ابراهيم نوار يكتب:التكنولوجيا النووية: البعض يفضلونها جاهزة… السعودية ليست كذلك

profile
  • clock 18 يناير 2023, 3:20:59 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

السير على طريق الثورة الصناعية الرابعة لا يكتمل من دون امتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية. ولا يكون امتلاك التكنولوجيا بشرائها جاهزة «تسليم مفتاح»، وإنما يكون بالقدرة على إنتاجها وتطويرها محليا. وفي إطار رؤية 2030 السعودية، التي تستهدف تنويع الاقتصاد على أساس المعرفة، وإطلاق طاقات المهارات البشرية التي تشكلت خلال العقود الماضية، فإن القيادة السعودية الحالية اختارت تحقيق الانطلاق بمحركات قوة محلية، مع التعاون مع شركاء دوليين، تعاونا حرا، خاليا من القيود ومن محاولات فرض الإرادة الخارجية؛ فهذا هو الطريق الأمثل للانطلاق الحر المستدام.
وتمثل صناعة الطاقة النووية اختبارا مهما للقيادة السعودية، لأنها واحدة من أهم الصناعات المتقدمة، التي تتداخل فيها الإرادات، وتدور حولها الصراعات، وتحاول احتكارها حفنة من الدول المتقدمة، تتحكم في تجارة المفاعلات والوقود النووي.
خطورة الوقوع في فخ هذا الاحتكار هو أن تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم وصناعة أجهزة الطرد المركزي والمفاعلات وأنظمة الإنتاج، تمثل جوهر صناعة الطاقة النووية، وأن أي اتفاق لإنشاء مفاعل نووي وتزويده بالوقود يمتد زمنيا إلى فترة تصل إلى 60 أو 80 عاما. بعض الدول تفهم أن امتلاك التكنولوجيا النووية يعني شراءها بالمال، واستقدامها في صورة منشآت جاهزة «تسليم مفتاح»، مع التعهد بعدم الاقتراب من تخصيب اليورانيوم، أو تصنيع المفاعلات، وهو فهم قاصر. وتسير السعودية الآن على الطريق السليم لامتلاك التكنولوجيا النووية، بهدف الانتقال من عصر الوقود الكربوني إلى عصر الوقود النظيف الصديق للبيئة، وجعل التكنولوجيا النووية جزءا عضويا لا يتجزأ من الاقتصاد، يرتبط به ويغذيه في جميع مجالات الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية، من تحلية المياه إلى الزراعة والصناعة والتجارة والطب، وغيرها. هذا الانتقال المستهدف من شأنه أن يغير قواعد اللعبة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وأن يضع «الدولة العربية المحورية» في قلب تفاعلات، تقود حركتها فيها محركات لا تكتسب قوة دفعها من مخزون الوقود الكربوني والفائض المالي فقط، وإنما أيضا من محركات حديثة أكثر تقدما، متوافقة مع تطلعات البشرية إلى مستقبل أفضل، بيئيا وتكنولوجيا واقتصاديا واجتماعيا. هذه السياسة تفتح الباب أيضا لتوازن حضاري جديد في الشرق الأوسط، يضع العرب بقيادة السعودية، على مستوى قادر على تحقيق التكافؤ في المنافسة مع القوى الأخرى غير العربية في المنطقة.

تسير السعودية الآن على الطريق السليم لامتلاك التكنولوجيا النووية، بهدف الانتقال من عصر الوقود الكربوني إلى عصر الوقود النظيف الصديق للبيئة

هل تأخر البرنامج النووي السعودي؟

نعم. إن الحديث رسميا عن إنتاج الطاقة النووية، ورسم ملامح لبرنامج نووي، بدأ مع بدايات القرن الحالي، وانصرفت الفكرة في البداية إلى تصميم برنامج نووي خليجي، وبعد سنوات من البحث والتنسيق داخل مجلس التعاون الخليجي، عادت الفكرة لتصبح واحدا من الهموم الرئيسية للسياسة السعودية، فتم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في الطاقة النووية مع الولايات المتحدة عام 2008، ثم صدرت قرارات بالبدء في إقامة مكونات البنية الأساسية التكنولوجية والقانونية والاقتصادية والإدارية والمؤسسية، بإنشاء مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة عام 2010. ومن خلال أجهزة هذه المدينة تم إطلاق مبادرات لوضع ملامح البرنامج الوطني للطاقة الذرية، وخطة للتنقيب عن اليورانيوم محليا، وإنشاء شركة «تقنية» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والشركة السعودية القابضة للطاقة النووية، والتخطيط لإقامة أول مفاعل، واختيار مفاعلات الماء الخفيف للاستخدام المتنوع، خصوصا في أغراض إنتاج الطاقة وتحلية المياه، وتطوير القاعدة التكنولوجية الصناعية وغيرها. ومع إقامة المدينة وجدت السعودية طريقها للتعاون مع قوى تكنولوجية جديدة إلى جانب الولايات المتحدة، منها الصين وكوريا الجنوبية وجنوب افريقيا والأرجنتين، وكذلك مع دول عربية مثل الأردن، التي تتمتع بوجود حوالي واحد في المئة من احتياطي اليورانيوم الخام في العالم. لكن هذه المبادرات سارت ببطء، ولم تحقق تقدما كبيرا، وراحت تدور حول نفسها، حتى جاء الأمير محمد بن سلمان، وأطلق رؤية 2030، التي جعلت الانطلاق النووي السعودي أحد أولوياتها الرئيسية. لكن تطبيق رؤية الأمير محمد بن سلمان لإطلاق محركات القوة السعودية من عقالها، لم يلبث أن اصطدم هو الآخر بالعراقيل التي أدت إلى إبطاء وتأخير البرنامج النووي السعودي. وكانت زيارته للولايات المتحدة في عام 2018 التي امتدت لما يقرب من ثلاثة أسابيع، هي التي كشفت التحدي الحقيقي الذي يقف وراء إبطاء وتأخير البرنامج الوطني النووي السعودي. ومع أنه حاول تقديم صيغة مرنة للتغلب على هذا التحدي، فيبدو أنه عاد من زيارته، وقد عقد العزم على إطلاق البرنامج النووي، في إطار مبدأ «استقلالية السياسة الخارجية» وعدم السماح لأي قوة، بما في ذلك الشريك الأمريكي، على إملاء شروط يكون من شأنها تقييد الإرادة السعودية، وتأخير البرنامج النووي، ووضعه تحت سيطرة إرادة خارجية. وفي العام نفسه 2018 حدث الانتقال النوعي للرؤية السعودية للعمل على امتلاك تكنولوجيا إنتاج دورة الوقود النووي كاملة في الداخل، اعتمادا على الخامات المحلية، والمهارات البشرية السعودية، والتعاون مع الخارج بعيدا عن الولايات المتحدة. وصدرت أوامر محمد بن سلمان في إطار رؤية 2030 بوضع خطة لبناء 16 مفاعلاً نووياً في السنوات العشرين المقبلة بتكلفة تبلغ 80 مليار دولار بأسعار ذلك الوقت.

