أحدث الموضوعات
محمد عباس ناجي يكتب: ضغوط الاحتجاجات: ماذا يعني تغيير قائد قوى الأمن الداخلي في إيران؟
-
9 يناير 2023, 4:04:17 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
أصدر المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية؛ علي خامنئي، في 7 يناير 2023، قراراً بتعيين العميد أحمد رضا رادان قائداً عاماً لقوى الأمن الداخلي، خلفاً للقائد السابق العميد حسين اشتري. ورغم أن القرار تم تبريره في إطار انتهاء مدة خدمة “اشتري”، فإن ذلك قد لا ينسجم مع حقيقة المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير إلى أن استمرار الاحتجاجات واقترابها من تجاوز شهرها الرابع دون بروز مؤشرات توحي بإمكانية احتوائها خلال الفترة القادمة كانت السبب الرئيسي وراء إقالة “اشتري”، خاصة أنه من الصعب الإطاحة بمسؤول أمني على هذا المستوى في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الأزمة الداخلية بهذا الشكل، إلا إذا كان هناك دافع قوي للنظام للإقدام على اتخاذ تلك الخطوة، على غرار الفشل في مواجهة الاحتجاجات. وكان لافتاً أن “خامنئي” دعا “رادان”، في مرسوم تعيينه، إلى تحسين قدرات المؤسسة الأمنية وتدريب الشرطة المتخصصة لمختلف الإدارات الأمنية، بما يوحي بأن المرشد غير راضٍ عن أداء تلك المؤسسة في التعامل مع الاحتجاجات القائمة.
أسباب عديدة
يمكن تفسير خطوة إقدام النظام الإيراني على تعيين العميد “رادان” قائداً جديداً لقوى الأمن الداخلي، في ضوء أسباب عديدة يتمثل أبرزها فيما يلي:
1– تزايد اهتمام النظام بأزمات المناطق الطرفية: يبدو أن أحد دوافع اختيار “رادان” يعود إلى سابق خدمته في المناطق الطرفية الإيرانية؛ ما منحه خبرة أمنية كبيرة في التعامل مع أزمات تلك المناطق؛ إذ سبق أن تولى “رادان” قيادة قوى الأمن الداخلي في كردستان من 1997 حتى عام 2000. وبعد ذلك تولى قيادة قوى الأمن في إقليم سيستان بلوشستان من 2000 حتى 2004. وبعد ذلك تولى قيادة قوى الأمن في خراسان من 2004 حتى 2006، ثم انتقل للعمل نائباً للقائد العام للشرطة من 2008 حتى 2014.
وبالطبع، فإن ذلك يعود، في جزء منه، إلى أن الاحتجاجات في الأطراف تبدو على أشدها، لا سيما في زاهدان عاصمة إقليم سيستان بلوشستان التي تشهد أسبوعياً، وخاصة بعد صلاة الجمعة، مسيرات تندد بسياسات النظام وترفع شعارات “الموت للدكتاتور”. ويستغل خطيب جمعة زاهدان مولوي عبد الحميد إسماعيل، الخطبة في توجيه انتقادات لاذعة للآليات التي تستخدمها السلطات، وللسياسة التي يتبناها النظام.
2– محاولة النظام الإيراني استنساخ سيناريو 2009: ربما يسعى النظام إلى تكرار سيناريو عام 2009؛ عندما نجح في احتواء الاحتجاجات التي قادتها الحركة الخضراء اعتراضاً على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في منتصف هذا العام، وأسفرت عن فوز الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية؛ إذ يبذل النظام جهوداً حثيثة من أجل إنهاء الأزمة الحالية التي فرضتها الاحتجاجات وساهمت في تعرضه لضغوط دولية قوية، ومن ثم فإنه ربما يحرص على رفع مستوى التصعيد ضد المحتجين خلال المرحلة القادمة؛ لتحقيق هذا الهدف خلال فترة قصيرة، وهو ما دفعه إلى الاستعانة بخدمات رادان تحديداً، الذي كان له دور بارز في احتواء احتجاجات عام 2009، خلال الفترة التي خدم فيها نائباً لقائد قوى الأمن.
وقد نجح النظام في احتواء هذه الاحتجاجات؛ لأسباب عديدة منها تمكنه من فرض قيود شديدة على قائديها: مير حسين موسوي؛ آخر رئيس للوزراء قبل إلغاء المنصب، ومهدي كروبي؛ رئيس مجلس الشورى الأسبق، حتى وصل الأمر إلى فرض الإقامة الجبرية عليهما في فبراير من عام 2011، عندما طالبا بتنظيم تظاهرات لتأييد الاحتجاجات التونسية والمصرية القائمة آنذاك.
