يحيى الكبيسي يكتب: العراق عن الطائفية وتسفيه القانون

profile
  • clock 3 فبراير 2023, 11:44:40 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

يبدو ثابتا أن الطبقة السياسية العراقية لم تع بعد فكرة القانون. وأتحدث هنا عن الجميع، ملكيين وجمهوريين، دكتاتوريين وديمقراطيين «مفترضين» جميعهم تعاملوا مع القانون بوصفه وسيلة لغايات سياسية مباشرة، فهو ليس أكثر من سطر يكتبه القابضون على السلطة، ويمسحونه أنّى شاءوا، يستخدمونه أو يحيّدونه متى أرادوا، وبالطريقة التي يريدون، وبحسب أين تتجه المصالح، وليس بوصفه قاعدة عامة مجردة، الغاية منه تنظيم وضع المجتمع والدولة معا، أو آلية مرتبطة بنظام القيم التي تعطي لحياة الإنسان معناها.
يقول اللورد دينيس لويد في كتابه «فكرة القانون» أن: «الكثير من هالة الشرعية التي تحيط بسلطة القانون مرتبط بالاعتقاد بالتزام أخلاقي لطاعة القانون» لكنه ينبه أيضا على ضرورة التمييز بين القانون والمعايير الأخلاقية، فالأول « يستلزم التقيد به بانتظام» في حين تظل القاعدة الأخلاقية قائمة وإن لم يُلتزم بها. ويشدد لويد على أن القانون يجب أن يكون رديفا للعدل، وأنه دعامة أساسية للديمقراطية، يقول: «مادام من غير الممكن تطبيق المساواة الصارمة في كل المجالات، فإن التعبير الصحيح عن التنظيم الديمقراطي للمجتمع هو المساواة القانونية (المساواة أمام القانون) ولا أحد فوق القانون والحقوق السياسية العالمية، إضافة إلى مبدأ عدم التمييز بسبب العرق أو اللون أو العقيدة».
وبالحديث عن القانون في العراق الذي يفتقد عادة لأي التزام أخلاقي، وفي سياق ترسيخ الطائفية السياسية في العراق، فقد أصدرت الجمعية الوطنية قانون «إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة» عام 2005، والذي جعل «آل البيت» أنفسهم ومراقدهم جزءا من سياق طائفي! وحكرا لمواطنين دون غيرهم، وهو ما أتاح السيطرة على مراقد تقع خارج الجغرافيا الاجتماعية الشيعية، كما هو الحال مع مرقد الأئمة الثلاثة الأخيرين عند الشيعة الاثني عشرية «علي الهادي والحسن العسكري ومحمد المهدي» رضوان الله عليهم، والتي تقع في مدينة سامراء حتى قبل تعرضه للتفجير الذي وقع في شباط/ فبراير من العام 2006، هكذا لم يعد القانون قاعدة عامة مجردة، بل نصوصا ذات بعد طائفي!
بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير 2023، أصدر مجلس الوزراء العراقي قرارا «اجتثت» بموجبه أربع شركات ضمن هيكلية وزارة الإعمار والإسكان والبلديات تحمل أسماء «الفاروق والمنصور والرشيد والمعتصم» ودمجها في أربع شركات عامة أخرى تحمل أسماء «سعد والفاو وآشور وحمورابي». دون أن يشير القرار إلى أسباب هذا الاجتثاث للأسماء الأربعة، بل وردت عبارة عامة تتحدث عن «الخسائر المتحققة على مدى السنوات الماضية» للشركات العامة التابعة لوزارة الإعمار والإسكان والبلديات. ولا بد من التأكيد هنا أن جميع هذه الشركات المجتثة وتلك التي ألحقت بها، هي جميعها شركات خاسرة!

في السياسة لا يتم الحكم على النوايا، فهذا عبث محض، إنما الحكم يكون على المخرجات، وكما قلنا مرارا، فان الطائفية لا تتعلق بقناعات الأفراد او بسلوكهم، بل هي تتحقق فقط من خلال الدولة، عبر سلطاتها ومؤسساتها، وعبر قوانينها وسياساتها!

