وسام سعادة يكتب: استشرافية هانتنغتون: عن تصادم حضاري لا ينفع إنكاره

profile
  • clock 24 ديسمبر 2022, 1:07:41 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

لاقت مقولة «تصادم الحضارات» التي استشرف من خلالها صموئيل هانتنغتون (samuel huntington)، مطلع التسعينيات، سمات حقبة ما بعد الحرب الباردة، أشكالا من التشنيع عليها عديدة. بين من استساغ الرد بأنها حضارة إنسانية واحدة ولو تعددت ثقافات، وأن الغلبة ولو من بعد أخذ ورد تعود حكما للتناغم وليس للتنافر، وللتواشج والتكامل بين الثقافات، من بعد تخليص كل واحدة منها مما شابها من دُرَنِ الحقد والمَقْت. وبين من صنفها كمقولة القصد منها حرف النظر عن التناقضات الحيوية والفعلية، تلك التي تؤجج أو تتصدى لهرمية قاسية بين البشر، داخل كل مجتمع، وما بين الأمم.
بإيجاز، رُميت مقولة «تصادم الحضارات» بسهام تعيب عليها مجافاة منحى التناغم والوصل بين البشر، بمثل ما أُغمِدَت بنصال تستبشع التخفيف من حدة الصراعات على الموارد والثروة وأنماط العيش من خلال الإعلاء من شأن التنازعات على الرموز والمدلولات التراثية والهوياتية. مع هذا، في كل مرة كانت مقولة «تصادم الحضارات «فيها تُجَرح، كانت تعود فلتقط أنفاسها وتسخر، بقوة الوقائع والحوادث، من المشنعين عليها، من الذين استعجلوا وأدها وطي صفحتها.
في أقل الإيمان، كان هانتنغتون هو الأكثر قدرة مطلع التسعينيات على استشراف الأهمية المحورية لسؤال الهوية، «من نحن؟» في فترة ما بعد انقضاء الحرب الباردة، واستيعاب أن الفضاء الذي ستخليه الأيديولوجيا لن يشغله البحث عن المصالح الاقتصادية البحت، معزولة عن مسائل الهوية.
لكن بيت القصيد هنا أن الحضارية التصادمية هي البديل ليس فقط عن يوتوبيات القرن العشرين، عن الكونيتين الماركسية والليبرالية، بل كذلك الأمر عن الحركية القومية. فعوض كوكب منقسم إلى مئات من الدول الوطنية، راح يوزع الكوكب إلى حضارات لا تتعدى عدد أصابع اليدين، واحتكم الى المعيار الديني لتحديد معظم الحضارات.
عنصر الوهن الأساسي في طروح هانتنغتون يكمن تحديدا هنا. في استهانته فوق اللزوم براهنية وحيوية الأفكار القومية. تصدع نماذج «الدولة الأمة» لن يعني قيام دولة عالمية هي صورة طبق الأصل عن السوق العالمية. وهذا ما رآه هانتنغتون بحق. لكن هذا التصدع لن يعني أن القومية ستنحسر لصالح المجاميع الحضارية الإقليمية الشاملة التي تضم كل واحدة منها مجموعة من البلدان.
في المقابل، استشرافية هانتنغتون لا تغيب حتى هنا، حيث إن «القومية الإثنو ـ دينية» التي يجسدها حزب بهاراتي جاناتا الحاكم في الهند مثلا، يظهر أن القومية ـ الجمهورية، الاستيعابية للتعددية الاثنية والدينية، قومية جواهرلال نهرو و«حزب المؤتمر» والهند هي التي تراجعت، إنما لتأخد مكانها «القومية الاثنو ـ دينية. النقلة إذن من قومية «الهند لجميع الهنود» الى قومية «الهند للهندوس». المآل الاثنو ـ ديني للأفكار والحيويات القومية هو ربيع جديد لها. في الوقت عينه، لم يشهد عصر ما بعد الحرب الباردة طروحات تذكر بالجامعة الجرمانية، والجامعة السلافية، والجامعة الإسلامية، في القرن التاسع عشر. الموجات التضامنية الثقافية التي تعبر العالم الإسلامي من أقصاها الى أقصاه متوفرة مثلا، وتتكرر مرارا، لكنها لا تحجب، بل حتى لا تنافس، الانكماشات الوطنية، والشقاقات المذهبية. هانتنغتون ما كان بمستطاعه رؤية ذلك، رؤية انقسام المسلمين مثلا، بشكل يتقاطع فيه العامل الديني المذهب. كان يتوقع حضاراته كتلا تزاحم بعضها بعضا، وتتحرك كل كتلة منها بروح تضامنية بين شعوبها، هنا الغربية، وهناك المسلمة، وهكذا.

