عبد الله جمال يكتب: سياسة المصادَرة: هل تنجح خطة استخدام الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا؟

profile
  • clock 1 مارس 2023, 4:24:37 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

جمدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهما مئات المليارات من الدولارات من احتياطيات النقد الأجنبي المودعة في حسابات البنك المركزي الروسي في وقت مبكر من الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وهي الأموال التي يُقدَّر حدها الأدنى بنحو 300 مليار دولار. وبعد مرور عام على الحرب الأوكرانية، يمارس سياسيون وناشطون في الغرب ضغوطاً من أجل توظيف هذه الثروة في عملية إعادة بناء البنية التحتية المدمرة والمنازل والشركات الأوكرانية التي انهارت خلال الحرب؛ الأمر الذي دفع بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى التحدث لصالح مصادرة الأصول الروسية؛ حيث أعلن كل من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في بيان صدر في كييف في ختام قمة جمعتهما بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن الاتحاد الأوروبي يعتزم تكثيف جهوده الرامية لإيجاد طريقة تتيح له استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل مرحلتي إعادة إعمار أوكرانيا ودفع التعويضات؛ وذلك وفقاً للقانونين الأوروبي والدولي، باعتبار ذلك مطلباً رئيسياً لكييف.

وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد الأوكراني قد تقلص بأكثر من 30% في عام 2022؛ حيث دمرت الحرب البنية التحتية، وألحقت الضرر بالأعمال التجارية وعطلت الحياة اليومية، ومن ثم ترى الدول الغربية أنه يجب تحميل روسيا التكلفة كاملة وسط حالة من عدم اليقين بشأن شرعية مصادرة الأموال المجمدة أو إعادة استثمارها واستخدام الأرباح في عملية إعادة الإعمار، التي ستتطلب نحو 750 مليار دولار على الأقل، وفقاً لتقديرات السلطات الأوكرانية التي من المحتمل أن تستمر في الارتفاع خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار العمليات العسكرية.

جدل غربي

جادل العديد من القانونيين بأن الاستيلاء على الأصول الروسية سيكون غير قانوني بموجب القانون الدولي؛ ما يقوض النظام القائم على القواعد؛ وذلك على خلفية التباين بين المواقف الغربية إزاء طريقة استخدام الأصول الروسية المجمدة في مرحلة إعادة إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الحرب. وبوجه عام، يمكن تناول أبعاد الموقف الغربي من استخدام الأصول الروسية المجمدة على النحو التالي:

1– دعوات أوروبية متصاعدة لاستخدام الأصول الروسية المجمدة: وافق قادة الاتحاد الأوروبي على العمل باتجاه استخدام الأصول الروسية المجمدة والمُعطَّلة لدعم إعادة إعمار أوكرانيا ولغرض التعويض، وفقاً للقانون الدولي. ولعل أبرز هؤلاء القادة هم قادة بولندا ودول البلطيق، الذين حثوا الاتحاد الأوروبي على العمل على مصادرة تلك الأصول في أقرب وقت ممكن؛ إذ تريد مجموعة الدول الرباعية، باعتبارهم الحلفاء الأكثر صراحةً لأوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، من الحكومات الغربية استخدام 300 مليار يورو من احتياطيات البنك المركزي المجمدة في أوكرانيا لمُساعَدة النازحين داخلياً في أوكرانيا، والبدء في إعادة بناء البلاد.

والجدير ذكره أنها ليست المرة الأولى التي يدعو فيها المسؤولون الغربيون إلى هذا المطلب؛ ففي مايو الماضي؛ أي بعد نحو 3 أشهر من اندلاع الحرب، دعا جوزيب بوريل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، دول التكتل إلى البحث عن طريقة من أجل الاستيلاء على الاحتياطيات الروسية المجمدة؛ لاستخدامها في دفع تكاليف إعادة إعمار أوكرانيا.

2– مقترح بديل باستخدام عائدات الأصول الروسية: قال مسؤول في الاتحاد الأوروبي إنه من الناحية القانونية يصعب استخدام الأصول الروسية المجمدة؛ لذلك كان هناك اقتراح أكثر طموحاً من الفكرة السابقة، يتمثل في استخدام عائدات الأصول الروسية فقط لمساعدة أوكرانيا. ومن هنا، جاء طرح الفكرة من رئيسة المفوضية الأوروبية، التي أعلنت أن بروكسل لديها الوسائل لجعل موسكو تدفع مقابل إعادة بناء الدولة التي مزَّقتها الحرب، وكانت تقصد حينها أن بروكسل تريد استخدام الأصول المجمدة للبنك المركزي الروسي لتوليد أرباح يمكن استخدامها في إعادة إعمار أوكرانيا.

