أحدث الموضوعات
عصام نعمان يكتب: لبنان من التعددية إلى الفسيفسائية؟
-
19 ديسمبر 2022, 3:58:39 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
لبنان بلد فريد.. فرادته نابعة من تعدديته، إنه بلد الطوائف والمذاهب والعشائر والأُسر الإقطاعية العابرة للقرون والأجيال، والأقليات من شتى الأديان والإثنيات والعصبيات والطرق الصوفية، والأحزاب والتنظيمات والنقابات والميليشيات والعصابات، والشخصيات ذات المواهب والحضور والفعاليات ذات النفوذ، والأفراد الأذكياء والأبرياء العاملين أو العاطلين من العمل.
كلُ هؤلاء ألّفوا ويؤلفون عبر العصور والعهود كياناً هو أقل بكثير من دولة متماسكة وأكبر بقليل من شركة ذات شركاء مالكين كثر ومساهمين صغار قلائل. أكثرُ السكان المقيمين في الكيان المتقلقل أتباع ورعايا ومستهلكون لا يعرفون معنى المواطنة، ولا يتصرفون تالياً كمواطنين، لأن ليس ثمة دولة تعتبرهم كذلك.
ليس أدل على تعمّق التعددية وتنامي الفردانية وتأثيرات التدخلات الخارجية في المشهد اللبناني العام من عجز مجلس النواب عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية
هذا الكيان المتعدد الفريد والطريف كان، وما زال، على مدى التاريخ القديم والمعاصر عرضةً لغزواتٍ عسكرية وتدخلات سياسية ومخططات اقتصادية ومبادرات ثقافية أسهمت جميعها في تعميق تعدديته وفرادته. من مفارقات تاريخه الحديث أن أفراداً وجماعات من وافدين من خارج البلاد كانوا، وما زالوا، أكثر السكان المحليين انفتاحاً وتعاملاً مع وافدين جدد لغايات ومصالح سياسية واقتصادية، وهم اليوم البيئة الحاضنة لثقافة الغرب، والمتغرّبون المقلّدون لطقوس مجتمعاته ومبتكراتها في شتى الحقول والميادين. قلّة من سكان الكيان الفريد يعتقد أفرادها ويتصرفون كأعضاء عضويين في جسم اجتماعي وثقافي وسياسي أوسع يضمّهم وغيرهم من الشعوب والمجتمعات المتجذرة في إقليم مترامي الأطراف يقع بين المحيط الهندي شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً، وعلى سواحل بحور ثلاثة: المتوسط والأحمر والعرب. هذه القلّة المميّزة من السكان تعتبر نفسها خارج الأكثرية المؤلفة من جماعات وطوائف وعشائر ومذاهب وأفراد من شتى الأديان والمذاهب، بل تعتبر نفسها خارجة عليها، بمعنى أنها تناهضها بلا هوادة للحؤول دون تعميم فهمها للهوية الحضارية والمصير الواحد للجسم الاجتماعي والسياسي الكبير، الذي تجاهر في الانتماء إليه. من الأمور اللافتة في الآونة الأخيرة أن بعضاً من أطراف الكيان المتعدد بطوائفه ومذاهبه وأقلياته وإثنياته وميليشياته، أخذ يطرح شعارات وصيغا ومطالب تنادي باعتماد الفيدرالية واللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة، بعيداً عن الدولة المركزية. والغريب أن هذه الأطراف تدرك أن نظام لبنان السياسي، وإن كان ينطوي نظرياً على دولة مركزية، إلاّ أن هذا المفهوم للدولة غائب تماماً عن الواقع الفعلي، بل إن الدولة نفسها غائبة بكل الصيغ السياسية والدستورية المتعارف عليها. لا غلوّ في القول إن الإمعان في المناداة والعمل من أجل اعتماد الفيدرالية، أو اللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة، سيفضي عاجلاً أو آجلاً، إلى تفكيك لبنان إلى مجموعة كيانات طائفية هزيلة ومتناحرة وغير قابلة للحياة. إلى ذلك، وفي غمرة التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية المتنامية، تتبدى في هذه الآونة ظاهرة لافتة هي الفردانية الناجمة عن شيوع أجهزة التواصل الاجتماعي وتسارع وتيرة استعمالها في شتى أوساط المجتمع اللبناني وفئاته وطبقاته، ما أدى إلى اتساع معرفة الفرد متعلماً كان أم غير متعلم. ومن المعلوم أن المعرفة قوة، وأن اتساع معرفة الفرد يزيده وعياً وبالتالي قوةً وشعوراً ذاتياً بأن في مقدوره أن يفعل ويؤثّر، وبالتالي أن يغير أكثر في شؤون بيئته ومجتمعه. ومع ازدياد تأثير الفرد الأكثر معرفةً ووعياً وقوة في الشؤون العامة، نشأت ظاهرة لافتة هي ازدياد وتيرة إنشاء الهيئات والجمعيات والنشاطات والتيارات والتنظيمات، التي يقود كلٌ منها فرد أو مجموعة محدودة من الأفراد. هكذا تعمّقت التعددية واصبحت فسيفسائية مرهقة ذات دورٍ فاعل وثقيل في السياسة، كما في سائر الأنشطة العامة.
إزاء هذه التخمة من الفعاليات السياسية والاجتماعية المتشابكة والمشتبكة، ازدادت صعوبة إنشاء جبهات وتحالفات بين القوى النهضوية الملتزمة والقادرة على قيادة وتفعيل مبادرات ونضالات، للخروج من قبضة نظام المحاصصة الطوائفي الذي يمسك ويدير ما تبقّى من هياكل الدولة «المركزية» المترهّلة والمفلسة، بقصد التحرر منه للانتقال إلى رحاب العمل من أجل بناء دولة المواطنة المدنية. ليس أدل على تعمّق التعددية واستشراء الفسيفسائية وتنامي الفردانية وتأثيرات التدخلات الخارجية في المشهد اللبناني العام من عجز مجلس النواب، بتكتلاته وجماعاته وأعضائه المتشرذمين، عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد عقده، على مدى شهرين، عشر جلسات متوالية دونما جدوى. إذ يبدو لبنان مرشحاً إلى تصدير أزمته المزمنة وتعدديته المتحوّلة إلى فسيفساء سياسية وثقافية معطِّلة للمرافق والمؤسسات والأعمال إلى العام المقبل، لا يبقى من سبيل عملي لمواجهة هذا التحدي الخطير، إلاّ بمسارعة القوى الوطنية الحيّة الناهضة بمهمتي الإصلاح الجذري ومقاومة الكيان الصهيوني العدواني، إلى تخطّي تبايناتها والمبادرة بلا إبطاء إلى بناء تحالف وطني عريض القاعدة لتجاوز نظام المحاصصة الطوائفي وتكثيف العمل الجدّي لإقامة دولة المواطنة المدنية. هذا التدبير السياسي الجذري الاستباقي كفيل بمواجهة المماحكات والصراعات بين أطراف الفسيفساء السياسية والفئوية المتنامية وقطع الطريق على استغلال القوى الخارجية لتعقيدات المشهد السياسي الداخلي والحؤول تالياً دون تدهور الأوضاع إلى حرب أهلية.
كاتب لبناني
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
قراءة في كتاب