مالك التريكي يكتب :الحروب العائلية أطول الحروب الأهلية

profile
  • clock 16 يوليو 2022, 2:12:25 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

هاجرت جريدة نوفايا غازيتا إلى أوروبا الغربية في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في مسعى لمخاطبة العالم وإسماعه صوتا روسيا مستقلا. وقد نجحت مع رئيس تحريرها السابق ديمتري موارتوف، الفائز بجائزة نوبل للسلام، في استثارة حركة تضامن واسع في أوساط الإعلام الأوروبي، حيث لا تزال مستمرة في أداء الأمانة بجرأة وثبات. إلا أن ثمة محاولات أخرى لاختراق ضباب الدعاية البوتينية الكثيف، لعل أطرفها وأنجحها الموقع الذي أنشأته الكاتبة لينور غوراليك ليكون منبرا للمثقفين، المعروفين منهم والمغمورين، الذين تمنعهم الرقابة في روسيا من حرية التعبير عن آرائهم بشأن الحرب في أوكرانيا. الفكرة بسيطة لكنها ناجعة: أن يكون الموقع بمثابة صندوق بريد، تماما مثلما كان الشأن خلف ستار الحديد في عهد الحرب الباردة. بل إن الإخراج الفني للنصوص ذاته يعود بالقارئ إلى تلك الأيام الخوالي، حيث تبدو جميع النصوص عتيقة المظهر كأنها مما أكل عليه القرن الماضي وشرب، ومرقونة بالآلة الكاتبة على النحو الذي كان سائدا في ما كان يعرف بالساميزدات، أي المخطوطات والمنشورات السرية التي كانت تطبع بطرق شبه بدائية وتتناقل خفية تحت المعاطف في دول المعسكر الشيوعي، والتي كثيرا ما كان يتم تهريب نسخ منها إلى البلدان الغربية. وقد كانت رواية الدكتور زيفاغو لبوريس باسترناك من أشهر ما هرّب من منشورات الساميزدات هذه.
ومع أن معظم المثقفين الروس المعروفين لا يجاهرون بآرائهم، إلا أن كثيرا من الكتاب والفنانين قد تفاعلوا مع فكرة لينور غوراليك واستجابوا لندائها، حيث أخذ الموقع يتلقى سيلا من النصوص والخواطر والقصائد التي تنشر بالروسية فيما يتولى فريق من المتطوعين ترجمة معظمها إلى الإنكليزية والفرنسية. ولعل أبلغ تعبير عن عمق الشرخ الذي أحدثته الحرب بين أفراد الشعب الواحد، بل بين أفراد العائلة الواحدة، في كثير من أنحاء روسيا، هو مونتاج الصور الذي ركّبه الرسام هايدر بكشينتايف بعنوان «إذن نصرك قريب يا أبي؟» والذي يظهر شابا روسيا مناهضا للحرب قد حزم حقيبته استعدادا للرحيل (وهذا في الواقع هو وضع بكشينتايف نفسه الذي هاجر إلى أرمينيا من مدينته أوفا، في الأورال) بينما والده غير آبه به ولا ناظر إليه لأنه منهمك في مشاهدة دبابة على التلفزيون تحمل حرف الزاي الذي هو علامة الدعاية الحربية الروسية.

ظاهرة «الحرب العائلية»، أي الحرب التي تنشب في عقر البيت بسبب انقسام أفراده حول قضية مصيرية غالبا ما تكون وطنية أو دينية

«هوة سحيقة من اللا-تفاهم بين الأجيال» هكذا علقت لوموند. لكني أرى أن القضية أخطر بكثير من مجرد الصراع المعهود بين الأجيال. القضية أعمق وأخطر لأنها تتعلق بما يجدر أن نسميه ظاهرة «الحرب العائلية»، أي الحرب التي تنشب في عقر البيت بسبب انقسام أفراده حول قضية مصيرية غالبا ما تكون وطنية أو دينية. والحروب العائلية هي، في معظم الحالات، أطول الحروب الأهلية وأعلى مراحلها وأخطر أشكالها. إنها الحرب الأهلية في أقصى أحوالها.
وقد حفزني الحوار الذي أجرته لوموند مع لينور غوراليك لزيارة الموقع، فوجدت في العدد الأول، الذي صدر في الربيع، نصوصا آسرة بصدقها الأليم ونبرتها الجريحة. أما العدد الثاني الذي صدر أخيرا، فهو زاخر بشتى المواد الكتابية التي تدل على صحة قولة الناقد الفذ توفيق بكار بأنه «لا ينبئك عمّا بقوم أصدق من أدبهم». ومن الكتابات التي اجتذبتني نص اعترافيّ حميم يعالج فيه فالري بانيوشكين بصدق العبارة قضية الحروب العائلية التي عالجها بكشينتايف بومض الإشارة. يكتب بانيوشكين بحزن شفيف: «أبي مع الحرب. في خضم بحار الأسى الشامل الذي عممته بلادي على أوكرانيا وبقية العالم، بل وعلى شعبها (الروسي) ذاته، ثمة أيضا أساي الذاتي: ذلك أن أبي يؤيد الحرب ويشجعها. أبي، ذلك الرجل الهش البنية الذي ناهز الثانية والثمانين. إنه رجل طيب وأنا أحبه. لقد علمني ركوب الدراجة والإبحار في الزورق واستخدام المنشار والإزميل. بارع في الأعمال اليدوية (..) يحبه أبنائي لأنه يلاعبهم ويخفض لهم جناح الحنان ويصلح لهم كل لعبة معطوبة. كان يكنّ لأمي طيلة عمرها أرقّ المحبة. وقد أحاطها برعاية وعناية باهرتين مؤثّرتين أثناء السنتين اللتين انتهتا بوفاتها بسرطان الدماغ. أما الآن، فهو يؤيد الحرب. لم يعد بيننا كلام، اللهم إلا أني أسأله إذا كان قد أخذ الدواء في المواقيت».
أما النص الآخر، الذي اجتذبني بتشاكله الوسميّ مع «رسائل إلى صديق ألماني» لألبير كامو (1948)، فهو الذي يقول فيه فلاد يورتوف تحت عنوان «إلى جندي ألماني»: عزيزي الجندي، أرجو أن تغفر لي. مناي أن أتوب. ذات يوم، من زمن بعيد، قتلتك في حرب ضروس. كنت أكرهك مطلق الكراهية، وكان توقي لمحوك من وجه الأرض شديدا إلى حد أنك لما متّ فإني استرسلت في إطلاق النار عليك (..) لم أعرف اسمك. لكني أشعر أن ليس ثمة من هو أقرب لي منك. ذلك أن عينيك ونظراتك لا تزال تلازمني منذ 72 سنة. لقد رحل أبواي وزوجتي وأولادي ولكنك، يا صديقي الحقيقي، لا تزال معي…

كاتب تونسي


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)