خيارات صعبة: كيف ستواجه الحكومة الباكستانية هجمات طالبان الإرهابية؟

profile
  • clock 1 مارس 2023, 4:41:07 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

 إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

في الوقت الذي تكافح فيه باكستان أزمة اقتصادية كبيرة، وتداعيات الفيضانات التي وقعت في الخريف الماضي، والمشهد السياسي المضطرب دائماً؛ عادت حركة طالبان الباكستانية إلى الظهور بوصفها تهديداً قوياً بشكل متزايد؛ فبعد انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة طالبان باكستان والحكومة في شهر نوفمبر الماضي، نفَّذت الحركة عدة هجمات مسلحة ضد أهداف حكومية باكستانية، كان آخرها الهجوم الذي وقع في 17 فبراير 2023 ضد مجمع للشرطة في كراتشي. وعادةً ما تتركز تلك الهجمات في مناطق وعرة ونائية من شمال غرب باكستان، وهي معقل سابق لحركة طالبان باكستان، وقريبة من الحدود الأفغانية التي تعد ملاذاً آمناً للحركة؛ الأمر الذي يضع حكومة إسلام أباد أمام عدة سيناريوهات حرجة من أجل التعامل مع أعمال العنف التي تمارسها الحركة، خاصةً أنها أثارت مخاوف المواطنين الباكستانيين من عملية عسكرية محتملة في المناطق التي تشهد تلك الهجمات.

مؤشرات التصعيد

ثمة عدة مؤشرات تؤكد تجدُّد العداء والخلاف بين إسلام أباد وحركة طالبان باكستان مؤخراً، ويمكن إيجاز أبرزها على النحو التالي:

1– إنهاء الهدنة والتصعيد بين الطرفين: أعلنت حركة طالبان باكستان في 28 نوفمبر الماضي، إلغاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه مع حكومة إسلام أباد في يونيو الماضي، وأمرت مقاتليها بشن هجمات في شتى أنحاء البلاد، لا سيما في المناطق القبلية الوعرة المتاخمة لأفغانستان، من خلال تنفيذ عمليات قتل مستهدفة، ومهاجمة قوات الأمن الباكستانية، وخطف المسؤولين الحكوميين. جاء ذلك عقب إعلان تعثر المحادثات بين حركة طالبان باكستان والحكومة الباكستانية بوساطة أفغانية في أغسطس الماضي، على خلفية الجمود الذي شاب هذه المفاوضات عقب رفض الحكومة الباكستانية مطالبَ الحركة.

2– تكثيف الهجمات الإرهابية: تشن حركة طالبان باكستان هجمات مسلحة في باكستان على مدى العقدين الماضيين، وتحاول الترويج لهذه الهجمات بأنها جزء من حملتها لتطبيق أشد صرامةً للشريعة الإسلامية، على حد وصفها. ومع إلغاء العمل بالاتفاق السالف ذكره، نفذت حركة طالبان الباكستانية ما يقرب من اثني عشر هجوماً استهدفت فيها مراكز للشرطة والجيش، بيد أن الهجوم الأكثر دمويةً للجماعة منذ عودة ظهورها عام 2021، بعد تولي حركة طالبان الأفغانية السلطة في أفغانستان، هو الهجوم المُنفَّذ في أواخر يناير الماضي بمدينة بيشاور عاصمة إقليم خيبر بختونخوا الباكستاني، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص يُصلُّون في مسجد مجمع للشرطة.

وقد أعلن قائد الجماعة سربكاف مهمند مسؤوليته عن التفجير في البداية، لكن القيادة المركزية للحركة نفته لاحقاً؛ حيث نفى المتحدث باسم الحركة محمد خراساني مسؤولية الجماعة عن التفجير، قائلاً إن سياستها ليست استهداف المساجد أو المواقع الدينية الأخرى، مضيفاً أن الذين يشاركون في مثل هذه الأعمال قد يُواجِهون إجراءات عقابية بموجب سياسة الحركة، إلا أن بيانه لم يتطرق إلى سبب إعلان قائد حركة طالبان باكستان المسؤولية عن التفجير.

3– مساعي حركة طالبان لتفكيك الترابط بين الأجهزة الأمنية: تتبنى حركة طالبان تكتيكاً يستهدف تفكيك العلاقة والترابط بين الأجهزة الأمنية، وعلى وجه التحديد الجيش وقوات الشرطة، وظهر ذلك في البيان الذي أصدرته الحركة يوم 18 فبراير الجاري؛ وذلك بعد يوم من الهجوم على مجمع للشرطة في كراتشي، والذي قالت فيه إن “على الشرطيين النأي بأنفسهم عن الحرب التي نخوضها ضد الجيش … وإلا فإن الهجمات ضد مقار كبار مسؤولي الشرطة ستستمر”، وأضاف البيان: “نود أن نحذر مرة جديدة الوكالات الأمنية بوجوب الكف عن اضطهاد سجناء أبرياء في مواجهات وهمية، وإلا فإن الهجمات المستقبلية ستكون أكثر حدةً”.