3– تصاعد احتمالات تدخل الحرس الثوري لمواجهة الاحتجاجات: قد تكون تلك الخطوة مقدمة لتزايد مساحة انخراط الحرس الثوري في مواجهة الاحتجاجات؛ إذ كان لافتاً أن الحرس كان حريصاً على عدم التدخل مباشرة في التعامل مع المحتجين، إلا أن استمرار الاحتجاجات التي اندلعت منذ منتصف سبتمبر حتى الآن، فضلاً عن تعمد المحتجين التنديد بالأدوار التي يقوم بها الحرس الثوري على المستويين الداخلي والخارجي، بدليل الإمعان في حرق صور وتماثيل القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، الذي حلت الذكرى الثالثة لمقتله برفقة نائب الأمين العام لميليشيا الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في 3 يناير 2023؛ كل ذلك يبدو أنه سوف يدفع الحرس إلى التدخل بشكل أكبر في مواجهة الشارع.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن العميد “رادان” سبق أن خدم في الحرس الثوري؛ حيث انضم إليه خلال الحرب الإيرانية–العراقية في الفترة من 1980 حتى 1988. ويمكن القول إن هذه المرحلة تحديداً كانت المرحلة الذهبية للحرس الثوري، التي استغلها في تعزيز نفوذه على المستويين الداخلي والخارجي.
4– توجيه النظام الإيراني رسالة تهديد إلى الخارج: يمعن النظام الإيراني دائماً في الرد على العقوبات التي تفرضها الدول الغربية عليه، عبر تعيين المسؤولين الذين يتعرضون لتلك العقوبات في مناصب حساسة، خاصة على الصعيدين السياسي والأمني. وهنا فإن “رادان” تحديداً قد سبق أن خضع لعقوبات أصدرتها الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2010 بعد اتهامه بالمشاركة في ارتكاب انتهاكات بحق المحتجين خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران في منتصف عام 2009 وقادتها الحركة الخضراء.
ومن دون شك، فإن ذلك يعني في المقام الأول أن النظام الإيراني يسعى إلى تأكيد أن هذه العقوبات لن تضيف شيئاً إلى الضغوط التي يتعرض لها من جانب تلك الدول، ولن تدفعه إلى إجراء تغيير في سياساته التي مثلت السبب الأهم في توسيع نطاق الخلافات مع تلك الدول، والتي لم تعد تنحصر في المفاوضات النووية والتدخلات الخارجية وبرنامج الصواريخ الباليستية فقط، بل باتت تمتد إلى الدعم العسكري الذي تقدمه إيران إلى روسيا لمساعدتها على مواصلة عملياتها العسكرية داخل أوكرانيا، فضلاً عن الانتهاكات الواسعة التي ترتكبها السلطات الإيرانية ضد حقوق الإنسان، لا سيما خلال الاحتجاجات الحالية، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ أحكام إعدام بحق بعض المحتجين، وصلت إلى 4 حالات حتى الآن، بخلاف إصدار أحكام مماثلة بحق نحو عشرين شخصاً آخرين.
5– ممارسة النظام ضغوطاً أقوى على حكومة “رئيسي”: رغم أن الدستور الإيراني يمنح المرشد صلاحية تعيين قادة الشرطة، فإن النظام يحرص دائماً خلال فترات الأزمات على تحميل الحكومة الموجودة المسؤولية عن تفاقمها. ومن ثم يمكن فهم قرار إقالة “اشتري” على أنها إشارة أخرى من جانب النظام تفيد بأنه يصر على تحميل حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية بسبب الفشل في احتواء الاحتجاجات الحالية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن تلك الخطوة جاءت بعد أيام قليلة من إقالة محافظ البنك المركزي علي صالح آبادي، في 29 ديسمبر 2022، وتعيين المدير التنفيذي للبنك الوطني محمد رضا فرزين محله، بعد اتهامه بالفشل في منع انهيار العملة الوطنية.
ختاماً، على ضوء ذلك يمكن ترجيح اتجاه النظام الإيراني إلى رفع مستوى التصعيد تجاه المحتجين خلال المرحلة القادمة، لا سيما بعد أن استنفد كل الخيارات المتاحة أمامه في هذا السياق، التي لم تنجح في تحقيق الهدف منها، على نحو قد يؤدي إلى استمرار الأزمة وعدم تراجعها على عكس ما يسعى إليه النظام.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
الموسوعة الشعرية
منصف الوهايبي يكتب :الشعرُ معرفةً منذ 4 سنوات
قصيدة "على باب الله" للشاعر الراحل فؤاد حداد، منذ 4 سنوات