عمرو عبدالعاطي يكتب: ما تحولات السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب خلال عقدين؟

profile
  • clock 12 سبتمبر 2022, 7:32:41 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

شهدت الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب خلال عقدين – منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي نفذها تنظيم القاعدة، والتي أسفرت عن مقتل 2977 شخصاً، حتى قرار إدارة الرئيس جو بايدن الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أفغانستان بعد عشرين عاماً من حرب مكلفة مالياً وبشرياً – تغيرات وتحولات في محاورها، وفي مهام القوات الأمريكية المقاتلة المنتشرة في الدول التي كانت توفر ملاذات آمنة للتنظيمات الإرهابية؛ لبروز تهديدات وتحديات أمنية للولايات المتحدة أكثر أهميةً في ظل نظام دولي يشهد جملة من التطورات أضحت أكثر تهديداً للأمن والمصالح القومية الأمريكية من تلك التي تُشكلها التنظيمات الإرهابية، بعد النجاحات التي حققتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية وديمقراطية، في القضاء عليها، وتحول التركيز الأمريكي من مواجهة الإرهاب خارجياً إلى تحدي الإرهاب المحلي الذي يهدد أمن الأمريكيين أكثر من احتمال تنفيذ تنظيم إرهابي من الخارج ضد الأراضي الأمريكية مجدداً.

أبعاد التحول

تتمثل أبرز ملامح التحول في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب مع الذكرى الحادية والعشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، والذكرى الأولى لانتهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان، فيما يلي:

1– تراجع مركزية “مكافحة الإرهاب” لدى واشنطن: مثلت قضية الحرب على الإرهاب أولوية في الاستراتيجية الأمريكية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية لإدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، وقيادة الإدارات الأمريكية المتعاقبة تحالفاً دولياً لمكافحة الإرهاب عالمياً في إطار الحرب الأمريكية ضد التنظيمات الإرهابية، ولا سيما حربَي أفغانستان في أكتوبر 2001، والعراق في مارس 2003. ولكن مع النجاحات التي حققتها الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، بتراجع العمليات الإرهابية لتنظيم القاعدة، ونهاية الخلافة المزعومة لتنظيم داعش الإرهابي، مع بروز تحديات دولية أكثر تهديداً للأمن والمصالح القومية الأمريكية، ولا سيما الصعود الصيني، وتحديه مصادر قوة الولايات المتحدة عالمياً وقيادتها المنفردة للنظام الدولي، وتبني روسيا والصين رؤية تعديلية له؛ تراجعت مركزية قضية مجابهة التنظيمات الإرهابية لصالح ظاهرة “التنافس بين القوى العظمى” مع تزايد التهديدين الروسي والصيني لقواعد ومؤسسات النظام الراهن، وبروز قضايا أمنية وسياسية أكثر أهميةً للولايات المتحدة وللأمن والاستقرار الدوليين.

ويأتي تراجع مركزية قضية مكافحة الإرهاب على أجندة صانع القرار الأمريكي متسقاً مع تغير الرأي العام الأمريكي حول أهم التهديدات للأمن القومي الأمريكي؛ فبعد سيطرة تصدُّر الحرب على الإرهاب أولويات الناخب الأمريكي عقب أحداث سبتمبر الإرهابية، أضحت قضايا الهجمات السيبرانية، والمعلومات المضللة، بعد عقدين من حروب أمريكية لا نهائية، هي الشاغل الأكبر بين الأمريكيين الذين شملهم استطلاع مركز بيو للأبحاث، الذي نشرت نتائجه في 31 أغسطس الفائت، مع غياب ذكر الهجمات الإرهابية باعتبارها تهديداً للمصالح والأمن القومي الأمريكي.

