علي عاطف يكتب: نهج برجماتي: ما المكاسب التي تجنيها الصين من التقارب مع "طالبان"؟

profile
  • clock 31 أغسطس 2022, 4:01:09 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

أدركت الصين منذ أن سيطرت حركة “طالبان” على الحكم في أفغانستان في أغسطس 2021 أن نهج الصدام مع هذه الجماعة الأفغانية قد يتسبب لها في بروز تهديدات كبرى على المستويين الاقتصادي والأمني؛ لذا قررت بكين اتخاذ مسار مغاير من خلال السعي إلى التقارب مع “طالبان”، بصفتها حاكم الأمر الواقع في كابول، من أجل تجنب هذه التهديدات وحفظ مصالحها المترامية. وفي هذا الإطار، عقدت بكين محادثات عدة مع قادة الحركة خلال الأشهر الماضية حصلت من خلالها على تطمينات بشأن المصالح الصينية الاقتصادية والأمنية؛ ليس فقط داخل أفغانستان، بل في الصين ذاتها وباكستان ومنطقة آسيا الوسطى بوجه عام، بل إن هدف الصين من وراء ذلك يتصل أيضاً وبشكل غير مباشر بمسألة التنافس الدولي مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتتمثل أبرز المكاسب التي تسعى الصين للحصول عليها من خلال عدم الإضرار بعلاقاتها مع حركة “طالبان”، فيما يلي:

تعزيز الاستثمارات

1- تعزيز مجالات الاستثمار داخل أفغانستان: لا تُعد عملية الاستثمار الاقتصادي في أفغانستان خطوة جديدة أمام الصين؛ إذ طوَّرت بكين منذ سقوط حكم “طالبان” الأول في عام 2001، علاقاتها التجارية مع أفغانستان حتى أصبحت أكبر شريك تجاري لها. وقبل سيطرة الحركة مرة أخرى على البلاد في 15 أغسطس 2021، كان لبكين استثمارات كبرى داخل أفغانستان تركزت بشكل كبير في مجال التعدين؛ نظراً إلى الاحتياطات الهائلة من هذا المورد هناك والقيمة الإجمالية للثروة المعدنية في أفغانستان التي تُقدَّر بما لا يقل عن تريليون دولار أمريكي، كما أن هذه الثروة لم تُستغل على الوجه الأمثل حتى الآن بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية في البلاد منذ عقود.

أما بعد سقوط كابول في أيدي عناصر “طالبان” في شهر أغسطس 2021، فإن الصين لم تعد تسعى فقط للحفاظ على مصالحها الاقتصادية القائمة داخل أفغانستان، بل إنها تتطلع إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث تعتزم بكين تعزيز استثماراتها وتنويع مجالاتها في أفغانستان من التعدين إلى البنى التحتية والنقل والزراعة والطاقة وغيرها. ومن أجل ذلك، تبذل الصين مساعي متواصلة في الوقت الراهن لتطوير هذه الشراكة الاقتصادية والاستثمارات الكبيرة في أفغانستان من خلال التقارب مع الحركة، وهو الأمر الذي ترحب به الأخيرة بشدة وجعلها تنظر في كثيرٍ من الأحيان إلى بكين على أنها “المنقذ الوحيد” لاقتصاد البلاد المتدهور. لذا فإن إقدام الصين على الاستثمار بشكل ضخم في أفغانستان خلال قادم الأيام قد يجعلها المسيطر الاقتصادي الأول على مختلف موارد البلاد، وهو ما يحمل في طياته أيضاً مؤشرات تعزيز نفوذها السياسي بشكل هائل في كابول. 

وعلى أي حال، يعود سبب ترحيب حركة “طالبان” بهذه الاستثمارات الصينية إلى عدم إقدام العديد من البلدان حول العالم، خاصة القوى الكبرى، على الاستثمار في ذلك البلد الذي لم تعترف مختلف الدول حول العالم بـ “طالبان” حاكماً رسمياً له حتى الصين نفسها، بجانب تعرض الحركة وأفغانستان إلى عقوبات خارجية أثرت على مجالات الحياة الاقتصادية والتجارة هناك، وكذلك خشية “طالبان” من أن استمرار تدهور الاقتصاد المحلي بشدة قد يقود أفغانستان إلى حرب أهلية، في ظل رفض طوائف كثيرة من الأفغان لحكم الحركة، علاوةً على الخبرة الصينية في الاستثمار والتجارة مع أفغانستان على اختلاف حكامها.

ويكفي فقط عند الحديث عن الأهمية الاستراتيجية للاستثمار الصيني في أفغانستان الإشارة إلى مورد واحد تستثمر فيه الصين في أفغانستان، وهو مادة الليثيوم التي تندرج بالأساس تحت قائمة الثروات المعدنية الضخمة والثمينة للغاية في أفغانستان؛ حيث يُعد الليثيوم من أهم العناصر المطلوبة في صناعة السيارات الكهربائية وقيام الصين باستخراجه بكميات كبيرة من أفغانستان في المستقبل القريب سوف يجعلها حتماً في غير حاجة إلى استيراده من بلدان بعيدة؛ حيث ستكتفي بكين من نقله من ولاية غزنة شرق أفغانستان إلى داخلها براً.

تأمين المصالح

2- تأمين مصالح الصين الاقتصادية في باكستان وآسيا الوسطى: لا يحمل التقارب الصيني مع “طالبان” مكاسب اقتصادية محلية فقط في أفغانستان، بل إن المكاسب الاقتصادية تتمثل كذلك في الحفاظ على الاستثمارات الصينية في باكستان وآسيا الوسطى؛ حيث تخشى الحكومة الصينية من أن تقوم الجماعات الإرهابية في أفغانستان بضرب مصالحها الاقتصادية في الإقليم بشكل عام، خاصة في باكستان التي تبلغ قيمة عمليات التبادل التجاري معها والاستثمارات بها مليارات الدولارات.

ويعود ذلك إلى اعتبار عدد كبير من هذه الجماعات، خاصة تلك التي تتخذ طابع التمركز الإقليمي بشكل أكبر، الصين “عدواً” لها مثل “الحزب الإسلامي التركستاني”، و”حركة أوزبكستان الإسلامية”، و”اتحاد الجهاد الإسلامي”، و”حركة طالبان-باكستان” و”داعش” وتنظيم “القاعدة”. وعلى الرغم من أن بعض هذه الجماعات إقليمية، فإن تنظيمي “داعش” و”القاعدة” الإرهابيين قد ينضمان إلى التنظيمات الأخرى في العمل ضد الصين. وترى بعض هذه الجماعات الصين “مستعمِرة” مثل “حركة أوزبكستان الإسلامية” التي وصف زعيمها “أبو ذر البورمي” بكين في عام 2013 بأنها “العدو التالي رقم 1″، كما تتهم جماعات أخرى الصين بـ”العمل ضد المسلمين” ما قد يدفعها من ثم إلى استغلال أي فرصة في المستقبل لضرب المصالح الصينية.

تجنب الفوضى

3- تأمين المشروع الصيني الضخم “الحزام والطريق”: تحاول الصين بشكل رئيس ضمان عدم تدهور الأوضاع الأمنية في أفغانستان إلى حد الفوضى العارمة التي لا تستطيع فيها الحركة السيطرة على مفاصل البلاد؛ إذ إن مثل هذه الفوضى أو الحرب الأهلية لن تضر فقط بأمن واستقرار أفغانستان ومن ثم بالمصالح الاقتصادية المحلية الصينية، بل إنها سوف تهدد تباعاً استكمالَ أكبر مشروع اقتصادي استراتيجي صيني في العصر الحالي، وهو مشروع “الحزام والطريق” الذي تم الإعلان عنه عام 2013 ومخطط الانتهاء منه في عام 2049 ميلادياً.

حيث يمتد المشروع بالأساس من الصين إلى دول آسيا الوسطى وأفغانستان ليربط بين قارات العالم القديم الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا. وتشكل منطقة آسيا الوسطى إحدى أهم حلقات مسار “الحزام والطريق” الذي من المرجح أن يمتد إلى 68 دولة؛ ما يجعل حفظ الأمن في هذه المنطقة وضمان استقرارها عاملاً حيوياً للغاية في مواصلة المشروع ومده إلى بقية دول العالم. ومن بلدان تلك المنطقة التي تحاول الصين الحفاظ على الأمن بها من أجل المشروع، أفغانستان وباكستان وطاجيكستان وإيران. ولما كان تدهور الحالة الأمنية في أفغانستان إلى حد الفوضى أو الحرب الأهلية سوف يضر بالأمن في إقليم آسيا الوسطى على الأقل ويجعل هذه المنطقة ممهدة لعمل وأنشطة مختلف الجماعات الإرهابية، فإنه من ثم سوف يقوض مشروع الحزام والطريق ولن تكون بكين قادرة حينئذ على مواصلته بالأساس. لذا فإن من بين أهداف الصين من وراء التقارب مع “طالبان” سعيها الجاد لحفظ الأمن في هذه المنطقة ومن ثم ضمان مواصلة “الحزام والطريق”.

تنظيمات الإيجور

4- الحفاظ على الأمن الداخلي في الصين: شكلت مخاوفُ الصين الممثلة في إمكانية شن جماعات مناهضة لها هجمات إرهابية ضدها انطلاقاً من أفغانستان واحداً من أهم دوافع البلاد للتقارب مع “طالبان” وحفظ الأمن في أفغانستان في الوقت نفسه؛ إذ إنه بجانب الجماعات المذكورة آنفاً المعادية للصين، تشكل تنظيمات متشددة أخرى تتألف من مواطنين إيجور صينيين هاجساً أمنياً جدياً لبكين. حيث وجدت عناصر الإيجور منذ سنوات أفغانستان ملاذاً آمناً وقريباً من الناحية الجغرافية لهم وجمعتهم لاحقاً صلاتٌ بتنظيم “القاعدة” وجماعات أخرى مماثلة، حتى إن كثيرين منهم ذهبوا للانخراط في عمليات العنف بسوريا خلال السنوات الماضية. وعلاوة على ذلك، ترتبط هذه التنظيمات بعلاقات عرقية وتاريخية مع المواطنين القاطنين شمال شرق أفغانستان، بل مع قبائل أخرى في باكستان وطاجيكستان.

وفي ظل معاداتها الحكومة الصينية، تخشى بكين من أن تتخذ هذه التنظيمات الإيجورية من أفغانستان قاعدة لشن هجمات ضدها في الداخل الصيني بالتنسيق مع معارضين آخرين محلياً. لذا تسعى الصين عبر التقارب والتنسيق مع “طالبان” إلى تجنيب البلاد هجمات هذه التنظيمات جميعها، خاصة الإيجور الذين قد يشكلون لها أيضاً تحدياتٍ أخرى داخلية عبر التعاون مع معارضي الحكومة الصينية في إقليم شينجيانج وإثارتهم ضد بكين. والجدير بالذكر هنا أن الجوار الجغرافي بين الصين وأفغانستان يلعب دوراً في تفاقم هذه المخاوف لدى الصين؛ حيث ترتبط الأخيرة بحدود يصل طولُها إلى 76 كيلومتراً مع أفغانستان عبر ممر واخان النائي والمعزول. وعليه، فقد سارعت الحكومة الصينية فور سيطرة “طالبان” على العاصمة كابول العام الماضي إلى تعزيز تعاون أجهزتها الأمنية في السيطرة على الحدود مع أفغانستان لأسباب أمنية منها منع استخدام جماعات الإيجور، أو التنظيمات الأخرى، ممر واخان لشن هجمات ضدها.

تنافس دولي

خلاصة القول؛ قد تستطيع الصين تعزيز استثماراتها إلى أقصى حد في أفغانستان والاستحواذ على دورٍ سياسي أيضاً قد يصبح بلا منافس في “أفغانستان-طالبان”. ولكن وفي ظل التنافس الأمريكي الصيني على المستوى الدولي، فإن السيطرة الصينية على هذا النحو قد تدفع الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها داخل أفغانستان اقتصادياً للاستفادة والاستثمار في مواردها المختلفة، خاصة في قطاع المعادن. كما أن واشنطن التي ظلت في أفغانستان لمدة عقدين من الزمن وأنفقت أكثر من تريليوني دولار بمعدل 300 مليون دولار يومياً قد لا يروق لها وقوع أفغانستان اقتصادياً في يد الصين في ظل التنافس التجاري بينهما على المستوى الدولي. وعليه، فإن ذلك المسار الصيني قد يحفز الولايات المتحدة مستقبلاً على التركيز بشكل أكبر على استثمار قدرات أفغانستان.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)