أحدث الموضوعات
د. مدى الفاتح يكتب: خيرسون: هزيمة لم تحدث وحرب لم تنته
-
22 نوفمبر 2022, 7:52:54 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
خبران احتلا عناوين الأنباء العالمية حول الأزمة الأوكرانية خلال الشهرين الماضيين. كان الأول حول تلميح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه قد يستخدم السلاح النووي في مرحلة ما للدفاع عن حدود بلاده، أما الثاني، الذي جاء قبل حوالي أسبوعين، فتعلق بالإعلان عن الانسحاب الروسي من بلدة خيرسون ذات الأهمية الاستراتيجية.
مثلما أثار الخبر الأول جدلاً واسعاً حول جدية الروس في استخدام السلاح النووي، خاصة أن الخطوط الحمر الروسية لم تكن واضحة، أثار الانسحاب الروسي غير المتوقع تساؤلات وجدلاً، وفي حين استقبل كثيرون هذا الخبر بابتهاج كبير في البداية، إلا أنه سرعان ما بدأ الخبراء يحذرون من اعتبار أن الحرب انتهت. منذ البداية كان هناك شعور بأن ثمة خدعة ما، حيث كان هناك تناقض بين الإعلان الروسي عن الجاهزية للمضي قدماً في استخدام الأسلحة النووية، إذا ما تمادى الغرب في مساندة الأوكرانيين، أو إذا ما أصبحت الحدود الروسية، بما فيها تلك الجديدة، مهددة، وما بين ذلك الانسحاب الهادئ.
تمنى كثيرون أن تكون الحرب، التي أدت لارتباك عالمي في سلاسل الغذاء والطاقة، انتهت بسقوط خيرسون، لكن الأحداث الأخيرة تبدو أقرب، لفرصة هدنة منها لنهاية حاسمة
مع أن ذلك الشعور كان منطقياً، إلا أن الإعلام الغربي فضّل القراءة السهلة للحدث، أن روسيا اضطرت للانسحاب بسبب ما عاناه جيشها المتهالك من خسائر، وأنها انهزمت في مواجهة المقاومة الأوكرانية. بناء على هذه القراءة نشرت وسائل الإعلام الاحتفالات الأوكرانية ورفع الأعلام في مناطق كثيرة من المدينة التي «تحررت» من الاحتلال الروسي، أما الرئيس الأوكراني فقد حرص على القول إن من الخطأ الحديث عن انسحاب روسي طوعي، وإن الذي حدث هو مقاومة أجبرت «العدو» على الخروج، وإن هذا الانتصار ليس سوى «بداية النهاية». الحقيقة هي أن الوضع في خيرسون، التي ما تزال القوات الروسية موجودة في ما يقدر بسبعين في المئة من محافظتها، معقد، وأن سكانها الذين كانوا يقدرون بثلاثمئة ألف شخص، والذين كان ولاؤهم موزعاً ما بين الوطنين الروسي والأوكراني لم يبق منهم إلا القليل المنقسمون بالضرورة ما بين مجموعات موالية لروسيا، قد يكون انضم إليهم مقاتلون محترفون، ومجموعات أخرى مقاومة لما تعتبره احتلالاً. هذا الانقسام بين معسكرين موجود في مناطق أوكرانية كثيرة، لكنه يتميز في خيرسون بخصوصية. لنتذكر على سبيل المثال أن خيرسون كانت من أولى المدن التي تمددت فيها روسيا، وأن ذلك كان سهلاً بسبب وجود أعداد كبيرة من الموالين لها فيها. ليس هذا فقط، ولكننا نلاحظ أيضاً أن المدينة لم تصب بخسائر كبيرة مقارنة بالدمار الذي أصاب غيرها. في هذا إشارة لحجم التعاون الذي وجده الروس داخلياً، والذي وفّر الكثير من الوقت والاشتباك. خيرسون تشبه لحد كبير إقليم القرم، الذي تم ضمه في عام 2014، الذي كان عدد قليل من سكانه يتعامل مع السلطات الجديدة كاحتلال.