وبموجب اقتراح المفوضية الأوروبية، سيُحوِّل الاتحاد الأوروبي الأصول السائلة للدولة الروسية التي تم تجميدها بموجب العقوبات إلى صندوق سيتم إدارته لتوليد عائد صافٍ مستقر وعادل للمساعدة في الدفع لإعادة بناء أوكرانيا؛ وذلك من المنطلَق الغربي الذي يرى وجوب دفع روسيا ثمن الهجوم على أوكرانيا، كما ستضمن هذه الخطة عدم مصادرة الأصول الروسية بشكل دائم، بل ستتم إعادتها إلى الدولة الروسية إذا تم توقيع اتفاقية سلام.

3– صعوبة مصادرة الأصول الروسية: بجانب الاتجاهين السالف ذكرهما، هناك اتجاه معاكس يرى أن الخطتين مغريتان، ولكنهما أيضاً غير ضروريتين وغير حكيمتين؛ إذ يرى هذا الاتجاه أن مسألة مصادرة الأصول الروسية السيادية ستكون محفوفة بالمخاطر بموجب القانون الدولي، ويقر المسؤولون بأنها قد تخلق مخاطر أخرى أيضاً على الاستقرار المالي العالمي؛ حيث أوضحت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين، في أبريل الماضي، أن مصادرة أصول الدولة الروسية لا ينبغي أن يتم بسهولة، ويجب أن يكون بالتنسيق مع الحلفاء، وقد يتطلب تشريعات في الولايات المتحدة.

إضافة إلى ذلك، فإن احتياطيات البنك المركزي الروسي هي أموال عامة، ومن ثم فهي مختلفة تماماً عن الأصول المجمدة للروس الذين يخضعون للعقوبات، على الرغم من اختلاطها أحياناً؛ فهذه الأموال قد حصلت عليها الدولة الروسية، من حيث المبدأ، نيابةً عن الشعب الروسي، فهي ذات شرعية دولية ولا يجوز مصادرتها.

تحديات التنفيذ

قد تبدو عملية تسليم الغرب مليارات الدولارات من الأصول الروسية المجمدة لأوكرانيا من أجل تمويل عملية إعادة الإعمار بسيطة، لكن من المؤكد أنها تواجه العديد من المشكلات السياسية والقانونية المعقدة، ومنها:

1– التخوف من رد الفعل الروسي: مما لا شك فيه أن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذا التصرف؛ ففي مطلع يناير الماضي، حذر الكرملين الدول الغربية من مصادرة الأصول الروسية المجمدة، متوعداً بإجراءات عقابية مماثلة، كما صرح رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، عبر تطبيق “تليجرام” خلال وقت سابق، بأنه يحق لروسيا، في حال مصادرة أصولها، اتخاذ إجراءات مماثلة تجاه الدول التي ستتخذ قرارات كهذه، ولفت إلى أن عدداً من الدول، على رأسها ألمانيا، تخطط بالفعل لمصادرة الأصول الروسية لإعادة إعمار أوكرانيا، ومن ثم سيكون لبلاده الحق في اتخاذ إجراءات مماثلة فيما يتعلق بأصول ألمانيا والدول الأخرى المشارِكة في ذلك.

2– غياب الرؤية الموحدة تجاه الأصول الروسية: سبق أن أوضحت رئيسة المفوضية الأوروبية أنها أُصيبت بخيبة أمل إزاء القرار الذي اتخذته السلطات السويسرية ضد استخدام الأصول الروسية المصادرة للمساعدة في إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب؛ إذ قضت السلطات السويسرية بأنه من غير الدستوري مصادرة أصول الروس الخاضعين للعقوبات، والمُحتجَزة داخل البلاد بشكل دائم. والجدير ذكره أن برن قد تحركت على قدم وساق مع الاتحاد الأوروبي في تجميد أصول الشخصيات الروسية البارزة المرتبطة بالرئيس فلاديمير بوتين، وأنها تمتلك حالياً نحو 7.5 مليار فرنك سويسري (8.1 مليار دولار) من الأصول المجمدة.

