أحدث الموضوعات
فاكلاف سميل: دليل العلماء لفهم واقع ومستقبل العالم
-
13 يونيو 2022, 4:52:21 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
في ظل تصاعد الدعوات العالمية، وتحديداً من قبل المفكرين في العالم المتقدم، للتركيز على العلم، على اعتبار أنه طوق النجاة من الأزمات والكوارث التي تُلاحق العالم، والتي ينتج معظمها من صنع البشر؛ نشرت دار “فايكنج” كتاباً للخبير بمجال الطاقة “فاكلاف سميل” بعنوان “كيف يعمل العالم حقاً؟: دليل العالم لماضينا وحاضرنا ومستقبلنا”، في مايو 2022. تطرق الكتاب إلى الأساسيات التي يمكن من خلالها الحفاظ على استمرار وبقاء العالم وضمان ازدهاره، ومنها مسائل الطاقة والغذاء والعولمة والبيئة.
تحولات الطاقة
أوضح الكتاب أن الطاقة ليست مجرد عنصر في الهياكل المعقدة للمجتمعات البشرية واقتصاداتها، بل إن تحولات الطاقة هي أساس الحياة والتطور. ورأى الكتاب أن من غير الواقعي التحول على نحو فوري للاعتماد على الطاقة المتجددة والتخلي عن الطاقة غير المتجددة، وفسَّر ذلك عبر ما يأتي:
1– تزايد معدلات الاعتماد على الوقود الأحفوري: تزايدت درجة اعتماد المجتمعات المعاصرة على الوقود الأحفوري بدرجة لافتة. وتُظهر التقديرات التي استعان بها المؤلف لدعم فكرته، تزايد استخدام الوقود الأحفوري خلال القرن التاسع عشر 60 ضعفاً، فضلاً عن تزايد هذا المعدل 16 ضعفاً خلال القرن العشرين، ونحو 1500 ضعف في القرن الحادي والعشرين.
2– الكثافة العالية لمصادر الطاقة غير المتجددة: تمتلك الهيدروكربونات السائلة المكررة من النفط الخام (البنزين، وكيروسين الطيران، ووقود الديزل) أعلى كثافة للطاقة من بين جميع أنواع الوقود المتاحة والشائعة، ومن ثم فهي مناسبة بدرجة كبيرة لتشغيل جميع وسائل النقل.
3– صعوبات توليد الكهرباء من مصادر متجددة: رغم أن المؤلف يتفق مع وجهة النظر التي ترى أن هناك فرصاً هائلة لتوليد المزيد من الكهرباء باستخدام الخلايا الشمسية وتوربينات الرياح، أكد أنه في الدول الكبيرة المكتظة بالسكان، لا يمكن الاعتماد بالكامل على مصادر الطاقة المتجددة هذه بدون أنظمة تخزين طاقة ضخمة أو ترقيات واسعة للشبكات لنقل الكهرباء الخضراء عبر مسافات شاسعة إلى حيث تكون مطلوبة.
4– ضرورة حدوث تحول الطاقة تدريجياً: رأى المؤلف أن أي انخفاض في درجة الاعتماد على الوقود الأحفوري، لا بد أن يحدث تدريجياً، وليس على نحو مفاجئ أو سريع. وعلى الرغم من أنه تم استبدال الفحم بالخشب بسهولة نسبية في أوائل القرن العشرين، فإن من المحتمل أن يستغرق الأمر وقتاً أطول للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، خاصةً أن الطلب العالمي على الطاقة أصبح الآن أعلى بكثير من حيث الحجم.
تأمين الغذاء
نوه الكتاب بأهمية الأمن الغذائي للعالم ومستقبله، وطرح في معرض حديثه عن المشكلات الغذائية بعض الأفكار التي يمكن من خلالها زيادة معدل إنتاج العالم من الغذاء. ويتضح ذلك عبر ما يأتي:
1– معاناة أعداد كبيرة من أزمة سوء الغذاء: لا تزال هناك أعداد كبيرة من البشر يعانون من نقص الغذاء، لا سيما في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ولا ينفي هذا تراجع معدلات سوء التغذية الحالية إذا قُورنت بفترات سابقة؛ إذ تُقدر الفاو أن الحصة العالمية من للذين يعانون من نقص التغذية انخفضت من نحو 65% في عام 1950 إلى 25% بحلول عام 1970، وإلى نحو 15% بحلول عام 2000.
2– الاعتماد باستمرار على التحسينات: لفت المؤلف إلى أن زيادة إنتاج الغذاء هو الحل الوحيد لمعالجة هذه الأزمة، مشيراً إلى أن التحسينات المستمرة – رغم الظروف الصعبة الناجمة عن الكوارث الطبيعية أو النزاعات المسلحة – أدت إلى تخفيض معدل سوء التغذية إلى 8.9% بحلول عام 2019؛ ما يعني أن ارتفاع إنتاج الغذاء قلَّل معدل سوء التغذية من 2 من كل 3 أشخاص في عام 1950، إلى 1 من كل 11 بحلول عام 2019.