وبعيدا عن الحساسيات من المسميات، وبالعودة إلى قانون الوزارة، فإننا نجد أن القانون في المادة 5/ ثالثا يقرر أن الوزارة تتكون من تشكيلات متعددة من بينها الشركات الآتية: شركة الفاروق للمقاولات، وشركة المنصور للمقاولات، وشركة الرشيد للمقاولات، وشركة المعتصم للمقاولات». وهذا يعني أن هذه الشركات هي جزء من هيكلية الوزارة نفسها، وبالتالي لا يمكن لمجلس الوزراء أن يجتث هذه الشركات الأربع، بل يحتاج الأمر إلى تشريع يصدر عن مجلس النواب، لأن النص التشريع لا يلغى أو يعدل إلا بتشريع!
كما إن قانون الشركات العامة رقم 22 الذي صدر في العام 1997، قرر في المادة رقم 3 أنه يمكن للوزارات تقديم طلبات إلى مجلس الوزراء « لتأسيس شركة عامة مشفوعا بدراسة تتضمن المسوغات الاقتصادية والفنية لتأسيسها» وحدد القانون الشروط اللازمة لذلك. وبموجب هذا القانون تم تشكيل عدة شركات عامة في وزارة الإعمار والإسكان والبلديات من بينها شركتا آشور العامة وحمورابي العامة اللتان تأسستا في العام 1998، وشركتا الفاو وسعد اللتان تأسستا في العام 1999. وهذه الشركات التي تأسست بطلب من الوزارة، وبموافقة مجلس الوزراء، هي وحدها التي يمكن لمجلس الوزراء تصفيتها بموجب المادة 14 من القانون إذا ما بلغت خسائرها نسبة 50٪ من رأس مالها الاسمي، أو دمجها بشركة أخرى وفقا للمادة 31 من القانون نفسه بقرار من مجلس الوزراء.
وهذا يعني ان قرار مجلس الوزراء غير قانوني، لأنه «اجتثت» شركات هي جزء من هيكلية الوزارة بموجب القانون، وليس شركات عامة تم تأسيسها بموجب طلب من الوزارة نفسها، ومن خلال موافقة مجلس الوزراء، وبالتالي يحق للمجلس نفسه أن يصفيها أو يدمجها بغيرها. وكان يمكن لمجلس الوزراء، أن يقوم بإدماج عكسي يكون قانونيا تماما، أي أن يقوم بإدماج الشركات العامة الأربع: سعد وآشور وحمورابي والفاو، بشركات الفاروق والمنصور والرشيد والمعتصم، ما دامت هذه الشركات كلها خاسرة ولا مفاضلة بينهم، ولكن البعد الطائفي الضمني في عملية الاجتثاث منع ذلك!
يوم 31 كانون الثاني/ يناير، أي بعد أسبوع واحد فقط من قرار مجلس الوزراء المتعلق بالدمج، وجدنا السيد وزير الإعمار والإسكان والبلديات يكتب تغريدة يقول فيها أن وزارته أصبح لديها أربع شركات فقط هي: الفاروق وحمورابي وآشور والفاو»! وبالعودة إلى قرار مجلس الوزراء سنجده يقول بالنص: «دمج شركة الفاروق العامة للمقاولات الإنشائية مع شركة سعد العامة ليكون اسمها شركة سعد العامة للمقاولات الإنشائية والاستشارات الهندسية»!
والسؤال هنا كيف يمكن فهم هذا «التغيير» الذي قام به الوزير لقرار مجلس الوزراء؟ أي بدل الحديث عن أربع شركات هي» سعد وحمورابي وآشور والفاو وفقا لما جاء في قرار مجلس الوزراء، تحدث عن شركات أربعة مع تغيير اسم أحد هذه الشركات؟
ببساطة لأن السيد الوزير وجد أن قرار الاجتثاث مفضوح جدا، وأن سياقه الطائفي واضح، فاضطر لرفع اسم شركة الفاروق من الاجتثاث بقرار فردي، أو ربما بالتشاور شفويا مع رئيس مجلس الوزراء نفسه!
في السياسة لا يتم الحكم على النوايا، فهذا عبث محض، إنما الحكم يكون على المخرجات، وكما قلنا مرارا، فان الطائفية لا تتعلق بقناعات الأفراد او بسلوكهم، بل هي تتحقق فقط من خلال الدولة، عبر سلطاتها ومؤسساتها، وعبر قوانينها وسياساتها!

كاتب عراقي

التعليقات (0)