هاني بشر يكتب: السيرة الذاتية للمخرج عبر السينما وتجربة ستيفن سبيلبيرغ

profile
  • clock 29 ديسمبر 2022, 6:37:21 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

تنثر آلة عرض سينمائي خيوط الضوء على جدار غرفة منزلية مظلمة لتحيل الحائط إلى شاشة صغيرة أقرب إلى سينما مصغرة، بينما يحتضن الطفل الأميركي سامي ذارع أمه وهو يشاهد معها فيلما منزليا. تتعلق عينا الأم بمشاهد الفيلم في وقت يطل فيه الشغف من عيني الطفل نحو أمه وليس إلى الفيلم.

يكبر الطفل ويصير مراهقا ثم شابا وتستمر رحلته نحو السينما في قاعات العرض بصحبة والدته تارة، وبصحبة أبيه تارة أخرى، أو بحضورهما معا في فيلم "فابلمانز" عن السيرة الذاتية السينمائية للمخرج الأميركي ستيفين سبيلبيرغ، التي أخرجها بنفسه وكتبها بالاشتراك مع توني كوشنر، والذي بدأ عرضه في دور السينما وعلى بعض المنصات الرقمية.

يقول ستيفين سبيلبيرغ إن معظم أفلامه مستوحاة من أمور عايشها ومر بها، إلا هذا الفيلم الذي يجسد الذاكرة، أي قصة حياته. وهنا يخرج سبيلبيرغ بشجاعة يحسد عليها ليقدم للجمهور سيرته الذاتية مع السينما بإشرافه شخصيا ليشرح جذور علاقته الإنسانية منذ الطفولة مع الشاشة الفضية، ويكشف جانبا من حكايات عائلته.

على المخرج في فيلمه عن سيرته الذاتية أن يستنطق تاريخه الشخصي ويحيل مسيرته إلى سردية بصرية مقنعة للمشاهد، وهي تجربة يصفها الكاتب البريطاني توم هادلستون بأنها تتطلب قدرا كبيرا من الصدق والجرأة والإحساس بالذات، وهذا الأمر لا يمتلكه إلا القليل من المخرجين

في هذا الفيلم يتداخل ما هو ذاتي مع ما هو موضوعي، فلن يكون المخرج موضوعيا بشكل قطعي مع قصة حياته، لكنه استطاع أن يجسد سيرة الصراع المتكرر بين الشغف الفني والمسؤوليات الاجتماعية للفرد، بالإضافة لألغاز عن مفاهيم السعادة والموهبة. هذه الموهبة التي ولدت من رحم الأم الفنانة الحالمة التي تشجع ابنها على الفن، والأب الذي يعمل في مجال الهندسة والذي لا يرى في السينما سوى هواية وليس عملا احترافيا. والقصة هنا تصور الصراع التقليدي في العالم بين العقل والقلب، أو بين الذين يفكرون بطريقة عملية والذين يفكرون بطريقة فنية حالمة، وهو ما عكسه الفيلم في جدلية العلاقة بين العالِم والفنان.

استخدم سبيلبيرغ كل الإمكانات الممكنة ليجعل الفيلم مطابقا لقصة حياته، فاستخدم صوره الشخصية القديمة مرجعا بمساعدة مهندس الديكور لتصميم بيت يشبه بيته، وغرفة تشبه غرفته الخاصة. وهو يعزف في فيلمه على وتر الحنين الشخصي، ويدمج في مفردات السيناريو مصطلحات السينما ليعلي من قيمة المجاز في الفيلم؛ كأن يدخل في نقاش مع والده حول أهمية الضوء في الحياة وكيف أنه يغير من كل شيء في إسقاط على استخدام الإضاءة في السينما.

ينضم سبيلبيرغ بذلك إلى قائمة المخرجين الذين قرروا أن يبوحوا للكاميرا بمكنونات حياتهم الخاصة ويستخدموا السينما في كتابة سيرتهم الذاتية في قالب درامي وليس وثائقيا. وفيلمه الجديد هذا قد يحمله إلى جائزة الأوسكار العام المقبل 2023، وهو الترشيح غير الجديد على مسيرته الفنية، لكنه سيحمل طابعا خاصا إذا استطاع اقتناص التمثال الذهبي هذه المرة، لأنه سيعد تتويجا لمسيرته السينمائية عن عمل فني عن حياته وشغفه بالكاميرا.

