برجماتية اليمين: أبعاد السياسة الخارجية الإيطالية في عهد جورجيا ميلوني

profile
  • clock 1 مارس 2023, 4:29:23 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

مما لا شك فيه أن رئيسة وزراء إيطاليا “جورجيا ميلوني” تتمتع، على المستوى الداخلي، بقدر كبير من الدعم الشعبي والحزبي، وهو ما تمثل في فوز حزبها “إخوة إيطاليا” اليميني المتطرف بالأغلبية البرلمانية، ومن ثم توليها منصب رئيسة الوزراء. مع ذلك فإن تحديات السياسة الخارجية التي تواجه إيطاليا حالياً، وما تفرضه من توازنات وحسابات معقدة، قد تكون أكبر المهددات التي تقف أمام شعبية ميلوني الكاسحة داخلياً؛ فعلى سبيل المثال، كرَّست “ميلوني” جانباً معتبراً من خطابها السياسي لانتقاد الاتحاد الأوروبي أثناء نشاطها الحزبي، كما كان لها بعض المواقف غير المعتادة، مثل الثناء المتكرر على رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان المعروف بميوله اليمينية. ومع توليها مقاليد السلطة رسمياً، تجد المسؤولة الإيطالية نفسها مُكبَّلة باعتبارات المسؤولية وتوازنات القوى الداخلية والخارجية، وهو ما انعكس على سياساتها الخارجية بشكل كبير.

وفي هذا الصدد، يبدو أنه بعد مرور 100 يوم على تشكيل الحكومة أن “ميلوني” تتبنى سياسة خارجية أكثر برجماتيةً للتعامل مع الملفات المختلفة بصورة تتجاوز الكثير من المفردات الأيديولوجية التي روجت لها رئيسة الوزراء قبل وصولها إلى سدة الحكم.

محددات رئيسية

ترتبط تحركات السياسة الخارجية في عهد رئيسة الوزراء “جورجيا ميلوني” بعدد من المحددات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1– تأزُّم الوضع الاقتصادي في إيطاليا: مع احتدام الحرب في أوكرانيا، لا تزال إيطاليا في قبضة أزمة طاقة متفاقمة ومعدلات تضخُّم مرتفعة؛ حيث تمتلك البلاد واحداً من أدنى معدلات التوظيف في منطقة اليورو، ويبلغ دينها العام 150% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون اقتصادها في حالة ركود خلال العام الحالي. ومع اعتماد الاستقرار الاقتصادي في إيطاليا، إلى حد كبير، على برنامج التعافي من COVID–19 التابع للاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الجهود الأوروبية المشتركة لمعالجة أزمة الطاقة؛ تبدو ميلوني حريصة على التخلص من صورتها القديمة، وترددها عن دعم الاتحاد والعثور على مقعد على طاولة الكبار.

2– التأثير المتواصل للأفكار اليمينية المحافظة: من المؤكد أن توجهات حزب “إخوة إيطاليا” المُحافِظة، تمثل عنصراً هاماً في تشكيل السياسة الخارجية لإيطاليا في عهد ميلوني سواء فيما يتعلق بتحفظها على سياسات الهجرة والاندماج التي يتبناها الاتحاد، أو تشجيعها على زيادة القدرات العسكرية للناتو ودعم برامج أمن الحدود. وقد تجلَّت مظاهر هذا الطابع المُحافِظ في مقترحات ميلوني بخلق نوع من الرقابة الصارمة على الحدود البحرية في البحر المتوسط للحيلولة دون مزيد من تدفقات المهاجرين من الجنوب. ورغم هذه التوجهات المعلنة، فإن ميلوني تصف حزبها بأنه “محافِظ أوروبي”؛ أي يرفض بشدة الفكرة التي تصوره بأن لديه مواقف معادية لأوروبا.

3– تأمين إمدادات الطاقة: لا يمكن إغفال أن إمدادات الطاقة وتأمينها تعتبر محدداً مهماً في السياسة الخارجية الإيطالية في عهد ميلوني؛ فقد كانت الطاقة القضية الرئيسية للسياسة الخارجية الإيطالية في عام 2022، وكانت حكومة دراجي السابقة نشيطة بشكل خاص في البحث عن موردي غاز بديلين؛ لتقليل الاعتماد على موسكو، وحاولت أن تبحث عن شراكات جديدة في ملف الطاقة مع عدد من الدول مثل الجزائر وقطر والكونغو وأنجولا. ولم يتوقف هذا النهج في ظل حكومة ميلوني التي سعت إلى استكمال مسار تنويع مصادر الطاقة.