3– العمل على زيادة غلة المحاصيل الزراعية: وفقاً للمؤلف، يرجعهذا الإنجاز العالمي في إنتاج الغذاء إلى زيادة غلة المحاصيل، لكن القول بأن هذه الزيادة كانت نتيجة لاستخدام أنواع أفضل من المحاصيل، والميكنة الزراعية، والتسميد والري وحماية المحاصيل، يُقدِّم تفسيراً منقوصاً؛ إذ يعتمد إنتاج الغذاء الحديث على نوعَين مختلفَين من الطاقة، وهما الشمس، والوقود الأحفوري والكهرباء.
محورية المادة
أشار الكتاب إلى أن من الصعب على العالم التخلي عن المكونات المادية التي تُعتبَر ضرورية لتقدُّم الحضارة البشرية. ويمكن تفنيد أسباب ذلك، كما ورد في الكتاب، عبر ما يأتي:
1– أهمية الأسمنت والصلب والبلاستيك والأمونيا: بقدر ما كانت التطورات الإلكترونية بعد عام 1950 مفيدة للغاية، فإنها لا يُمكن أن تُشكل بديلاً للأسس المادية التي لا غنى عنها للحضارة الحديثة. ولفت المؤلف إلى أن للحضارة الحديثة ركائز مادية أربعة؛ هي الأسمنت والصلب والبلاستيك والأمونيا. وتتميز هذه المواد الأربعة بتنوع هائل في الخصائص والوظائف.
2– استهلاك العالم كميات ضخمة من المواد الأربعة: استهلك العالم في عام 2019 نحو 4.5 مليار طن من الأسمنت، و1.8 مليار طن من الصلب، و370 مليون طن من البلاستيك، و150 مليون طن من الأمونيا. ويستحوذ الإنتاج العالمي لهذه المواد الأربعة على نحو 17% من إمدادات الطاقة الأولية في العالم، و25%من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري.
3– محورية دور المواد الأربعة في دعم الاقتصادات: رأى المؤلف أنه لا ينبغي أن تواجه الاقتصادات العالمية أي مشاكل في تلبية الطلب على الصلب والأسمنت والأمونيا والبلاستيك. وأكد أن من غير المحتمل أن تتخلى جميع هذه الصناعات عن اعتمادها على الوقود الأحفوري بحلول عام 2050، خاصةً البلدان ذات الدخل المنخفض.
مبالغات العولمة
هون الكتاب على نحو ملحوظ من قيمة وقدر العولمة باعتبارها أساساً للتقدم البشري، وطرح بعض العوامل التي رأى أنها تدعم فكرته، وهي:
1– خطأ الاعتقاد بأن العولمة حتمية تاريخية: وفقاً للكاتب، ربما يكون أكبر سوء فهم عن العولمة هو أنها حتمية تاريخية يفرضها التطور الاقتصادي والاجتماعي، مشيراً إلى أن الأمر ليس كذلك؛ فالعولمة ليست المعادل الاقتصادي لقوة من قوى الطبيعة، مثل الرياح أو الماء، بل هي مجرد بناء بشري.
2– الانحسار المحتمل للعولمة لعقود مقبلة: بفضل العديد من ابتكارات ما بعد عام 1850، وصلت العولمة إلى ذروتها مؤخراً، لكن هذه التطورات التقنية لا تجعل التقدم المستمر أمراً حتمياً بحسب المؤلف؛ إذ شهد النصف الأول من القرن العشرين تراجعاً كبيراً في العولمة الاقتصادية. وفي هذا السياق، يقول المؤلف إن العولمة قد تستمر لأعوام، لكن انحسارها سيكون لعقود مقبلة.
3– كون بكين هي المستفيد الأكبر من العولمة: كانت الصين إلى حد بعيد المستفيد الأكبر من العولمة؛ حيث بلغ متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين نحو 230 مليار دولار سنوياً، مقارنةً بأقل من 50 مليار دولار للهند. وقد ساعد اندماج بكين في الاقتصاد العالمي على تقليل عدد الذين يعيشون في فقر مدقع في البلاد بنسبة 94% بين عامي 1980 و2015.