 

مخرجو السير الذاتية

تختلف أفلام السير الذاتية عن تلك التي تتناول حياة المخرجين وقصتهم. فالأولى هي نوعية شائعة من الأفلام حيث يكتب الفيلم ويخرجه شخص عن حياة شخص آخر، وهي الأكثر شيوعا في هذا النمط من الأفلام. أما النوع الثاني والأقل انتشارا فهو أن يخرج المخرج عملا يتناول حياته، خاصة إذا كان في قالب درامي وليس وثائقيا.

فعلى المخرج حينئذ أن يستنطق تاريخه الشخصي ويحيل مسيرته إلى سردية بصرية مقنعة للمشاهد، وهي تجربة يصفها الكاتب البريطاني توم هادلستون بأنها تتطلب قدرا كبيرا من الصدق والجرأة والإحساس بالذات، وهذا الأمر لا يمتلكه إلا القليل من المخرجين، على حد قوله. ويضيف أنها تجسد كيف أن السينما كما أنها نافذة، فإنها يمكن أن تصبح أيضا مرآة.

من أبرز أفلام مخرجي السير الذاتية والتي تناولت قضايا عربية حساسة فيلم "فالس مع بشير" من إخراج المخرج الإسرائيلي آري فولمان عام 2008، والذي يروي رحلته بوصفه جنديا إسرائيليا سابقا ينبش في ذاكرته المفقودة مع زميل له عن تفاصيل الحرب والدماء في لبنان قبل أكثر من عقدين. وأحدث الفيلم دويا كبيرا في حينه لعدة أسباب، أولا لأنه يتناول قضية الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بعيون إسرائيلية بكل ما تحمله من دموية وإحالات لمذبحة صبرا وشاتيلا، وثانيا أنه تم في شكل فيلم كارتون للكبار.

أما المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي فقد قدم سيرته الذاتية عام 1975 في فيلم "المرآة" باستخدام تناقضات بصرية حادة في لوحات بصرية تشير لمشاهد معاصرة بالألوان، وأخرى تشير لذكريات الطفولة بالأبيض والأسود لدرجة أنه استخدم لقطات النشرات الإخبارية في السرد، وهي سيرة شملت والده الشاعر أرسيني تاركوفسكي ووالدته ماريا فيشنياكوفا في مزج بديع بين الماضي والحاضر، والذاتي والعام، وعالم الواقع وعالم الأحلام.

وهناك أجيال جديدة تحاول خوض غمار هذه التجربة السينمائية الفريدة، منهم المخرج الإيطالي من أصول مغربية عادل عزب، الذي أخرج فيلم "اسمي عادل" عام 2016 والذي يتناول سيرته الذاتية، رغم أنه صغير في العمر نسبيا، إذ إنه في الثلاثينيات من العمر. والجديد في هذا الفيلم أن المخرج نفسه قام بالتمثيل فيه.

 

ولا تزال هذه الظاهرة الفنية ضعيفة إلى حد ما في العالم العربي، لأن الوضع الاقتصادي للإنتاج السينمائي غير مشجع على خوض هذا النمط الذي يمكن أن نعتبره تجريبيا، بالإضافة إلى أن دور السينما لا يزال محصورا في إطار الترفيه بشكل رئيسي بخلاف فنون أخرى تحظى بوضع أكثر إجلالا مثل الشعر والأدب، حيث يباح للشاعر والأديب أن يعبر عن نفسه بوضوح بخلاف مخرج السينما.

لكن قوس الاستثناء هنا يمكن أن يشمل أفلاما مثل فيلم "سرقات صيفية" عام 1988 للمخرج المصري يسري نصر الله، والذي يروي فيه سيرته الذاتية وقصة عائلة الطفل ياسر الإقطاعية التي أثرت عليها ثورة يوليو/تموز 1952 سلبيا بسبب قرارات تأميم أملاكهم، ويلتقي بصديقه الجديد من الفلاحين الفقراء. وحظي الفيلم وقتها بالعرض في أسبوع المخرجين في مهرجان كانْ السينمائي الدولي.

 

 

كلمات دليلية
التعليقات (0)