وسام سعادة يكتب: المفارقتان «الاشتراكية» و«الدينية» للنظام الأوليغارشي في سريلانكا

profile
  • clock 16 يوليو 2022, 2:20:22 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

سريلانكا من البلدان القليلة في العالم التي أبقت على ذكر «الاشتراكية» ليس فقط في دستورها، كما هي حال الهند، بل أيضاً في الاسم الرسمي للدولة الذي هو «جمهورية سريلانكا الديمقراطية الاشتراكية».
ليس هذا حال كوبا مثلاً، رغم أنها بلد محكوم بنظام الحزب الواحد، الحزب الشيوعي. أما الصين فتكتفي بأنها «جمهورية شعبية»، وكوريا الشمالية بأنها «ديمقراطية شعبية».
لعله لم يعد هناك في عالم اليوم من بلدان يحمل اسمها الرسمي مصطلح الاشتراكية سوى فيتنام، التي تتبنى الماركسية – اللينينية كأيديولوجيا دولة، بصرف النظر عن اللبرلة الاقتصادية الجارية فيها على قدم وساق في إطار رأسمالية الدولة، أو قل رأسمالية الحزب الدولة، ومن ثم سريلانكا التي تختلف حكاية الاشتراكية معها تماماً.
فهذه الجزيرة وبعد أن تسمت سريلانكا عام 1972، بعد أن كانت تعرف حتى ذلك الوقت باسمها الكولونيالي «سيلان»، اختارت اضافة ملفوظ الاشتراكية الى اسمها الرسمي في سبتمبر 1978. لم يحدث ذلك وقتها لأنها اعتمدت الماركسية اللينينية في أي من متفرعاتها، بالعكس.
حدث ذلك في عز المزاوجة بين القومية الإثنية – الدينية للأكثرية السينهالية وبين مفهوم معين عن الاشتراكية.
أكثر من ذلك، لئن اختارت أنديرا غاندي في الفترة نفسها تقريبا، التشديد على علمانية واشتراكية الدولة الهندية خاصة حين لجأت أنديرا الى الانقلاب من فوق وحظرت أحزاب أخصامها واعتقلتهم مؤقتاً، بإعلانها حال الطوارئ بين عامي 75 و77، فقد حصل العكس في الحالة السريلانكية، إذ اقترن استحداث التعريف الاشتراكي للدولة، في دستورها كما في اسمها الرسمي مع اعتماد دين للدولة في دستور 1978، الذي ينص على «أن تمنح البوذية المكانة الأولى، وبالتالي فمن واجب الدولة حماية وتعزيز تعاليم بوذا (بوذا ساسانا) مع ضمان الحقوق الممنوحة لجميع الأديان»، هذا مع كون أكثر من ثلث السكان في الجزيرة من غير البوذيين، أي هندوس ومسيحيين ومسلمين.
هذا المنحى الذي انتصر في الجزيرة بعد استقلالها عن المستعمر البريطاني لإيثار القومية الإثنية الدينية السينهالية البوذية على حساب الوطنية الجامعة المتعددة إثنيا ولغوياً هو أساساً الذي أفضى أساساً الى تغيير اسمها من سيلان الى سريلانكا.
سيلان اسم يرمز الى الماضي الكولونيالي البرتغالي ثم الهولندي ثم البريطاني، لكنه كان يمتلك مقدرة استيعابية للتعددية الموجودة في الجزيرة.
أما تسمية «سريلانكا» المعتمدة منذ العام 1972 فهي تسمية احيائية قومية دينية، تستخدم الاسم السنسكريتي القديم لما هو مفترض انه هذه الجزيرة بالذات في ملحمة الرامايانا، أي «لانكا»، التي تعني بكل بساطة الجزيرة، ثم تضيف اليه «سري» أي المباركة أو المقدّسة. حصيلة المزاوجة هي إذا: الجزيرة المقدسة الاشتراكية!
عام 1972 وجد النظام الحاكم في الجزيرة أن اعتماد هذه التسمية «الجذورية – الاحيائية» حاجة حيوية للتشديد على الاعتبار القومي اللغوي والديني في آن، أي الأكثرية الاثنية اللغوية السينهالية التي تكاد تتماهى مع الأكثرية الدينية البوذية (مع التنبيه أن أغلب المسيحيين يتكلم السينهالية، وأغلب المسلمين من «المورو» يتكلمون لغة التاميل).
الحزب الذي كان له الباع الطويل في دمج القومية الإثنية الدينية والنفحة الاشتراكية هو حزب سولومون باندارانايكه الذي وصل الى الحكم عام 1956 بالمزاوجة بين رطانة يساروية شعبوية وبين موقف إثني متشدد ضد التاميل، ثم قتله راهب سينهالي بوذي عام 1960 ما إن بدأ سولومون يقدم طروحات تسووية مع الأقلية التاميلية. ثم خلفته أرملته سريمافو باندارانايكه التي هيمنت على المشهد منذ خلافتها لزوجها عام 1960 كأول امرأة تترأس حكومة وحتى وافتها المنية عام 2000.

التشديد على هذه الجمعة بين الأحادية اللغوية والدينية والإثنية أدت الى تفجير التناقض بين الأكثرية السينهالية، وكبرى الأقليات، التاميل الهندوس في الشمال والشرق، بشكل أدخل الجزيرة إلى حرب أهلية طويلة

حزب آل باندارانايكه المستمر بشكل أو بآخر مع العائلة الرئاسية المخلوعة حالياً، عائلة راجاباكشا، يحتسب كيسار في التاريخ السياسي للجزيرة. لكنه قام في عقد واحد، السبعينيات، بتبديل اسم الجزيرة الى سريلانكا، عوضاً عن الاسم المحايد دينياً واثنياً، سيلان، وقام باعتماد البوذية كدين دولة، وبتسمية الدولة رسمياً بالاشتراكية، ولم ينس يوماً أن هناك من ينتظره على المنعطف: الرهبان. الذين قتل أحدهم سولومون باندارانايكه أول ما أبدى الرجل مرونة غير مقبولة تجاه غير البوذيين وغير السينهاليين.
ارتبط ذلك أيضاً بتمكن اليسار القومي الباندرانايكي من قمع الانتفاضة الشيوعية العمالية الفلاحية المسلحة الواسعة التي قادتها جبهة «جاناتا فيموكتي بيرامونا» عام 1971، بل إن العدول عن اسم «سيلان» الى سريلانكا تم مباشرة في إثر الإجهاز على آخر جيوب التمرد الشيوعي الثوري، هذا في مقابل النجاح في ترويض أحزاب عديدة ترفع راية الشيوعية والماركسية وهي ملحقة «بالحزب العميق» للدولة.
لأجل ذلك، في تاريخ سريلانكا، اسم الجزيرة الحالي، ولفظ الاشتراكية في اسمها الرسمية، من الشواهد على الثورة المضادة. والنتيجة أن التشديد على هذه الجمعة بين الأحادية اللغوية والدينية والإثنية أدت الى تفجير التناقض بين الأكثرية السينهالية، وكبرى الأقليات، التاميل الهندوس في الشمال والشرق، بشكل أدخل الجزيرة الى حرب أهلية طويلة دامت منذ مطلع الثمانينيات حتى تمكن النظام المتداعي حالياً من ضرب آخر معاقل «نمور تحرير ايلام التاميل» عام 2009.
تنفست غالبية السكان في الجزيرة الصعداء مع انتهاء الحرب، ولو بقي عشرات آلاف التاميل في الاحتجاز لسنوات طويلة.
في الوقت نفسه، ولما كانت هذه الحرب انتهت بالتغلب، للقوم الأكثري، وللتحالف بين العسكر والمؤسسة الرهبانية الهرمية المهيمنة في المجتمع البوذي السينهالي «السانغا» ولليسار القومي – البيروقراطي، فإنه كان محكوماً على الجزيرة عدم الاستفادة من الانتهاء العسكري للحرب لإعادة بناء مقومات التفاهم بين المكونات الأهلية، وإعادة رسم سياسات اقتصادية واجتماعية منصفة ومناسبة للتماسك الاجتماعي.
بالعكس، عاد اليسار القومي السينهالي ليتسلط على العباد، مع عائلة راجاباكشا.
ما يغيب عن الانتباه اليوم في التغطية الخارجية للحدث السريلانكي هو التداخل بين البعدين العائلي والحزبي للطغمة الحاكمة التي انتفضت عليها الناس بعد ان دفعت بالبلاد نحو الخراب الاقتصادي.
فالتحالف الذي يحكم الجزيرة الى حين الانهيار المالي والاقتصادي ثم الانتفاضة على آل راجاباكشا هو تحالف «حرية الشعب» اليساري.
يضم الحزب القومي اليساري، الموروث من عائلة باندارانايكه الى عائلة راجاباكشا، أي «حزب حرية سريلانكا»، لكنه يضم أيضاً الحزب الشيوعي، ومؤتمر الشغيلة، وحزب «لانكا ساما ساماجا التروتسكي». والحزب الأخير كان الحزب الجماهيري الأكبر في تاريخ الأممية الرابعة، بمئات آلاف المحازبين، قياساً على تواضع أعداد المنتمين الى فروعها الأخرى، لكنه طرد من الأممية الرابعة عام 1964 حين قرر الالتحاق بحكومة باندارانايكه. وها هو الآن جزء من التحالف الحاكم الى أوصل البلد الى الانهيار.
في الوقت نفسه، لهذا التحالف اليساري المتعدد الحاكم سمة أوليغارشية متمحورة حول النواة العائلة المتشكلة من الأخوين ماهيندا وغوتابايا، وأخوة وأقارب آخرين لهم. غوتابايا يرث الرئاسة عن أخيه ويعطيه في المقابل رئاسة الحكومة ويوزع المناصب والعطايا على الأخوة الآخرين، وكل هذا على رأس تحالف حرية الشعب للأحزاب اليسارية، المرتبطة في الوقت نفسه بالتحالف الأعمق للرهبان والعسكر.
لكن الانهيار الاقتصادي دفع بشكل سريع السانغا أي المؤسسة الرهبانية للتحول من دعم آل راجاباكشا الذين لعبوا دوراً أساسيا في اخماد نمور التاميل الى مساندة القومة الشعبية عليهم. يبقى أنه، وفي ظل فراغ سياسي، قوامه أن أغلب أحزاب اليسار هي مطية للأوليغارشية في سريلانكا، والمجتمع ككل يعاني من تغلب إثني ديني للأكثرية على الأقليات، فإن التفاهم العميق بين الرهبان والعسكر ستبقى له الكلمة الطولى في الجزيرة. في الوقت نفسه ليس معروفاً بعد هل يمكن أن يستغني هذا التفاهم عن الواجهة التي اسعفته مطولاً: اليسار القومي المتوارث من آل باندارانايكه الى آل راجاباكشا.

كاتب من لبنان


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)