من الناحية الجغرافية تقع خيرسون شرق نهر دنيبر، الذي بات أشبه بالحدود الجديدة، وتلاصقها مناطق وأقاليم أصبحت روسية من الناحية الفعلية، وهي صعوبة مضافة للصعوبة الأولى المتعلقة بتهدم الجسور الرابطة بين جانبي النهر. إذا وضعنا الصورة بهذا الشكل، فسوف يبرز أمامنا سؤالان مهمان ومرتبطان ببعضهما بشكل ما: الأول هو: هل تخلى الروس عن خيرسون فعلاً؟ أما السؤال الثاني فهو: من هم بالتحديد الموجودون حالياً في المدينة وهل هم فعلاً مدنيون ومواطنون سابقون من سكان البلدة؟ أم أفراد جدد تم نقلهم من أنحاء روسية أخرى، كما تقول منابر غربية وهي تتحدث عن «استبدال إثني»؟ للأسف فإن الإجابة عن هذين السؤالين ليست سهلة، ولذلك فإن القوات الأوكرانية، المرتكزة غرب النهر ما تزال تتعامل مع هذا الانسحاب بحذر، خوفاً من الوقوع في مصيدة. هذا الحذر يتنافى مع الدعاية التي تبشر بهزيمة الجيش الروسي ونهاية المعركة، التي تمضي أكثر من ذلك لاعتبار أن غياب الرئيس الروسي عن قمة العشرين في إندونيسيا، إنما يؤكد إقراره بهذه الهزيمة أو على أن روسيا «المنهزمة» هي التي تحتاج الآن للحوار والتفاوض من أجل خروج آمن. في الوقت الذي تحاول فيه القوات الأوكرانية الاحتفاظ بـ»سيطرتها» على خيرسون، يتساءل مراقبون غربيون متحمسون لدعم الطرف الأوكراني عن الذي سيحدث إذا ما توالت الانتصارات، ولم يكتف الأوكرانيون باستعادة المناطق التي تم «احتلالها» مؤخراً، أي إذا ما استغلوا الفرصة للتمدد وصولاً لكل ما يعتبرونها أراضٍ أوكرانية، بما فيها تلك التي تم ضمها في حرب 2014. هذا السيناريو صعب، لكن إن حدث، فإنه لا أحد يستطيع تخمين ردة الفعل الروسية، وبالنسبة للداعمين الغربيين، فإن حدود المعركة الحالية هي ما شغله ميدان الحرب الأخيرة فقط، لأن أي تحرك يتجاوز ذلك سوف يعرض المنطقة كلها للخطر.
ربما تكون محاولة استعادة إقليم القرم مستبعدة في الوقت الحالي، لكن إذا تمكنت القوات الأوكرانية من السيطرة الفعلية، وليس الإعلامية، على خيرسون، فإنها ربما تحاول توسيع انتصاراتها بفتح جبهة في إقليم لوغانتسك، أو ربما تحاول نقل المعركة إلى نواحي زاباروتشيا ومليتوبول وهي مناطق مهمة واستراتيجية، لأنها تقطع طريق الإمداد الذي يربط العمق الروسي بالقرم، وهي رغبة قديمة لدى زيلينسكي، لكن مشكلتها تكمن في أنها صعبة التنفيذ وخطرة، خاصة مع وجود دلائل على أن روسيا استعدت بالفعل لمواجهة هذا السيناريو عبر تحصينات خاصة، وعبر نقل القوات المنسحبة لهذه المناطق.
هنالك عامل آخر يجب وضعه في الاعتبار حول هذه الحرب، وهو أن المعلومات إنما تأتينا من نافذة واحدة، فبعد تفعيل الحظر على القنوات والمواقع الروسية الرسمية، أصبح مصدرنا الوحيد هو ما تصدره لنا وسائل الإعلام الغربية، التي هي غير محايدة بالتأكيد، ولذلك فإن تقارير من قبيل ضعف تجهيزات الجيش الروسي، لدرجة أنه لم يعد يمتلك حتى ملابس شتوية مناسبة، أو تقديرات الخسائر البشرية أو التقارير المتعلقة بالوضع الاقتصادي الروسي ومدى قدرة موسكو على الاستمرار في تمويل الحرب المكلفة والممتدة، أو غير ذلك مما يصل حد الحديث عن تململ في القيادة الروسية، وتحركات تهدف لاستبدال بوتين، كل هذه تقارير يجب التعامل معها بحذر، خاصة إذا كنا لا نستطيع الوصول لوجهة النظر المقابلة. هذا يجعل من الصعب معرفة ما إذا كانت تلك تقديرات موضوعية، أو مجرد مبالغة داخلة في إطار الحرب النفسية والمعنوية. الأكيد أن الحرب كانت قاسية بشكل مماثل على أوكرانيا، التي لم تجد الدعم الكافي من حلفائها، الذين خشوا أن يتورطوا بشكل مباشر في الصراع. تم تدمير جزء كبير من البنية التحتية لعشرات المدن وبعد أشهر طويلة من القتال المستمر بدأ الجيش الأوكراني يعاني من نقص الذخيرة والعتاد، أما على صعيد الضحايا، وإذا استشهدنا بكلام مايكل ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، فإن أوكرانيا فقدت، كما روسيا، ما يقارب المئة ألف ضحية موزعة ما بين قتيل وجريح. تمنى كثيرون أن تكون الحرب، التي أدت لارتباك عالمي في سلاسل الغذاء والطاقة، انتهت بسقوط خيرسون، لكن الأحداث الأخيرة تبدو أقرب، في أكثر الأقوال تفاؤلاً، لفرصة هدنة منها لنهاية حاسمة، وإن كانت هذه الفرص تبدو اليوم أصعب في ظل الأنباء التي تتحدث عن معارك جديدة في محيط دونيتسك.
كاتب سوداني
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
اقتباسات
د مصطفى محمود : ومن منا ليس فقيراً إلى الله ؟؟ منذ 4 سنوات
قصة من حياة د. مصطفى محمود منذ 4 سنوات