لقد شطح هانتنغتون وهو يتكلم عن حضارة أرثوذكسية لا ينفع خلالها «التغريب» بالنسبة الى بلدان كاليونان وبلغاريا ورومانيا لا إنْ هم قبلوا بالاتحاد الأوروبي ولا إنْ هم انتظموا في حلف شمال الأطلسي

ارتبط تصور هانتنغتون عن تصادم الحضارات بانفجار الوحدة اليوغوسلافية. فغلب نظرة تقول بأن هذا التصادم يبلغ أشده في منطقة التخوم بين حضارتين. وبما أن الغرب عنده حضارة الكاثوليك والبروتستانت لا المسيحيين الأرثوذكس، اعتبر أن كرواتيا امتداد للغرب، في حين ينتمي الصرب للحضارة الارثوذكسية. كذلك اليونان، بما أنها ارثوذكسية لا يسعها بالنسبة اليه أن تصير غربا، ولو عد الغرب في الأزمنة الحديثة الإغريق القدماء أسلافه الرمزيين ومصدرا أساسيا لانبثاقه كغرب.
لكن إذا كان بالمقدور التصديق على «تخومية» التصادم الحضاري في المناطق المتنازع عليها بين حضارتين، وهذا سياق حرب يوغوسلافيا عند هانتغنتون، كما مسألة كشمير بين الهند وباكستان، إلا أن الشكل الأساسي للتصادم الحضاري يحدث في حواضر ومتون كل حضارة، وليس على أطرافها وتخومها فقط. لقد شطح هانتنغتون وهو يتكلم عن حضارة أرثوذكسية لا ينفع خلالها «التغريب» بالنسبة الى بلدان كاليونان وبلغاريا ورومانيا لا إنْ هم قبلوا بالاتحاد الأوروبي ولا إنْ هم انتظموا في حلف شمال الأطلسي. وبالفعل، الشعور الروسي بالعجز عن التدخل لإنقاذ صربيا من براثن الأطلسي أواخر التسعينيات شكل منعطفا خطيرا في موسكو، ومهد السبيل للبوتينية. لكن هذه التضامنية الارثوذكسية السلافية أين نفعت بين روسيا وأوكرانيا؟ صفر منفعة. ما لم يستوعبه هانتنغتون عموما هو أن تصادم الحضارات ينحو لاتخاذ شكل حرب أهلية متقطعة على مراحل في داخل كل حضارة. التمييز الذي انطلق منه هانتنغتون بين التغريب والتحديث ما زال يحتفظ بصلاحية أساسية، رغم أنه في الوقت نفسه، لا تحديث على قاعدة اجتثاث «الغرباوية». التحديث الموازي للتحديث الغربي هو وهم.
ورغم أن هذا الغرب غير ثابت في نطاق جغرافي أطلسي شمالي كما شخص اليه هانتنغتون. الغرب حاضر بتفاوت في معانيه ودلالاته، الغرب حاضر خارج الغرب في كل مكان، الغرب حاضر بشكل كوني، من خلال تشظيه بين الناس.
بالتوازي، ما بين منتظري نضوب الحضارة الغربية بشكل سريع ولا راد له، وبين الراغبين في تأبيد هيمنتها على العالم، كان هانتنغتون أكثر تعقلا من خلال نظرته الى الأفول الغربي على أنه منذ بداية القرن العشرين لا ينفك يحصل ببطء شديد.
لقد انطلق صموئيل هانتنغتون في الأساس من تصور عمدة مؤرخي مدرسة الحوليات الفرنسية فرنان برودويل للحضارات، على أنها ذهنيات متحيزة في أقاليم جغرافية بعينها، وترصد بالأمد الطويل. لكن المفارقة أن هانتنغتون استلف هذا المفهوم من بروديل إنما لتشغيله في قراءة الأمد القصير: انعكاسات نهاية الحرب الباردة. لماذا في لحظة محددة سيصبح «الأمد الطويل» مباشرا وفوريا الى هذه الدرجة؟ المفارقة لا تنحصر بهانتنغتون هنا، فبروديل مثلا، وفيما كان ماضيا في تصنيف الحضارات، قال بأن هناك شيء بات يدعى في عصره، الحضارة السوفياتية. تخيل إذن! بروديل كان يقول بأن هناك حضارة سوفياتية، وهانتنغتون بأنها حضارة أرثوذكسية، ثم يكون عليك بعد ذلك أن تتابع مجريات الحرب الروسية على أوكرانيا! في المقابل، هل يلغي كل هذا التطاحن واقعة أنها حرب بين جيشين ما بعد سوفياتيين بشكل أو بآخر؟ تصادم الحضارات لا يتناقض مع انفجارها وتخلعها. انشطارها لا يعني أن حضارة كونية هي في طريقها للسطوع حيثما كان. وجدت الحضارات لتتصادم، لكن التصادم كما كل تبادل وتفاعل، قلما يقتصر على التخوم.

كاتب من لبنان

كلمات دليلية
التعليقات (0)