مدى الفاتح يكتب: الإحباط الوظيفي: لماذا يشعر مستخدَمون بالاستياء؟

profile
  • clock 7 مارس 2023, 3:18:54 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

زاد الاهتمام خلال السنوات الأخيرة بفنون الإدارة والتسويق، التي كان يتم استسهالها والتقليل من شأنها في الماضي. في وسائل التواصل الاجتماعي عمل مؤثرون استغلوا منابر الإعلام الجديد وشبكات التواصل لشرح أهمية فهم التسويق وإجادة مهاراته. بيّن هؤلاء المؤثرون أن إجادة هذه المهارات لا تفيد فقط كبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات، ولكن فائدتها تمتد لتشمل أصحاب الدكاكين الصغيرة والمشروعات الفردية، بل يمكن أن تنسحب أيضاً على المشغِّلين والعاملين في القطاع الحكومي العام.
على سبيل المثال حينما يشرح قاسم صلاح رئيس نادي الأعمال السوداني، في أحد مقاطعه التدريبية، مفهوم «التسويق الداخلي»، فهو يلفت نظر رب العمل إلى أن معركته لا تكمن فقط في كسب الخارج، وإيجاد موطئ قدم لسلعته أو منتوجه، ولكنها أيضاً معركة داخلية، بمعنى أن مجهوداً يجب أن يتوجه للعمال والموظفين أيضاً من أجل كسبهم.
لماذا يحتاج رب العمل لكسب الموظفين، الذي هم معه بالأساس؟ يقول صلاح إنه، بجانب الحرص على هذه الكوادر والعمل على كسبها حتى لا تتسرب باحثة عن بديل أفضل، فإن هناك سبباً آخر يدفع لتدريبها وتقديم حزمة من المكافآت والامتيازات لها، وهو أن تكون صالحة لتسويق المنتج أو للتعبير عن العمل في الخارج بشكل أفضل، لأن موظفاً محبطاً وغير راضٍ يعني باختصار عملاً فاشلاً. أقرب مثال يحضرني لهذه الحالة هو عامل المحل التجاري، الذي لا يجتهد كثيرا لإقناع الزبون ويبادر لإخباره بأن هناك خيارات أفضل وأجود في دكان مقابل. هذه الطريقة الجديدة في النظر للوظيفة وللعمال كانت لافتة بالنسبة لي، فقد كنت مهتماً بالتساؤل عن طرق تجديد الخدمة المدنية المتكلسة منذ نشرت مقالي «سيكولوجية الموظف المقهور» في صحيفة «القدس العربي» منذ حوالي ست سنوات. قلت في ذلك المقال إن الخدمة المدنية التي تعتمد، في أغلب دول الجنوب، على التراتبية والقهر، والتي تولد بيئة قامعة للإبداع والتجديد، باتت أشبه في لوائحها وقوانينها بالخدمة العسكرية، وإن كان الأمر مفهوماً على النطاق العسكري، الذي لا يسمح بتعدد الآراء ووجود أكثر من قائد ومن طريقة للعمل، فإنه لا يولّد سوى إنتاجية ضعيفة أو متدنية على الصعيد المدني. في هذا الإطار يكتفي الناس بالتعويل على الأجيال الجديدة، التي يظنون أنها، بما تمتلك من معارف مختلفة ومواكبة، يمكنها أن تغير هذا الواقع المشترك لبيروقراطية ما بعد الاستعمار، لكن الذي يحدث هو أن ضخ دماء جديدة لا ينجح في تغيير طريقة عمل هذه المؤسسات، بقدر ما يحول هذه الدماء إلى تروس إضافية منصهرة ضمن نهر كبير لا يغير مساراته. للتشبيه يمكن رؤية دورة حياة الموظف على طريقة ثلاث محطات رئيسة، هي أولاً: مرحلة الحماس، مع دخول العمل والفرح بالانتقال من مربع البطالة إلى مربع الموظفين، ثانياً: مرحلة سن المعاش، التي اعتدنا أن يتفاجأ بها الناس، على الرغم من أنها لم تكن سراً، وكان قدرها معلوماً منذ البداية. أما المرحلة الثالثة فهي ما نناقشه الآن، وهو ما يمكن أن نطلق عليه اسم «سن اليأس الوظيفي». إذا كانت سن المعاش معلومة ويمكن حسابها قبل عقود من الزمان، فإن سن اليأس الوظيفي هذه لا يمكن حسابها، ففي حين يصلها البعض بعد أعوام قليلة من التوظيف، تتأخر عند آخرين لمدى عشرين أو ثلاثين عاماً. في هذه السن يبدأ الموظف بالتساؤل عن أسباب بقائه في المؤسسة، وما إذا كانت هناك خيارات أفضل، كما يبدأ بلوم نفسه على فرحه بالالتحاق بهذا العمل، الذي لا يرى الآن إلا أنه كان مجرد مضيعة للوقت وستارا منعه من رؤية بدائل أخرى. أسباب الإحباط قد لا تكون جميعها متعلقة بالراتب، وإن كان الراتب هو العامل المهم، خاصة في حالة الوظيفة الحكومية التي تتميز فيها الأجور، وهو أمر يكاد يكون مشتركاً بين أغلب دول العالم الثالث، بأنها غير متناسبة مع الاحتياجات الفعلية للعاملين، على طريقة أن تكون أقل من إيجار منزل، أو غير كافية لدفع أقساط مدرسية. إذا نظرنا بتمعن فإننا سنجد أن هناك، بجانب الراتب الرمزي، عوامل أخرى تساهم في الوصول السريع إلى ما سميناه «سن اليأس الوظيفي»، التي تدفع للمغادرة أو للبقاء على مضض. هناك تشبيه شائع يربط بين الوظيفة بشكلها الحديث والعبودية التقليدية، ويركز أصحاب هذا التشبيه على أن الموظف في عصرنا تبقى حركته وسكونه في يد رب عمله، الذي يمكن أن يصل به الحال للتحكم في أوقات نومه ويقظته، مقابل ما يقدمه له من أجر، وهو ما يعيد للأذهان صورة العبد المملوك، الذي لا يملك من أمره شيئاً. يمكن أن نأخذ هذا التشبيه بجدية أكثر إذا ما علمنا أن أول من ردده هو عباس محمود العقاد، الذي كتب في بداية القرن الماضي مقالة تحت عنوان «الاستخدام رق القرن العشرين» كتب العقاد مقاله هذا عقب استقالته من وظيفته الحكومية التي شغلها في وقت مبكر. تاريخ المقال أيضا لافت، ففي ذلك الوقت كان للوظيفة الحكومية وجاهة اجتماعية، لما كانت توفره من مخصصات ومزايا، حتى إن العقاد اعتبر في ذلك المقال أنه قد يكون أول موظف يتقدم باستقالته من وظيفة حكومية بمحض إرادته، وإن الناس كانوا ينظرون للاستقالة بالعين ذاتها التي ينظرون بها للإقدام على الانتحار.