4– استهداف الحكومة قيادات الحركة: بعد فشل المفاوضات بين الحكومة الباكستانية وحركة “طالبان باكستان” بسبب إصرار الأخيرة على مطالبها، استأنف الجيش الباكستاني عملياته العسكرية ضد مقاتلي الحركة في المناطق الحدودية الباكستانية – الأفغانية. وبشكل حاسم، قُتل ثلاثة من كبار قادة حركة “طالبان باكستان” في منطقة برمال بمقاطعة بكتيكا في أفغانستان. وفي 7 أغسطس 2022، قُتل عضو اللجنة العسكرية التابعة للحركة بمنطقة باجور في باكستان. وفي 23 أغسطس 2022، قُتل قائد مهم آخر للحركة، وهو ياسر باراكاي، مع ثلاثة من رفاقه، في بلدة سبين بولداك بمقاطعة قندهار بأفغانستان؛ إذ يُذكَر أن باراكاي كان قد اتخذ موقفاً مناهضاً لباكستان في محادثات السلام.

5– الانعكاسات السلبية للدعم الأفغاني للحركة: بالرغم من أن حركة طالبان باكستان منفصلة عن حركة طالبان أفغانستان، لكنها تعد حليفاً وثيقاً لها، وقد شجَّع استيلاء الحركة الأفغانية على السلطة في كابول في أغسطس 2021، حركة طالبان باكستان على تكرار السيناريو ذاته في إسلام أباد. وبناءً عليه، لا تزال حركة طالبان الأفغانية تدعم بشدة حركة طالبان الباكستانية، وتوفر لها ملاذاً آمناً؛ إذ اعتاد مقاتلو الحركة الباكستانية الاختباء في شمال غرب باكستان (بالقرب من الحدود الأفغانية)، لا سيما داخل أفغانستان نفسها، كما تتمتع الحركة الباكستانية بالكثير من الدعم الشعبي في أفغانستان نتيجة كراهية بعض القطاعات لباكستان. إضافةً إلى ما سبق، ينضم بعض مقاتلي طالبان الأفغانية إلى حركة طالبان باكستان، وهناك تقارير تفيد بأن بعض المُفجِّرين الجدد أفغان.

أما بالنسبة إلى قيام عدد قليل من قادة طالبان – ولا سيما وزير داخلية طالبان سراج حقاني – بضبط حركة طالبان الباكستانية بناءً على طلبات باكستانية في بعض الأحيان، فإن ميزان الرأي العام داخل طالبان يؤيد بقوة حركة طالبان باكستان وحملتها. وعلى وجه الخصوص، يتفق أمير طالبان هبة الله أخوندزاده مع حركة طالبان باكستان على أن النظام الباكستاني غير إسلامي، ومن ثم يجب التخلص منه.

6– اتهامات باكستانية لأفغانستان بإيواء عناصر الحركة: بالرغم من إدانة حركة طالبان الأفغانية حادث تفجير مسجد بيشاور، فإنه بعد ساعات من تفجير المسجد، قالت وزيرة الداخلية الباكستانية إن حكام طالبان الأفغان يجب أن يلتزموا بوعدهم تجاه المجتمع الدولي بعدم السماح لأي شخص باستخدام أراضيهم لشن هجمات ضد دولة أخرى.

ومن جانبه، صرح وزير الدفاع الباكستاني بأن حركة طالبان باكستان تعمل من أفغانستان، وطالب حركة طالبان الأفغانية باتخاذ إجراءات ضدهم؛ وذلك إلحاقاً لطلب إسلام أباد من حركة طالبان الأفغانية بوقف توفير الملاذ للمسلحين الباكستانيين ومنعهم من شن هجوم عبر الحدود على باكستان، وهو الأمر الذي قابله رفض شديد من وزير الخارجية الأفغاني، الذي طلب من السلطات الباكستانية البحث عن أسباب العنف المسلح في بلادهم بدلاً من إلقاء اللوم على أفغانستان.

خيارات المواجهة

من المستبعد إيجاد آمال كبيرة لوقف إطلاق النار في أي وقت قريب؛ إذ تشير الأوضاع إلى مرحلة جديدة من الصراع بين الحكومة الباكستانية وحركة طالبان الباكستانية، ومن ثم تنحصر الخيارات المطروحة أمام المؤسسات العسكرية والأمنية الباكستانية، ومنها:

1– مواصلة الضغط العسكري على حركة طالبان: من المتوقع أن يقدم الجيش الباكستاني على تنفيذ عملية عسكرية شاملة ضد الحركة، خاصةً أنه سبق تكرار هذا السيناريو في عام 2014؛ حين شن الجيش حملة عسكرية واسعة لتطهير عدة مناطق بولاية وزيرستان من عناصر الحركة والجماعات التابعة لها، بما في ذلك مقاتلون عرب وأفغان وأوزبكيون، حتى تم ترويضها، لكن على عكس ما كانت عليه الأوضاع في ذلك الوقت، لا توجد الآن أي منطقة أو إقليم تحت السيطرة المباشرة لطالبان باكستان، ومن ثم لن تكون العملية العسكرية الشاملة ذات فائدة كبيرة؛ إذ تنتشر عناصر الحركة الآن بصورة مشتتة، ومن ثم ستلحق الضرر بالسكان المدنيين.