2– أولوية المهام المحدودة والخاطفة ضد الإرهاب: كانت القوات الأمريكية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية خلال الحرب الأمريكية الدولية على الإرهاب عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تنخرط في المهام القتالية للقضاء على التنظيمات الإرهابية. ولكن مع النجاحات التي تحققت بخُفُوتها، تحوَّلت مهام القوات الأمريكية إلى تنفيذ عمليات محدودة، وبصورة خاطفة ضد مناطق انتشار التنظيمات الإرهابية وقياداتها، والعمل من خلال الشركاء المحليين، ومعهم لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الإرهابيين، بجانب تقديم الاستشارات والتدريبات للقوات الوطنية لتعزيز قدراتها لمكافحة الإرهاب، بحيث يكون لها الدور الرئيسي في شن العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية على الأرض.

3– استهداف قيادات التنظيمات الإرهابية من الجو: مع تحول مهام القوات الأمريكية في عديد من الدول التي تشهد نشاطاً للتنظيمات الإرهابية، ركزت الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب على استهداف العديد من قيادات التنظيمات الإرهابية في الصفين الأول والثاني من هيراركية التنظيم، من خلال الطائرات بدون طيار، أو بوحدات من الكوماندوز؛ فقد نجحت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، في ٢ مايو 2011، في اغتيال زعيم تنظيم القاعدة الأسبق أسامة بن لادن، في أبوت أباد بباكستان. ونجحت – كذلك – إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في اغتيال الزعيم الأول لتنظيم داعش أبو بكر البغدادي، في ٢٧ أكتوبر 2015. وفي فبراير الماضي، نجحت إدارة الرئيس جو بايدن في استهداف الزعيم الثاني للتنظيم أبو إبراهيم الهاشمي القرشي. وفي يوليو الفائت اغتالت الولايات المتحدة ماهر العقال زعيم تنظيم داعش ونائبه في سوريا. وأخيراً استهدفت زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، في عملية استخباراتية نفذت في 30 يوليو الفائت، تعد نصراً كبيراً للإدارة الأمريكية؛ نظراً إلى تاريخه الإرهابي.

4– توظيف التكنولوجيا المتقدمة ضد الإرهابيين: استخدمت الولايات المتحدة مع تحول استراتيجيتها في مكافحة الإرهاب من نشر قوات أمريكية على الأرض، إلى استخدام أسلحة متقدمة لتنفيذ عمليات عسكرية من الجو ضد التنظيمات الإرهابية الرئيسية، على غرار الطائرات بدون طيار التي قتلت الظواهري في العاصمة الأفغانية، واستخدام صاروخ هيلفاير (R9X Hellfire) الذي صُمِّم لتجنب التسبب في أضرار جانبية؛ حيث يضرب الهدف بشكل مركز دون انفجار؛ ما يُقلِّص دائرة الاستهداف كثيرًا.

5– تبني واشنطن خططاً لتقليل استهداف المدنيين: مع تعدد الانتقادات التي وجهتها العديد من المنظمات الحقوقية الدولية والأمريكية لتزايد عدد الإصابات بين المدنيين خلال الهجمات العسكرية التي تنفذها القوات الأمريكية ضد التنظيمات الإرهابية وقياداتها؛ أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في 25 أغسطس الفائت عن خطة عمل تهدف إلى تخفيف الأضرار المدنية خلال العمليات العسكرية الأمريكية، وتقديم الاستجابة السريعة لها. وبالفعل لم توقع عملية استهداف الظواهري أي إصابات بين المدنيين؛ حيث قال الرئيس بايدن خلال كلمته في 2 أغسطس 2022 للإعلان عن اغتيال زعيم تنظيم القاعدة إنه تم التخطيط لها بعناية، ولذلك لم يُصَب أي من أفراد عائلته، ولم تقع إصابات بين المدنيين كما كان يحدث في السابق عند استهداف قيادات التنظيمات الإرهابية.

