كمال القصير يكتب: صيانة مكتسبات الأمة: قانون الإحياء

profile
  • clock 27 ديسمبر 2022, 4:55:11 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

ينبغي النظر إلى مسألة الإحياء من منظور القوانين التي تحكم هذه العملية، لا من منطلق النقاش الفكري والسياسي المجرد. إن صحوة المجتمعات الإسلامية لها قانون في التاريخ والاجتماع يمكن ملاحظته، فهذه الصحوات لا تحدث نتيجة تفكير المفكرين أو تدبير السياسيين فحسب. ويتمثل القانون الأول للصحوة في كونها «فورة» بلغة الطب والكيمياء، ويتمثل الثاني في كونها موجة مؤقتة بزمن معين. وبهذا الاعتبار يخطئ من يعتقد أن عملية الإحياء شأن وحديث يومي دائم في كل زمان ومكان. أما القانون الثالث فهو أن عملية الإحياء لا تتم من خلال جيل الآباء، وهو أمر ينطبق على الدول والمجموعات.
وبإمكاننا أن ننظر إلى احتمالات النجاح أو الفشل ونحن نشاهد جيل الآباء المصرين على أن يملوا على جيل الأبناء أساليب الإحياء وطرقه. ومنذ القرن الماضي حتى اللحظة يبالغ المثقفون في اعتبار مسألة الإحياء الإسلامي قضية يومية. إن الصحوات وعمليات الإحياء والفورات تحدث وفق دورات زمنية استثنائية، وبإمكاننا القول هنا إن آخر دورة للصحوة الإسلامية قد حدثت منذ قرن. إن المعطيات الشعورية والمعادلات النفسية للمجتمعات أساسية في تطور هذا الأمر.
لم يكن تاريخ المسلمين مسارا كاملا من الصحوة والإحياء المتواصل، فقد تقاسمته لحظات من المدافعة وأخرى من الاستسلام الطويل للواقع الصلب. كما لم تكن المجتمعات المسلمة متحفزة على الدوام للقيام بالصحوات، فقد كانت في غالب أحوالها تعيش نمطا دنيويا وحياة عادية أو مملّة أيضا. ولمن يقرأ «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب سوف يلاحظ بغرابة حجم السعادة واللامبالاة وإقبال المسلمين على المتعة، مع إحاطة العدو بهم وقرب استئصال وجودهم كاملا.
وفي كثير من الأوقات كان هنالك تطور فكري كبير لدى المسلمين ممزوج في لحظة واحدة بانحطاط سياسي وعسكري مريع، ضمن صورة واقع واحد، دون قيام موجات إحياء ضخمة. وربما وبشكل غريب حدث أيضا إحياء عسكري فقط في شكل انتصارات كبيرة، دون أن يرافق ذلك إحياء اجتماعي أو فكري أو علمي.
يتمثل القانون الأساسي لانطلاق أي عملية إحياء في القدرة أولا على تحصين مكتسبات الفورة السابقة. وبدون عملية التحصين تتأجل مواعيد الدورات الزمنية للصحوة إلى أجل غير معروف، بسبب فقدان العناصر المحفزة على عودة لحظة الصحوة. إن أحد الأخطاء الكبرى التي حدثت طيلة القرن الماضي تتمثل في عدم تحويل منتجات الصحوة في المنطقة العربية والإسلامية، إلى جزء من بنية الأمة ونظامها الفكري والسلوكي. وبعبارة أدق، فقد كان الاستثمار ضعيفا جدا في ما تحقق في العقود الأخيرة من المنجزات الشعورية والتحفز الاجتماعي، وإعادة الصلة بالتراث والتاريخ والتطلع إلى مستقبل الإسلام في العالم. إن تحويل المكتسبات إلى ممتلكات للأمة يعني أن كثيرا من التنظيمات والقوى الفاعلة سيكون عناؤها أقل ودرجة صداميتها أيضا أقل داخل المجتمعات. ذلك أن تحصين المكتسبات يقربنا أكثر من التوافق حول كثير من القضايا.
لم تتمكن تنظيمات الإسلام السياسي ولا العلماء المستقلون من استثمار فطرة المجتمعات وتحويل كثير من المكتسبات إلى جزء مستقر في بنية المجتمعات الإسلامية، رغم كل الجدالات والصراعات التي تم خوضها منذ القرن الماضي. وحتى اللحظة لم يقع تقدم في ملف الحريات والقيم رغم عدد من النجاحات السابقة للإسلاميين في هذا الموضوع، ليعود النقاش حولها إلى بدايته، كأن معركة لم تقم حول ذلك. إن إيران التي تنتمي فورتها إلى عقود قريبة لم تتمكن من تحصين مكتسباتها، وجعلها جزءا من بنية تفكير وسلوك أجيالها الحالية، التي باتت تتمرد على نموذج رأى النور قبل عقود فقط.
لقد حققت السلفية مكتسبات عديدة في ربط الناس بالحديث النبوي والحرص على التحقق في معايير القبول والصحة. ونجح السلفيون في فرض عدد من المعايير على عموم التفكير الإسلامي. لكن تحصين المكتسبات العقدية التي بذلوا فيها عقودا من الزمن تبدو مهمة صعبة، في ظل حالة البرود التي أصيبوا بها بسبب حساباتهم في المنطقة. والسلفيون لم ينجحوا في التواصل مع الفطرة العقدية للشعوب، بسبب المعايير التفصيلية بالغة التعقيد التي يحملونها.