ومن ناحية أخرى، فإن الحكومة والجيش الباكستانيين يفتقران إلى الموارد اللازمة لشن عملية عسكرية شاملة في المناطق القبلية؛ فالتضخم المتزايد، وانخفاض قيمة الروبية الباكستانية، أدَّيا إلى تفاقم الوضع الاقتصادي في البلاد، وتصاعُد الاضطرابات الاجتماعية، لا سيما بعد كارثة مناخية غير مسبوقة؛ حيث تسببت الفيضانات الأخيرة في باكستان في مقتل أكثر من 1500 وتشريد 33 مليونًا.

2– استقدام الدعم الخارجي: قد تفكر إسلام أباد في نقل القتال إلى أفغانستان، بالتعاون مع حلفاء إقليميين ودوليين آخرين، لا سيما بعد تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية، في ديسمبر الماضي، حركة طالبان باكستان ضمن قائمة الإرهابيين العالميين. ووضعت واشنطن زعيم طالبان باكستان قاري أمجد، على قائمتها للإرهابيين العالميين. ويُعَد توقيت التصنيف مثيراً للاهتمام؛ لأنه يُظهر أن باكستان تعمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة لمحاسبة الحركة وتحدي روابطها وملاذاتها الآمنة في أفغانستان. وإذا استمرت حركة طالبان الأفغانية في دعم قيادة حركة طالبان باكستان ومقاتليها، فسيتم اعتبار ذلك بمنزلة دعم لجماعة إرهابية مصنفة دولياً.

3– المضي قدماً في بناء السياج الحدودي: رغم الصعوبات الاقتصادية العالمية والمحلية، وحالة عدم الاستقرار الأمني الداخلي، استمرت باكستان في بناء السياج الحدودي مع أفغانستان، الذي تُقدَّر تكلفته بنحو 532 مليون دولار، على مدى السنوات الأربعة الماضية؛ حيث قامت باكستان بتسييج معظم الحدود البالغ طولها 2600 كم، وتم بالفعل استكمال 94% من السياج، بيد أن استمرار بناء السياج الحدودي يُفاقِم التوترات مع حكومة حركة طالبان الأفغانية.

4– تعزيز الضغوط على كابول: ارتباطاً بالنقطتين السابقتين، لا يُستبعَد استمرار توتر العلاقات بين إسلام أباد وكابول، إثر مواصلة توجيه الحكومة الباكستانية أصابع الاتهام لحركة طالبان في أفغانستان على خلفية دعمها حركة طالبان باكستان؛ وقد تُوِّجت المواجهة بينهما حين تم تبادل إطلاق النار عبر الحدود بين الجيش الباكستاني وقوات طالبان الأفغانية، يوم 20 فبراير الجاري؛ وذلك بعد يوم من إغلاق حكام طالبان الأفغانية معبر طورخام وسط تصاعد التوترات بين الدولتين؛ وذلك على خلفية رفض باكستان المزعوم السماح للمرضى الأفغان والقائمين على رعايتهم بدخول باكستان لتلقي الرعاية الطبية دون وثائق سفر.

وختاماً، يمكن القول إن باكستان ستشهد خلال العام الجاري المزيد من أحداث العنف المرتبطة بتنامي نشاط حركة طالبان باكستان، مستغلةً انشغال حكومة إسلام أباد بمجابهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها البلاد خلال العام الماضي، لا سيما أن بعض التحليلات ترى أن هزيمة الحركة عبر عملية عسكرية شاملة، قد لا تكون مجديةً بدرجة كبيرة، بالنظر إلى أن عناصر الحركة في الوقت الراهن لا يتمركزون في منطقة بعينها، وينتشرون بصورة مشتتة. وثمة عامل آخر سيُحدِّد مستقبل هذا الصراع، وهو درجة التوتر في العلاقات القائمة بين حكومة إسلام أباد وحركة طالبان أفغانستان، في ضوء الارتباطات الكبيرة بين الأخيرة وبين نظيرتها الباكستانية، وقدرتها على توجيه دفة المفاوضات بين طالبان باكستان والحكومة بما يخدم مصالحها.

وفي هذا السياق، يبدو أن باكستان تقترب بسرعة من النقطة التي تنظر فيها إلى نقل القتال ضد حركة طالبان باكستان إلى ملاذاتها في أفغانستان، باعتبار ذلك نهجاً أكثر جدوى لتأمين حدودها، اعتماداً على المعلومات الاستخباراتية بالتعاون مع حلفاء دوليين وإقليميين، مع الاستمرار في استكمال بناء السياج الحدودي مع جارتها الأفغانية؛ لمنع تسلل عناصر طالبان إلى الأراضي الباكستانية.


 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)