أحدث الموضوعات
وسام سعادة يكتب: التقدمية في عالمنا وإرث الحرب الباردة
-
10 ديسمبر 2022, 6:57:18 ص
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
منذ نهاية الحرب الباردة، والى يومنا هذا، يتبارز وبأشكال مختلفة «منطقان». أحدهما يرى أن مرتكزات عصر التنوير لا تزال مهيمنة على أحوال عصرنا، وبالتالي ستبقى الكونية فيه تميل لها الكفة، بالضد من خطاب الهويات والخصوصيات، بل وستتدرج أكثر، مهما كانت العراقيل والعثرات، في اتجاه الديمقراطية الكونية.
أما المنطق الثاني فهو يرى ما يعاكس تماماً هذه الوجهة. فيراها بالأحرى عولمة للهويات وسياساتها، وافتراقا لها بين هويات «جذورية» انطوائية، (منشدّة إلى الجذور والأصول) وبين هويات «تركيبية» ما بعد حديثة يمكن توليفها في خارطة من التقاطعات.
المنطق الأول يتفرع سبلاً شتى، لكن عصبه منذ نهاية الحرب الباردة بيد من يرى أن الأخيرة خيضت بشكل أو بآخر بين أيديولوجيتين تقدميتين، الليبرالية والشيوعية.
أيديولوجيتان تقدميتان هزمت إحداهما الأخرى فخرّت هذه صريعة ليس من ضربة قاصمة خارجية نزلت بها، بل من فرط تخلعها وتيبسها، ومكابرتها على هذا التخلع واليباس داخلها، وفشلها من ثم في إصلاح البيت وذات البين بعد أن اضمحلت فيها الرابطة، وفاتها الأوان.
فالاثنتان، الليبرالية كما الشيوعية، تتشاركان في الأساس، من حيث هجران النظرة في كليهما إلى التاريخ كزمن دائري، الكلمة فيه للمعاودة والتكرار، وفي تغليب النظر للزمن التاريخي على أنّه لا رجعة فيه الى الوراء (ولو بقي هناك أثر للزمن الدائري من خلال المقايسة بين الشيوعية البدائية المتخيلة السابقة على التاريخ، وبين الشيوعية النهائية التي هي بمثابة نهاية لتاريخ المجتمعات الطبقية)، ولو اختلف إيقاع التطور من مجتمع إلى آخر، ومن ميدان إلى آخر.
وبهذا المعنى، الليبرالية والشيوعية فرعان من أصل واحد، تركة أفكار عصر الأنوار. وفيها أنه كلما تقدمت حدود المعلوم تراجعت حدود المجهول. والمفارقة التالية أنه كلما تراجعت النبوءة زاد الاستشراف والتحكم بالمستقبليات. وتتمتها أنه كلما تقدم النظر كذلك تقدم العمل، والعكس بالعكس. ما يجعل التقدم في مجال المعارف والصناعات، والتقدم على صعيد الإدراك والسلوك، حلقات من شبكة وطيدة، التقدم الاقتصادي فيها يجرّ الى التقدّم السياسي كما الى التقدم الأخلاقي. التقدّم يُراكم ويتكامل فينتشر من حقل إلى حقل، ولو حصل التفاوت في الاستعداد له، وفي السرعة، الأمر الذي يُعوَّض عنه بتعميم التجربة، وبالاقتداء واللحاق.
يبقى أنّ ما حصل – بموجب هذا المنطق في وزن الأشياء – أنه، في نهاية المطاف، ثمة أيديولوجيا تقدمية غلبت ابنة عمّها، والنتيجة بالتالي عليها أن تُقرأ على أنها إعلاء لشأن التقدميين من بعد فوز فئة منهم على أخرى، بما يجبر الفئة المهزومة على تصحيح مسارها.
فقد تبيّن بهذا المعنى أن التقدميين، المنقسمين بضراوة على ضفتي الحرب الباردة، بين فسطاطي «عقيدة ترومان» و«عقيدة جدانوف»، كانوا طيلة نصف قرن من الصراع الأيديولوجي والدعائي ومن سباق التسلح والرعب النووي وحرب النجوم والانفراجات المشهدية «بين الجبارين»، يعيشون حرباً من حروب الردّة ضمن معسكر المنتمين الى خط التنوير، وأنه مع انهيار الإتحاد السوفياتي وقبله «حلف وارسو» سيكون بالمتسع طرح واحدة من أيديولوجيات التقدم، تلك الشمولية، الشيوعية، والاكتفاء بتلك العملانية، التعددية، الليبرالية.
وبما أنه لن تقوم قائمة لأي أيديولوجيا أخرى، تقارع الليبرالية من داخل البيت التقدمي، أمكن للأخيرة التسيّد على هذا البيت، وأخذ كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» لفرنسيس فوكوياما باليمنى، والمناداة بأعلى الصوت : «يا تقدميي العالم اتحدوا بعد أن تفرقتم لنصف قرن بين رايتين، وثبت بطلان واحدة ونجاعة الاخرى!»
الليبرالية والشيوعية فرعان من أصل واحد، تركة أفكار عصر الأنوار. وفيها أنه كلما تقدمت حدود المعلوم تراجعت حدود المجهول. والمفارقة التالية أنه كلما تراجعت النبوءة زاد الاستشراف والتحكم بالمستقبليات
فالحرب الباردة ستنتهي بهذا المعنى على الصعيد الفكري ـ الأيديولوجي بفوز ثمين للذين ثابروا على ليبراليتهم، ودافعوا عن النظم الدستورية التعددية، وعن ضرورة حدّ السلطة بالسلطة. بالتداول عليها والفصل بين السلطات وعدم إجهاز الدولة على المجتمع المدني، وصيانة حقوق وحريات الفرد حيال المجموع، أو حيال أي شكل من أشكال الجماعة.