ما شاهدناه طيلة أيام كأس العالم في قطر كان مهرجانا ثقافيا إسلاميا عربيا عالميا عفويا، نجح في ما لم تنجح فيه عشرات الحركات ومئات المنابر طيلة عقود

إن الانتكاسات التي تتعرض لها القوى الفاعلة تدفعها إلى نسيان تحصين ما تحقق من مكتسبات الفورة. وفي خضم حالة التنكر لحلم الدولة الإسلامية السابق، أو الاستهزاء الفكري به من طرف الكثيرين باعتباره محض خيال، ينسى الكثيرون تحصين المفاهيم الأساسية المرتبطة بفكرة إسلامية الدولة، التي تمت المناداة بها والسعي إليها طيلة القرن الماضي، مثل الشورى والعدل والمساواة، التي أصبحت كلمات ضعيفة في مجال التداول. إن الكثيرين إما أن يبشروا بفكرة كبيرة مثل الخلافة، أو ينسفوها ويتخلوا عنها كاملا، دون تحصين ما يترتب عنها من مكتسبات في الوعي والشعور العام، باعتبار الخلافة أكبر من السياسة. ولهذا السبب تغيب كثير من المفاهيم التي تعتبر أساسية في تجدد الفورة بسبب إهمالها. إن الحلم والخيال في حد ذاته ينبغي تحصينه باعتباره مكتسبا أساسيا، يبشر بإمكان قيام الأشياء وتحققها في لحظة مناسبة.
الفطرة قابلية مثبتة في الإنسان، وفي أحد التفسيرات الأساسية التي قدمها الطاهر بن عاشور، اعتبر أن أصل الفطرة هو الذي جعل الإسلام دينا صالحا لجميع الأمم في جميع الأعصر. وضد الفطرة بتعبير القرآن هو «التبديل» الذي أصبح نموذجا عالميا رأينا محاولات عديدة لفرض صوره في كأس العالم في قطر وغيرها، من خلال موجة المثلية التي تمثل قمة مسار التبديل.
الفطرة الإسلامية المشتركة بين شعوب المنطقة عنصر أساسي في تقريبها إلى التوافق. إن تحصين مكتسب الفطرة جوهر أي إحياء أو فورة وقاعدتها. لقد كان ما رأيناه جميعا في» الربيع العربي الرياضي» في قطر من صور الفطرة في سلوك عدد من الرياضيين وهم يسجدون، أو يحيون فريضة رضا الوالدين أمام العالم، أو في شعارات الجمهور الحاضر مرددا كلمة التوحيد، مشهدا لقدرة الفطرة الإسلامية على كشف ضعف الثقافات العالمية وزعزعة شعورها البارد بالتفوق المغشوش، وفضح كثير من عنصريتها وعدم اهتمامها بالإنسان.
الكثير من الرياضيين الذين تركوا وراءهم تلك المشاهد الفطرية لم يكونوا يمتلكون توجيها في ذلك الأمر، ولم يفرضه عليهم انتماء تنظيمي أو أيديولوجي، لكن تلك الصور تضع الفطرة الإسلامية في مقدمة أسلحة المواجهة مستقبلا مع نموذج التبديل العالمي للإنسان من محتواه الإنساني.
أما العبقري الشاطبي فيرى أن ما في فطرة الإنسان من الأوصاف، يتبعها بلابد أفعال اكتسابية. إن كلامه واقع، ذلك أنني حقيقة لم أكن أشاهد الرياضة فقط، بل ما يتبعها من عناصر اكتسابية في الثقافة والسلوك، ونمو مشاعر الفطرة الإسلامية. إن توظيف سلاح الفطرة يقتضي تقليل الاشتباك مع عموم المسلمين، أو الإصرار على وضعهم ضمن الأطر الضيقة.
ما شاهدناه طيلة أيام كأس العالم في قطر كان مهرجانا ثقافيا إسلاميا عربيا عالميا عفويا، نجح في ما لم تنجح فيه عشرات الحركات ومئات المنابر طيلة عقود. لقد كشفت هذه المناسبة ما معنى أن تكون الدولة راعية لمشروع ثقافي، والمدى البعيد الذي يمكن أن تحققه رعايتها من نتائج. كأس العالم مكتسب ينبغي صيانته فهو فورة في لحظة استثنائية، تحتاج قطر أن تستثمره على المدى البعيد من خلال دعم البعد العالمي للثقافة العربية والإسلامية. ولا أحد في المنطقة سيقوم بهذا الأمر سواها.
في المستقبل ستكون مقارعة الأمم والتنافس مع نماذجها الثقافية هي شكل الصحوة المنتظرة. ويبدو من ملاحظة عدد من المعطيات أن المسلمين في الغرب سيكونون في واجهة هذا التحول، بسبب وجودهم على خط التماس والاحتكاك الأول مع الغرب. إن موجة فورة وصحوة سوف تجد في جغرافيا الغرب الحاضنة والمحفز الأول للترددات والتداعيات اللاحقة، التي سوف تصل العالم العربي وتحركه.
في قانون الطبيعة تنقدح الشرارة بفعل الاحتكاك، وفي قانون الاجتماع يؤدي الاحتكاك بين النماذج الثقافية وحالة المنافسة بينها، إلى درجة من الصدام الذي يفرز تمايزا في الهويات، خاصة في مناطق التماس المباشر بين القيم المختلفة. التنافس وارتفاع معدل الاحتكاك، والثقة في القدرة على مقارعة الأمم هو عنوان الصحوة المقبلة، وإنْ أظهرت الرياضة إمكانية هذا الأمر في الوقت الحالي، فسوف تظهره السياسة في وقت لاحق.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)