3– ضغوط سياسية متوقعة من حلفاء موسكو: إذا أقدمت الدول الغربية على اتخاذ هذه الخطوة، فستواجه حتماً ضغوطاً سياسية من جانب بعض حلفاء روسيا، وخاصةً الصين؛ إذ ستجعل من استخدام الأموال المجمدة مشكلة دولية، وستخلق من ثم أزمة مالية عالمية، حتى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه الذي لم يتفق حتى الآن على آلية معينة للاستيلاء على الأموال الروسية، الذي يدرك أن أمراً كهذا سيدفع الدول التي لديها أموال وودائع واستثمارات في أوروبا وأمريكا وكندا إلى مراجعة أولوياتها، والبدء في سحب تلك الأموال لتجنب مخاطر مستقبلية ممكنة، وعلى رأسها الصين التي ربما تفكر في عملية عسكرية محتملة في تايوان.

4– إشكالية انتهاك القانون الدولي: من الناحية القانونية في نظام العقوبات، يجب أن تكون الدول الموقعة على العقوبات قادرة على إعادة تلك الأموال عندما يتم تعليق نظام العقوبات، حتى لا تنفقها، ثم تجد نفسها بدون هذه الأموال؛ فهي تظل بحاجة إلى تغطية المبلغ المجمد، ومن ثم فإن استخدام الأصول المجمدة سيكون إشكالية عميقة بموجب القانون الدولي.

كما يميز الخبراء في القانون بين الأصول الخاصة التي جمدتها الحكومات الغربية، مثل يخت أحد الأثرياء، وبين ممتلكات الدولة، مثل احتياطات العملات الأجنبية للبنك المركزي الروسي؛ ففي حالة الأصول الخاصة، لا يسمح للدول الغربية بمصادرتها بشكل دائم إلا في ظروف محدودة جداً؛ عندما يمكن إثبات أنها عائدات من أنشطة إجرامية. أما في غير ذلك فسيشكل وضع اليد عليها تحدياً للحقوق القانونية وحقوق الإنسان الأساسية، مثل الحق في الملكية والحماية من العقاب التعسفي، والحق في محاكمة حرة. من جهة أخرى، تطرح ممتلكات الدولة مشاكل مختلفة وشائكة؛ لأنها مغطاة بما تسمى “الحصانة السيادية”، وهي تقضي بألا تستولي دولة على ممتلكات دولة أخرى.

5– صعوبة تحديد موقع الأصول ومصادرتها: هناك مشكلة أخرى تتمثل في تحديد موقع الأصول المنتشرة عبر العديد من البنوك والبورصات الأوروبية والدولية المختلفة؛ فوفقاً لتقرير صادر عن بلومبرج، لا يزال هناك نحو 86% من الأصول غير موجودة، وإن كان من المعروف تلقائياً أنها موجودة داخل البنوك المركزية للدول، والبنوك التجارية، والبورصات، لا سيما الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وجميع أعضاء مجموعة السبع، بيد أن المعضلة تكمن في كيفية تجميعها وإدارتها واستغلالها على نحو موحد.

وبناءً عليه، فإن فكرة مصادرة الأصول تعد أمراً صعباً يتطلب سنوات طويلة لتحقيقه؛ فتلك الحالات تتطلب من سلطات إنفاذ القانون الحصول على إذن قضائي للمصادرة، بعد إثبات أنها استُخدِمت في ارتكاب جريمة أو تمثل ركناً من أركان الأنشطة غير القانونية.

خلاصة القول: في حال تنفيذ الخطة الغربية، فإنها ستشكل سيفاً ذا حدين؛ فهي من جهة ستنفذ الرغبة الأوروبية، ومن جهة أخرى ستكون مبرراً للدول الأخرى لتجميد الأموال الغربية لديها والاستيلاء عليها بحجة الأضرار التي ألحقها الغرب بتلك الدول، ناهيك عن الضغط الدولي الرافض المتوقع حال الإقدام على تنفيذ هذه الخطوة، خاصةً من دول كالصين والهند وجنوب أفريقيا. ولكن الأهم من ذلك، هو الموقف الروسي وعواقبه إزاء هذه الخطة؛ إذ إنه ليس من المُستبعَد أن يكون هناك رد روسي أكثر عنفاً، خاصةً على ساحة المعركة. إضافة إلى ذلك، فإن الاستيلاء على أموال دولة ومواطنيها يشكل انتهاكاً لقوانين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبقية الدول المتحالفة معهما، وعليه فإن من الصعب أن نجد أي إجراءات تنفيذية تجاه هذه الخطة، على المدى القريب على الأقل.


 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)