “أوربكس برايم” ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام ولا يترك الحطام على الأرض أو المحيطات أو في الغلاف الجوي، وبحيث ينتج عنه انبعاثات أقل بنسبة تصل إلى 86% مقارنةً بمركبة الإطلاق العمودية ذات الحجم المماثل، و96% مقارنةً بالصاروخ الذي يتم إطلاقه أفقياً من طائرة حاملة، كما عملت موسكو على تطوير صواريخ تعمل بوقود النفثيل الصديق للبيئة. وحصلت شركة الفضاء ArianeGroup، العام الماضي، على تمويل من المفوضية الأوروبية لتطوير أول قاذفات قابلة لإعادة الاستخدام وصديقة للبيئة في أوروبا، مع العمل على خفض تكلفة الوصول إلى الفضاء.
ختاماً، تُمثِّل الصواريخ سلاحاً بالغ الأهمية، خاصةً للدول الصغرى والمتوسطة، بل يُنظر إليها على أنها من العوامل التي تساعد على إعادة ضبط أو تغيير موازين القوى في العالم، باعتبار أنها تُمكِّن دولاً صغيرة ومتوسطة من أن تصبح فواعل عسكرية قادرة على مواجهة وتهديد دول متوسطة وكبرى أخرى، واستخدامها كعامل ردع، مع تطوير قدراتها على إصابة أهداف متوسطة وطويلة المدى دون الاشتباك المباشر مع العدو، إلا أن جانباً آخر من المخاوف الأمنية يتعلق بالتهديدات الأمنية التي يوفرها امتلاك جماعات ما دون الدولة، وتنظيمات إرهابية لصواريخ قادرة على تهديد الدول في مناطق الصراعات والاضطرابات.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
جمال ومكياج