تقدير التحديات
أكد الكتاب وجود حاجة ماسة إلى فهم المخاطر جيداً من أجل اكتساب القدرة على مواجهتها، مشدداً في الوقت ذاته على عدم المبالغة في التعامل معها. وفسَّر الكتاب دعوته تلك من خلال ما يأتي:
1– معاناة العالم من مخاطر مستمرة وعرضية: رأى الكتاب أن العالم مليء بالمخاطر المستمرة أو العرضية، وقد قسَّمها إلى فئتين مختلفتين تماماً؛ هما: الأوبئة الفيروسية المتكررة نسبياً التي يمكن أن تؤدي إلى خسائر كبيرة في غضون أشهر أو بضع سنوات، والكوارث الطبيعية التي يمكن أن تحدث خلال فترات قصيرة، ولكن قد تستمر عواقبها لملايين السنين.
2– وجود تصورات غير منطقية عن المخاطر: على الرغم من خطورة المخاطرة المستمرة والعرضية، فإن العالم مليء بالتصورات الخاطئة وتقييمات المخاطر غير المنطقية، التي تستند إلى حسابات بسيطة جداً يتم اعتمادها لعقود، بينما تحتاج بعض المخاطر إلى مقاييس أكثر دقة وتعقيداً. وتُعَد الهجمات الإرهابية أفضل مثال للتصورات الخاطئة حول المخاطر؛ فقد يكون الفرد أكثر عرضةً للوفاة في حادث طريق بدرجة أكبر من الوفاة الناتجة عن عمل إرهابي.
3– ضرورة التصدي للمخاطر بأسلوب تسلسلي: دعا المؤلف إلى التصدي للمخاطر التي يواجهها العالم في الوقت الحالي بأسلوب تسلسلي، مشيراً إلى أن هذا النهج نجح في التصدي للعديد من المخاطر من قبل. وعلى سبيل المثال، أدت زيادة غلَّات المحاصيل إلى تقليل مخاطر سوء التغذية، كما أدى الجمع بين إنتاج الغذاء والمساعدات الغذائية الطارئة إلى القضاء على حتمية المجاعات المتكررة، وأدت تدابير الصحة العامة إلى تقليل مخاطر انتشار العدوى.
حماية البيئة
رأى المؤلف أن من بين جميع المخاطر التي يواجهها العالم، فإن تغير المناخ يستلزم معالجة عاجلة وفعَّالة. واستعرض المؤلف بعض الأفكار التي رأى أنها ضرورية لمواجهة التغير المناخي، وهي:
1– ممارسة النشاط الزراعي بطريقة مثالية: تتجاوز تأثيرات التغير المناخي مسألة درجات الحرارة المرتفعة، وارتفاع مستويات المحيط التي تركز عليها وسائل الإعلام، بل تتجاوز تضرر المحاصيل الزراعية. ولا توجد حلول سهلة وغير مكلفة وسريعة لهذه الآثار البيئية، مؤكداً وجود حاجة إلى الزراعة بطريقة مثالية عبر دورات المحاصيل، والاستخدامات المنفصلة للأسمدة لتقليل خسائرها.
2– تقليل نفايات الطعام واستهلاك اللحوم: سيكون تقليل استهلاك اللحوم هو التعديل الوحيد الأكثر أهمية؛ لأنه سيقلل من الحاجة إلى إنتاج أعلاف الحيوانات. وسيؤدي تقليل نفايات الطعام إلى النصف وتغيير تكوين استهلاك اللحوم العالمي إلى تقليل انبعاثات الكربون دون الإضرار بجودة الإمدادات الغذائية. ويحتاج العالم إلى المزيد من الدراسات والأبحاث لمعرفة الطريقة المثلى للتصدي للتغيرات المناخية.
3– تقليص استخدام الطاقة لتقليل التلوث: هناك فرص هائلة لتقليل استخدام الطاقة في المباني والنقل والصناعة والزراعة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تستمر المنازل في أمريكا الشمالية ذات الإطار الخشبي المُشيَّدة جيداً والمُزوَّدة بأساس خرساني لأكثر من 100 عام، ويمكن تحقيق وفورات في الطاقة وتقليل انبعاثات الكربون من خلال العزل المناسب للجدران وألواح النوافذ الثلاثية وأفران التسخين العالية الكفاءة.
وختاماً، أكد الكتاب أنه برغم التقدم العلمي الكبير، فإن القدرة على التنبؤ بالمستقبل لا تزال محدودة، مدللاً على ذلك بجائحة كورونا التي أكد أنها ذكَّرت العالم بقدرة الإنسان المحدودة على رسم المستقبل والتنبؤ به. ورأى الكتاب أن تطوُّر الجنس البشري ليس حتمياً كما يروج البعض. ورجَّح الكتاب أن تشهد العقود القادمة حوادث أخرى غير متوقعة، كما شدد على أنه لا أجندة لفهم كيف يعمل العالم حقاً، مضيفاً أن الفهم الواقعي للماضي والحاضر هو أفضل أساس للاقتراب من المستقبل.
المصدر:
Vaclav Smil, How the World Really Works: A Scientist’s Guide to Our Past, Present and Future, (United Kingdom: Viking Publishing House, May 2022).
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات