محمد محمود السيد يكتب : لماذا لا تحسم الحروب الصراعات السياسية؟ حرب أوكرانيا قد تخبرك

profile
  • clock 16 يوليو 2022, 2:49:14 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

تراجع الزخم الإعلامي حول الحرب الأوكرانية قبل أن تنتهي كافة فصولها، وكأنها صارت حدثًا اعتياديًا لا يشغل بال الرأي العام العالمي، وتراجع الحديث عن العمليات العسكرية لصالح التداعيات الاقتصادية التي ترتبت عليها، والتي يحاول العالم اكتشافها، والتكيف معها يوميًا، والإعداد لمواجهة التداعيات التي لم تزل قيد التشكل حاليًا.

وقد يبدو ما سبق منطقيًا؛ فالحرب الأوكرانية تحولّت إلى ما يُشبه حرب استنزاف ذات كثافة منخفضة، وبلا تحولات مهمة، كما أن عالمنا الحديث في عصر مواقع التواصل الاجتماعي لا يستمر في متابعة أي حدث، مهما كانت ضخامته، إلا أيامًا معدودات، وفوق كل ما سبق فإن الحديث عن الاقتصاد، وأحوال المعيشة هو الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لأولئك البعيدين عن ساحات المعارك، ولكنهم متأثرون اقتصاديًا بها.

وبموازاة الصعوبات الاقتصادية التي فرضتها الحرب أصبحت الرغبة في فهم موقع الحرب الأوكرانية في التاريخ أكثر إلحاحًا وراهنية، ولا يرى الخبراء والمؤرخون أية مشكلة في طرح الأسئلة الكبرى حول حرب أوكرانيا منذ الآن، بل تكمن أزمتهم الحقيقية في محاولة تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة، إجابات غير مكتملة تقود إلى صياغة سياسات مضللة، لذا بدلًا عن ذلك نحاول في هذا التقرير طرح نماذج لبعض هذه الأسئلة الكبرى التي بدأت في الظهور، ومحاولات تقديم إجابات «أولية» لها.

تجريب المجرب.. لماذا تفشل الحروب في تحقيق الأهداف السياسية؟

في مقاله التحليلي المنشور في مجلة «Foreign Affairs»، يحاول لورانس فريدمان، الأستاذ الفخري لدراسات الحرب في «كينجز كوليدج» بلندن، الإجابة عن هذا التساؤل بالتطبيق على تطورات الحرب الأوكرانية منذ اليوم الأول 24 فبراير (شباط) 2022، وصولًا إلى شهر يونيو (حزيران) 2022.

 

 

ويرى فريدمان أن أغلب القادة والمحللين الغربيين والصحافة الدولية في الأسابيع التي سبقت الحرب الأوكرانية كانوا يركزون على القوى الروسية الهائلة التي كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحشدها على حدود أوكرانيا، ودارت الأسئلة حول الخطط العسكرية الروسية، وما إذا كانت تتضمن قوات كافية لاحتلال مثل هذا البلد الكبير بعد الانتصار في المعركة أم لا؟ لكن قلة قليلة هي منْ تخيلت أن القوات الأوكرانية يمكنها أن تصمد لفترة طويلة جدًا ضد القوات الروسية.

ويرى فريدمان أن فشل التقديرات التي سبقت الحرب مرده عدم انتباهها لعدد من العناصر التي تشكل مقياسًا حقيقيًا للقدرات العسكرية، بخلاف حجم العدد والعتاد، فالقوة العسكرية لا تتعلق فقط بالأسلحة والمهارات العسكرية، بل يجب أن يؤخذ في الاعتبار موارد العدو، وكذلك مساهمات الحلفاء والأصدقاء، سواء في شكل مساعدة عملية، أو تدخلات مباشرة، وعلى الرغم من أن القوة العسكرية تُقاس غالبًا بالقوة النارية، فإنه يجب أيضًا قيام مدى جودة المعدات وجودة صيانتها، ومستوى تدريب وتحفيز الأفراد الذين يستخدمونها.

وفي أية حربٍ تزداد أهمية الجوانب الاقتصادية، والقدرة على الحفاظ على المجهود الحربي، ومرونة الأنظمة اللوجستية لضمان وصول الإمدادات إلى الخطوط الأمامية حسب الحاجة ومع استمرار الصراع، وكذلك مدى قدرة أطراف الحرب على حشد الدعم الداخلي والدولي لروايتهم، مع تقويض رواية العدو، وهي المهام التي تتطلب بناء روايات مقنعة يمكنها تبرير الانتكاسات، وكذلك توقع الانتصارات، وقبل كل شيء تعتمد القوة العسكرية على القيادة الفعالة، وهذا يشمل كلًا من القادة السياسيين والعسكريين في كافة مستويات القيادة.

وبالتطبيق على الحالة الروسية يرى فريدمان أن روسيا افتقدت لأغلب هذه العناصر إبان الحرب الأوكرانية، وهو ما قوّض خططها الأولية، وحرمها من انتصار حسام وسريع؛ إذ اتضح أن مشكلات الجيش الروسي في أوكرانيا نتاج لطبيعة قيادته السياسية بالذات، وليست نتيجة للفلسفة العسكرية الروسية.

ففي الأنظمة الاستبدادية مثل روسيا، يجب أن يفكر المسؤولون والضباط مرتين قبل تحدي الرؤساء، فالحياة تكون أسهل عندما يتصرفون وفقًا لرغبات القائد دون سؤال، ويمكن للديكتاتوريين بالتأكيد اتخاذ قرارات جريئة بشأن الحرب، ولكن من المرجح أن تستند هذه القرارات إلى افتراضاتهم الخاصة غير المستنيرة، ومن غير المرجح أن يجري تحديها خلال عملية اتخاذ القرار.

كما يميل الدكتاتوريون إلى إحاطة أنفسهم بمستشارين متشابهين في التفكير، ويكون معيار اختيارهم هو الولاء أكثر من الكفاءة، وهذا السبب تحديدًا هو ما حرم بوتين من رؤية المشهد العسكري قبل الحرب على حقيقته، وكانت نتائج مغامراته العسكرية الناجحة السابقة، وصولًا إلى سوريا، حاضرة مع اتخاذ قرار الحرب هذه المرة.

ففي أوائل فبراير (شباط) 2022 لاحظ إيجور ستريلكوف جيركين – أحد القادة العسكريين الروس، والذي لعب دورًا رئيسًا في ضم شبه جزيرة القرم – أن الجيش الأوكراني كان أفضل استعدادًا مما كان عليه قبل ثماني سنوات (أي عام 2014)، وأنه «لم يجر حشد وتعبئة ما يكفي من القوات الروسية».

لذا يبدو أن بوتين لم يستشر الخبراء العسكريين بشأن مغامرة أوكرانيا، بل اعتمد بدلًا عن ذلك على أقرب مستشاريه – رفاقه القدامى من جهاز الأمن الروسي- الذين ردّدوا وجهة نظره بأن «أوكرانيا يمكن الاستيلاء عليها بسهولة».

بمجرد بدء الغزو أصبحت نقاط الضعف المركزية في الحملة الروسية واضحة، فقد كانت الخطة لحرب قصيرة مع تقدم حاسم في عدة أجزاء مختلفة من البلاد، ويعني تفاؤل بوتين ومستشاريه حينذاك أن الخطة صيغت إلى حد كبير حول عمليات سريعة من جانب وحدات قتالية نخبوية، لذلك جرى إيلاء القليل من الاهتمام للخطوط اللوجستية والإمداد؛ مما حدّ من قدرة روسيا على مواصلة الهجوم بمجرد توقفه، وبدء استهلاك جميع أساسيات الحرب الحديثة، بما في ذلك الغذاء، والوقود، والذخيرة، بسرعة.

وتقدمت روسيا إلى أوكرانيا من خلال عدد من المحاور، مما جعلها وكأنها تخوض عددًا من الحروب المنفصلة في وقت واحد، كل حرب منهم تحمل تحدياتها الخاصة، ولكل مجموعة من القوات المتحاربة هياكل قيادية خاصة بها، بدون آلية مناسبة لتنسيق جهودهم وتخصيص الموارد فيما بينهم.