هؤلاء كسبوا الرهان الأساسي، رهان التقدمية المفتوحة في وجه التقدمية المغلقة، الشمولية والدوغمائية. لكن انتصارهم هذا فيه كثير من المروءة: فهو منفتح ومستعدّ لاستتابة المهزومين من الذين اكتشفوا غشاوة تأدلجهم المتطلع الى التعجيل «بحركة الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية» وعدلوا عنه، بالاكتفاء بضرورة تفعيل وتحسين نوعية الديمقراطية الليبرالية المعمول بها. هؤلاء ليس لهم أن يُعاملوا معاملة استئصالية انتقامية، بل معاملة لا تغفل صلة القربى بل صلة الرحم التنويرية بين الغالب الليبرالي (المتسع للاشتراكي الديمقراطي والدستوري المحافظ وليس فقط لليبرالي «فقط») وبين المغلوب، الشيوعي أو الماركسي.
يكفي بالتالي تحولهم من «تقدمية شمولية – شيوعية» متهافتة الى «تقدمية ليبرالية « مظفرة، ظهر أنها الأكثر صوابية وواقعية وتواضعاً وصبراً واستيعاباً، ذلك لشد أزر معسكر التقدم، وتدشين لحظة «الديمقراطية الكونية».
انتهت حرب الردة – التي مثلتها الحرب الباردة – بين التقدميين الليبراليين وبين التقدميين الشموليين حسب هذا المنطق بتوحيد معسكر قوى التقدم. وهذا يفترض به إشاعة الفتح الديموقراطي على الصعيد الكوكبي. ويمكن فيه للمغلوبين التقدميين الشموليين سابقاً أن يتحولوا الى جناح يساري لهذه الليبرالية، ولهم أن يختاروا التبرؤ من هذه الصبغة تماماً، وأن يصيروا «ملكيين أكثر من الملك» في نيوليبراليتهم. المهم أنه ليس ثمة حاجز ذهني يحول دون «إعادة تدوير» التقدميين الشموليين بعد «موت الشيوعية» واستصلاحهم كليبراليين متميزين وسط الجمع التقدمي العام. فالتقدمية ما عادت منقسمة على نفسها بين «ديموقراطية ليبرالية» وبين «ديمقراطية شعبية»، بعد أن تبين انعدام صلاحية الأخيرة واستفرادها بالمعنى الديمقراطي. بالتالي الصراع صار تحت سقف الديمقراطية الليبرالية، بين ليبراليين اجتماعيين وبين ليبراليين فردانيين أكثر وبين ليبراليين محافظين، وهذا الصراع يمكن ان ينظر له كنعمة لعموم المعسكر التقدمي الليبرالي في وقت لم يعد به من تقدمي إلا ذلك الذي يتوب الى الليبرالية.
بالضد من هذا المنطق الذي يرى أن الحرب الباردة انتهت بانتصار أيديولوجيا تقدمية ليبرالية على أيديولوجيا تقدمية شمولية، سيتحرك المنطق الآخر. بالنسبة له، التقدمية ككل خرجت منهكة القوى من الحرب الباردة ومن قرنين من استنزافها خلال ذلك وقبل ذلك. ومع نهاية الحرب الباردة، لن تجتمع قوى المعسكر التقدمي أو تتفعل بشكل أقوى. نهاية الشيوعية غير كافية لإعادة توحيد ورثة عصر التنوير. بل سوف تؤجج بعد أكثر عملية بعثرة تركة عصر التنوير. لن يحذو شيوعي آسيا حذو شيوعيي إيطاليا مثلا الذين اختاروا التخفف من تاريخهم الأيديولوجي والحزبي، للتحول الى يسار الليبرالية. هذه لن تكون حالة عامة عند كل الخاسرين الايديولوجيين بالحرب الباردة. بالعكس تماماً ستكون ـ كلما ابتعدنا عن التسعينيات ـ حالة أقلوية. الخاسرون إيديولوجيا بنهاية الحرب الباردة سينزعون أكثر الى الالتئام مع مكونات معادية للتنوير. والليبراليون في المقابل ستأكلهم هم أيضاً الخطابات المُراجعة للتنوير. وبشكل أساسي، سيلتقي النقد الموجه للتنوير من على يمينه، مع النقد الموجه له من على يساره. النقد الرجعي مع النقد من موقع ما بعد الحداثة. النقد من موقع أن الإنسان هو جذوره وتقاليده مع النقد من موقع أن الإنسان هو ما يرغب وما يتفنن في كونه.
لأي منطق يمكن أن تكتب الغلبة؟ مبكرة جدا محاولة الإجابة. العنصر الوحيد الذي يمكن المجازفة بصدده هو أن نهاية الحرب الباردة لوحدها لا يمكن أن تتكفل بإعادة توحيد الخط التنويري، من بعد افتراق ورثته بين شيوعية وبين ليبرالية، وأن إعادة توحيد الصف التنويري التقدمي لا يمكن أن تكون في وحدة متغلب ليبرالي وتائب ماركسي سابق. هذه وصفة ضعف لا قوة، لا سيما وأن عصر ما بعد الحرب الباردة أعطى أكثر مما سبق ألف حيلة وحجة للتلاقي والتواطؤ بين أعداء التنوير والتقدمية، الذين هم في آن أخصام موصوفون للتراثين الليبرالي والماركسي ـ الغربي.
كاتب من لبنان
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
قراءة في كتاب