القيود الأمريكية

خلال الرحلة الأمريكية، زار الأمير محمد بن سلمان شركة «وستنجهاوس» المنتجة لمفاعلات الطاقة النووية، وبحث مع مسؤوليها سبل حل الخلافات، التي تسببت في إبطاء البرنامج النووي. وكان قد بحث هذه الخلافات أيضا مع دونالد ترامب الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، ووصل الأمر إلى حد أن ترامب اقترح بيع الشركة لواحد من أصدقائه هو توم باراك، لتيسير حصول السعودية على المفاعلات التي تريد شراءها من دون تعقيدات قانونية، لكن المفاوضات لم تسفر عن شيء لا مع ترامب ولا مع مسؤولي «وستنجهاوس». ومع أن ولي العهد السعودي كان بوسعه تقديم تنازلات لتحريك صفقة المفاعلات مع الولايات المتحدة فإنه رفض ذلك. ومن الواضح أن بن سلمان كانت لديه رؤية واضحة تماما لما يريد، وكانت هذه الرؤية تتجاوز نطاق شراء مفاعلات نووية «تسليم مفتاح»، وتستهدف البدء في امتلاك تكنولوجيا نووية وتجهيزات صناعية لتخصيب اليورانيوم محليا، وإنتاج الوقود النووي اللازم محليا، وإدارة البرنامج النووي بأكمله بإرادة محلية بعيدا عن أي قيود. المسألة بالنسبة له لم تكن مجرد صفقة تجارية. وكانت واشنطن قد اشترطت في اتفاق التعاون النووي المشترك عام 2008 أن تلتزم السعودية بشرطين أساسيين لإتمام صفقة مفاعلات نووية بين البلدين: الشرط الأول هو أن تلتزم السعودية بعدم تخصيب اليورانيوم محليا، أو إعادة تشغيل اليورانيوم الناضب المتبقي في نهاية دورة الوقود النووي. الشرط الثاني، أن توقع السعودية، وأن تصدق رسميا على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يضمن للوكالة حق التفتيش الكامل على البرنامج النووي السعودي في كل الأوقات، لكن القيادة السعودية رفضت من حيث المبدأ تقييد حدود امتلاك التكنولوجيا النووية، أو التنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم في حدود المواصفات الكافية لإنتاج الوقود النووي باستخدام يورانيوم منخفض التخصيب، تحت درجة 5%، علما بأن المفاعلات المتطورة، ومنها مفاعلات أمريكية، تعمل بيورانيوم مخصب بنسبة 20%. كما أن قانون الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يشترط على الدول المنتجة لليورانيوم منخفض التخصيب ضرورة التوقيع على البروتوكول الإضافي الخاص بالرقابة الشاملة.

إستبعاد «وستنجهاوس» من المنافسة

مع إصرار الولايات المتحدة على شرطيها قررت القيادة السعودية استبعاد شركة «وستنجهاوس» من الاشتراك في أول مناقصة عالمية لتوريد مفاعلات نووية تجارية لغرض توليد الطاقة وتحلية المياه، التي تم إعلانها في أوائل العام الماضي. وتضمنت المناقصة طلب توريد اثنين من المفاعلات النووية لإنتاج الماء الخفيف، بطاقة 1400 ميجاوات لكل منهما. وتم إرسال وثائق المناقصة وشروطها إلى كل من كوريا الجنوبية والصين وفرنسا وروسيا فقط، ولم يتم إرسالها للشركة الأمريكية. وتعتبر هذه المناقصة بداية حذرة ومحدودة للبرنامج النووي السعودي الطموح المعلن في عام 2018 لبناء 16 مفاعلا نووية لتوليد الكهرباء. وقد جاءت بعد أن استكملت المملكة إقامة البنية الأساسية التقنية والإدارية الضرورية لتشغيل صناعة الطاقة النووية، وذلك بإنشاء الشركة السعودية القابضة للطاقة، وبعد أن بدأت فعلا، بالتعاون مع الصين، في استخراج اليورانيوم الخام في صحراء محافظة «العُلا» في شمال غرب البلاد. وأعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان في 11 يناير الحالي عزم السعودية البدء في تخصيب اليورانيوم المنتج محليا، استعدادا لتوفير الوقود اللازم لتشغيل المفاعلات النووية وتصدير الفائض للخارج.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)