إجمالًا يرى فريدمان أنه يجب على المحللين الحذر عند استخلاص دروس كبيرة من الحروب، لا سيما الحروب التي لم تُعرف نتائجها الكاملة بعد، ولكن الاستنتاج الأولي بشأن الحرب الأوكرانية، توصَّل أن الأداة العسكرية وحدها غير قادرة على حسم الحروب، إنما ترافقها عوامل نوعية وبشرية، وقد كان الأوكرانيون هم الأكثر قدرة على صياغة تكتيكات عسكرية منضبطة، اجتمعت عليها كافة المستويات القيادية، العسكرية والسياسية، واستطاعوا التنسيق جيدًا فيما بينهم.

هل يلقى نظام بوتين مصير الاتحاد السوفيتي؟

حاول فلاديسلاف زوبوك، أستاذ التاريخ الدولي بكلية لندن للاقتصاد، الإجابة عن هذا التساؤل في مقاله التحليلي المنشور في مجلة «Foreign Affairs»، بعنوان «هل يستطيع بوتين النجاة؟ دروس الانهيار السوفيتي».


فلاديمير بوتين

 

يرى زوبوك أن الغرب حاليًا مبتهج بما وصلت إليه الحرب الأوكرانية؛ إذ أعادت «النكسات العسكرية الروسية» تنشيط حلف الناتو، وجعلت موسكو للحظة تبدو وكأنها قوة عسكرية من الدرجة الثالثة، وبعد أن كانت أقصى طموحات الغرب أن تفشل الحملة العسكرية الروسية، باتوا يتطلعون إلى أن يعاني نظام بوتين من نفس مصير الاتحاد السوفيتي: الانهيار.

ويتجلى هذا الأمل في العديد من المقالات والخطب التي تقارن بين الحرب التي شنها الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وبين الحرب الأوكرانية التي يشنها النظام الروسي على جارته حاليًا، ويقوم المنطق الغربي على أن الحرب ستُضعِف الدعم الشعبي للكرملين، وذلك مع تزايد الخسائر والعقوبات التي تدمر الاقتصاد الروسي.

وبسبب انقطاع وصول الروس إلى السلع والأسواق والثقافة الغربية، فإن كلًا من النخبة والمواطنين العاديين سوف يملِّون بشكل متزايد من بوتين، وربما يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بمستقبل أفضل، وفي نهاية المطاف قد يجري تنحية بوتين ونظامه، إمّا عن طريق انقلاب، أو موجة من الاحتجاجات الجماهيرية.

ويؤكد زوبوك أن هذا التفكير يقوم على قراءة خاطئة للتاريخ، فالاتحاد السوفيتي لم ينهَر للأسباب التي يحب الغرب الإشارة إليها: هزيمة مذلة في أفغانستان، والضغط العسكري من الولايات المتحدة وأوروبا، والتوترات القومية في الجمهوريات المكونة له، في الواقع كانت السياسات الاقتصادية السوفيتية المُضلِّلة، وسلسلة من الزلات السياسية للزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف، هي التي تسبّبت في تدمير البلاد ذاتيًا.

لذلك يبدو أن بوتين قد تعلّم الدرس السوفيتي جيدًا؛ فقد أعلن ذات مرة أن «زوال الاتحاد السوفيتي كان أكبر كارثة جيوسياسية» في القرن العشرين، وقد بنى نظامه لتجنب نفس المصير؛ إذ عمل بجد لمعرفة كيف يمكن لروسيا البقاء والازدهار في ظل الرأسمالية العالمية، وجلب الاقتصاديين الأكفاء، وجعل استقرار الاقتصاد الكلي والحصول على ميزانية متوازنة من بين أولوياته القصوى.

وخلال العقد الأول من حكمه، ملأت أسعار النفط المرتفعة خزائن روسيا، وسرعان ما انتهى بوتين من سداد الدين البالغ 130 مليار دولار المستحق على روسيا للبنوك الغربية. لقد أبقى الديون المستقبلية عند الحد الأدنى، وبدأت حكومته في تكديس الاحتياطيات من العملات الأجنبية والذهب، وقد آتت هذه الاحتياطات ثمارها خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008، عندما كانت روسيا قادرة بشكل مريح على إنقاذ الشركات الحيوية لاقتصادها.

 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)