بقدر ما يحاول رب العمل خلق علاقة إنسانية مع مرؤوسيه تتفهم احتياجاتهم وتطلعاتهم، بقدر ما يحقق إحساساً بالشراكة الناجحة

تعيدنا تجربة العقاد إلى ما قررناه في البداية وهو أن الراتب المجزي والراحة المادية لا تقدمان حصانة مطلقة ضد الإحباط الوظيفي، بل يمكن، على العكس من ذلك، أن تكون سبباً في هذا الإحباط، إذا كان رب العمل لا يمل من التذكير بحزمة الفوائد التي يقدمها للموظفين وكأنه يخبرهم أن عليهم أن يفعلوا كل شيء بلا تذمر، أي أن يكونوا بعبارات أخرى في حكم العبيد، طالما كان يقدم لهم مقابلاً كافياً. هناك فارق كبير بين «المستخدَمين» في عهود بناء الدولة الأولى في مطالع القرن العشرين، وغيرهم من موظفي الألفية الجديدة، حيث ترفد الجامعات والمعاهد الأكاديمية سوق العمل بآلاف الخريجين الجامعيين في مختلف التخصصات كل عام. هذا التوسع التعليمي جيد، لكنه يشكل في الوقت ذاته تحدياً يجب أخذه في الاعتبار، فإذا كان صاحب العمل الحكومي، أو الخاص، يختار لمؤسسته أفضل العناصر الشابة، فيجب ان يعلم أن هذه العناصر النشيطة والطموحة لن يرضي طموحها مجرد راتب، وإنما يتطلعون للحصول على تقدير وتدريب وتطوير ذاتي، فيكفي أن يشعر هذا الموظف بأن عمله لا يضيف إليه شيئاً، بل يكاد يخصم منه، حتى يتسرب الإحباط إلى نفسه.
بعبارات أخرى يمكن القول إنه، وبقدر ما يحاول رب العمل خلق علاقة إنسانية مع مرؤوسيه تتفهم احتياجاتهم وتطلعاتهم، بقدر ما يحقق إحساساً بالشراكة الناجحة. بالمقابل فإنه، وبقدر ما يسعى لتجاهل ذلك ولخلق ضغط ذهني على جميع العاملين بحجة الانضباط والالتزام بالقواعد، بقدر ما يدفعهم للمقارنة مع حال الرقيق ولتذكر عبارة نعوم تشومسكي: «قديماً كان الرقيق يُباعون ويُشترون، أما الآن فإن البشر يُؤجرون. ولا يوجد فرق كبير بين أن تبيع نفسك وأن تؤجر نفسك».
 

 


 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)