4– التوازنات مع شركاء الحكومة: لم يكن النجاح السهل لميلوني في تشكيل حكومة ائتلافية مع حليفيها “ماتيو سالفيني” زعيم حزب الرابطة اليميني المتطرف، وسيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب “فورزا إيطاليا” هدية مجانية من هؤلاء الحلفاء. وإذا كان من الظاهر أن تعيين كل من سالفيني وأنطونيو تجاني (حزب فورزا إيطاليا) في منصب نائبَي رئيس الوزراء هو الثمن على المستوى الداخلي، فإن أخذ ميلوني التوجهات الخارجية لحزبي هذين الزعيمين في عين الاعتبار كان الثمن الآخر الذي دفعته رئيسة الوزراء الإيطالية للحفاظ على التحالف الحاكم؛ فبجانب تشديد اللغة المستخدمة إزاء الصين، فإن ميول الحزبين الواضحة نحو مزيد من التحرير التجاري دفعت ميلوني للانفتاح الفوري مع الاتحاد الأوروبي، وإن كان هذا الانفتاح التجاري يصاحبه كثير من التحفظ فيما يتعلق بأمن الحدود وسياسات الهجرة.

5– الاستجابة لتداعيات الحرب الأوكرانية: مثلت الحرب الأوكرانية عاملاً رئيسياً في تشكيل التحركات الخارجية لجورجيا ميلوني. وبخلاف تأثيرات الحرب على تفكير “ميلوني” في ملف الطاقة، وجدت الحكومة الإيطالية نفسها أمام موقف معقد؛ فمن جهة يتبنى بعض حلفائها موقفاً داعماً – ولو بصورة ضمنية – لموسكو، ولكنها من جهة أخرى تدرك أن الابتعاد عن الموقف الأوروبي المجمل فيما يتعلق بالحرب، سيكون له تداعيات سلبية، وخصوصاً أن روما تحتاج إلى الدعم الاقتصادي الأوروبي.

تحركات روما

شكَّلت المحددات السابقة الملامح الرئيسية لتحركات السياسة الخارجية الإيطالية في عهد “جورجيا ميلوني”، وهو الأمر الذي يمكن تناوله على النحو التالي:

1– التقارب مع الاتحاد الأوروبي: كان تراجع ميلوني عن خطابها المتشدد تجاه مشروع الاندماج الأوروبي أسرع من المتوقع، بل اتخذت خطوات في الاتجاه العكسي الذي يوحي بأن اهتمامها بدول الجوار الأوروبي – بل بمشروع التكامل – يسير على خُطى سلفها الوسطي البرجماتي “ماريو دراجي”. هذا وقد تجلت هذه السياسة الداعمة للمشروع الأوروبي في عدد من المظاهر؛ أهمها اختيار أنطونيو تاجاني في منصب وزير الخارجية، بما هو معروف عنه من اطلاع على نظم العمل في بروكسل، كما شغل منصب المفوض الأوروبي ورئيس البرلمان الأوروبي، فضلاً عن قيامها بزيارة إلى بروكسل في أول زيارة خارجية لها عقب انتخابها في نوفمبر 2022.

2– المشاحنات الأيديولوجية مع الدول الأوروبية: بالرغم من محاولات التقارب الحثيثة مع الاتحاد الأوروبي على مستوى المؤسسات – إذ تمثل طوق النجاة الرئيسي للاقتصاد الإيطالي – فإن التوجهات الأيديولوجية والنزعة القومية لميلوني التي انطبعت على سياساتها الخارجية، قد رتبت نوعاً من المشاحنات مع دول الاتحاد الرئيسية؛ فقد نشبت أزمة دبلوماسية كبرى بين روما وباريس نتيجة رفض الأولى استقبال سفن اللاجئين بموجب “آلية التضامن الأوروبي”، وهو تحرك هدفت منه ميلوني إلى مخاطبة الرأي العام الداخلي وإثبات التزامها بوعودها الانتخابية؛ الأمر الذي اعتبرته باريس قلة خبرة دبلوماسية من ميلوني لا تزال آثارها مستمرة حتى الآن. بالنسبة إلى ألمانيا، فإن توجهات المستشار أولاف شولتز اليسارية وعدم ثقته بالسياسات الاقتصادية لميلوني، يجعلانه في حالة ريبة إزاء الحكومة الإيطالية الجديدة.

3– مواصلة تأييد أوكرانيا: كانت بعض الدول الغربية الحليفة لإيطاليا متخوفة من توجهات الحكومة الحالية، بما هو معروف عن “سالفيني” و”برلسكوني” من تأييد لروسيا، إلا أن تحركات وتوجهات “ميلوني” جاءت متسقة مع الموقف الأوروبي الموحد الداعم لأوكرانيا. وبالمقارنة بينها وبين شريكَيها في التحالف، كانت جورجيا ميلوني أكثر وضوحاً في دعمها لكييف؛ فخلال حملتها الانتخابية، أيدت ميلوني بالكامل قرار رئيس الوزراء السابق ماريو دراجي بشحن أسلحة إلى كييف. وبعد فوزها بالانتخابات، كرَّرت موقفها ووعدت بـ”دعمها الكامل” لأوكرانيا في مكالمة هاتفية مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مُبعِدةً نفسها سريعاً عن تصريحات برلسكوني المؤيدة لبوتين، كما قامت مؤخراً بزيارة إلى كييف يوم 20 فبراير 2023؛ وذلك في ذكرى اندلاع عام على الحرب الروسية الأوكرانية، في دعم واضح لزيلينسكي وإكساباً لمزيد من الزخم على زيارة الرئيس الأمريكي بايدن إلى كييف.

4– مساعي تعزيز العلاقات مع واشنطن: حاولت ميلوني، كما فعل برلسكوني في حكمه، التقرب أكثر من واشنطن. ولتعزيز العلاقات مع واشنطن، سعت ميلوني للترويج لدور إيطاليا في الناتو وفي حوض البحر الأبيض المتوسط؛ فقد أبرزت الأهمية الاستراتيجية للجناح الجنوبي للقارة الأوروبية في مواجهة تمدد نفوذ الصين وتأثير روسيا المستمر في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي، وهي كلها تحركات تهدف إلى إثبات ولاء روما لأهداف واشنطن الاستراتيجية.

ومع ذلك، من غير المرجح أن يجد تحالف الجناح اليميني في إيطاليا الكثير من التعاطف مع الإدارة الديمقراطية الحالية، كما أن أداء الجمهوريين المخيب للآمال في الانتخابات النصفية – رغم فوزهم بأغلبية مجلس النواب – سيجعل من الصعب على ميلوني اكتساب المزيد من الزخم على المدى القصير.

5– التوسع في مناطق النفوذ القديمة: نتيجة أزمة الطاقة ومعاناة الاقتصاد الإيطالي، بدأت “ميلوني” تفتح أوراق مناطق النفوذ التقليدية لإيطاليا، خاصةً أن ليبيا مثلاً تمتلك ثروات نفطية كبيرة، وهو ما يزيد احتمالات تصادم إيطاليا مع الدول الأخرى ذات المصالح في هذه المناطق، لا سيما فرنسا؛ فعلى هامش زيارة ميلوني لطرابلس يوم 28 يناير الماضي، وقَّعت شركة الطاقة الإيطالية إيني، والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية، اتفاقاً لإنتاج الغاز بقيمة ثمانية مليارات دولار، يهدف إلى تعزيز إمدادات الطاقة إلى أوروبا على الرغم من انعدام الأمن والفوضى السياسية في ليبيا، ورغم معضلة الاعتراف الدولي التي تعاني منها حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها.

هذا ويهدف الاتفاق إلى زيادة إنتاج الغاز في السوق المحلية الليبية، وكذلك الصادرات، من خلال تطوير حقلَي غاز بحريَّين. وربما يثير هذا التوسع أيضاً حفيظة الدول الأخرى التي وجدت لنفسها دوراً متنامياً في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها فرنسا وتركيا.

6– الاهتمام بتعزيز المكانة في منطقة المتوسط وشمال أفريقيا: أظهرت التحركات الأخيرة لحكومة ميلوني اهتماماً واضحاً بالتكريس لمكانة إيطاليا في منطقة المتوسط؛ فخلال الشهور الماضية كثفت ميلوني انخراطها الدبلوماسي في المنطقة؛ فعلى سبيل المثال، زارت مصر للمشاركة في فعاليات قمة المناخ شهر نوفمبر الماضي، كما أجرت “ميلوني” في شهر يناير الجاري، زيارة لكل من الجزائر وليبيا، وناقشت خلال هذه الزيارات عدداً من الملفات المهمة، مثل العلاقات الأمنية، وملف الهجرة غير الشرعية، وملف الطاقة.

اللافت أن هذه التحركات تعكس اقتناع “ميلوني” بأن إيطاليا دولة رئيسية يجب أن تؤكد نفوذها في منطقة المتوسط، وأن ترسل رسالة إلى القوى الأخرى أنها طرف مهم له في المنطقة مصالح لا يمكن التنازل عنها. ويعزز من ذلك الرؤية الإيطالية لبعض الملفات في المنطقة، على غرار الملف الليبي؛ إذ تعتبر روما ليبيا امتداداً حيويّاً لها وبوابتها الجنوبية، بخلاف توفير إمدادات النفط والغاز منها. وبوجه عام، يبدو أن روما في عهد “ميلوني” تسعى لتقديم نفسها قوةً مؤثرةً في الاتحاد الأوروبي، وخاصة بجنوب المتوسط بعد خروج المملكة المتحدة من التكتل الأوروبي.

الخلاصة: تعتبر العوامل الداخلية هي المحددات الرئيسية لسياسة ميلوني الخارجية؛ وذلك في ظل غياب التهديدات الخارجية الوشيكة على إيطاليا؛ فتبعات جائحة كورونا وما يعانيه الاقتصاد الإيطالي من اختلالات هيكلية، تجعل رئيسة الوزراء الإيطالية مرغمة على تبني نهج خارجي متوازن يميل للتقارب الوثيق مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وينأى عن السرديات القومية البحتة التي تنظر إلى دوائر التحرك الخارجية بشكل تصادمي مع اعتبارات الهوية والأمن القومي؛ أي من منظور تقليل الخسائر وليس تعظيم المكاسب.


 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)