6– تصاعد الاهتمام بمجابهة الإرهاب المحلي: مع ارتفاع عدد القتلى خلال عمليات إطلاق النار الجماعي، والعنف والكراهية داخل الأراضي الأمريكية، بما يفوق عدد ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ حدث تحول في القناعة التي كانت مسيطرة على التفكير الأمريكي عقب تلك الأحداث الإرهابية؛ من أن التنظيمات الإرهابية الدولية، مثل تنظيم القاعدة وداعش، هي التهديد الأكبر للأمن القومي للولايات المتحدة إلى أن الإرهاب المحلي، بما يشمله من أعمال عنف وكراهية، وهجمات مسلحة ينفذها المنتمون إلى اليمين المتطرف والقوميون البيض، أضحى الأكثر تهديداً. ولتزايد خطر الإرهاب المحلي وجه الرئيس بايدن، خلال أول أيامه في البيت الأبيض، فريقه للأمن القومي بمراجعة شاملة لجهود الحكومة الأمريكية للتصدي للإرهاب المحلي خلال مائة يوم. وقد أفضت تلك المراجعة إلى إطلاق الإدارة الأمريكية الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب المحلي في يونيو من العام الماضي.

انتقادات أمريكية

برغم النجاحات التي تحققت مع التغييرات المتتالية في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب خلال عقدين من أحداث سبتمبر الإرهابية، فإن العديد من المسؤولين الأمنيين السابقين، وجهوا بعض الانتقادات لها، ومن أهم تلك الانتقادات ما يلي:

1– جدل حول تراجع نفوذ التنظيمات الإرهابية: رغم العديد من الانتقادات التي وجهت إلى إدارة الرئيس جو بايدن عقب عملية الانسحاب الفوضوية من أفغانستان قبل حلول الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في 31 أغسطس من العام الماضي، وعدم أخذ بايدن بتوصية كبار مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية بالحفاظ على وجود عسكري أمريكي – وإن كان محدوداً – في أفغانستان، خوفاً من إعادة تنظيم القاعدة تجميع قواه في أفغانستان، وتشكل تهديد للولايات المتحدة وحلفائها في غضون عام أو عامين؛ أشارت تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن التنظيم لم يُعِد تشكيل وجوده في أفغانستان منذ أن غادرت جميع القوات الأمريكية البلاد، وأن أعضاء التنظيم في أفغانستان ليسوا متورطين في التخطيط لهجوم خارجي، وأنه لم يعد لديه القدرة على شن هجمات ضد الولايات المتحدة أو مصالحها في أفغانستان أو خارجها.

بينما ترى تقارير أمريكية أخرى أن التنظيمات الإرهابية لا تزال تشكل تهديدات للولايات المتحدة وحلفائها؛ حيث أشار التقييم السنوي لمجمع الاستخبارات الأمريكية للتهديدات خلال عام 2022، الذي أصدره مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكي (ODNI) في 8 مارس الفائت، إلى أن التنظيمات الإرهابية، مثل تنظيمي داعش والقاعدة، سيستغلان ضعف سيطرة بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط على حدودها وتحول بعضها إلى دول فاشلة لمواصلة التخطيط لهجمات إرهابية ضد الأمريكيين والمصالح الأمريكية، حتى داخل أراضي الولايات المتحدة بدرجات متفاوتة، ومُفاقَمة عدم الاستقرار في مناطق مثل أفريقيا والشرق الأوسط. وترى تحليلات أمريكية أن التنظيمات الإرهابية في تزايد من حيث العدد والنطاق الجغرافي والتقدم التقني والعسكري على مدى العقدَيْن الماضيَيْن.

2– عدم تحقيق الاستقرار في أفغانستان: تُوجَّه العديد من الانتقادات إلى قرار إدارة بايدن الانسحاب من أفغانستان؛ حيث حكمت حركة طالبان الدولة مرة أخرى، ومنحت تنظيم القاعدة ملاذاً آمناً مثلما كان الحال وقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ فقد أشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة صدر في أبريل من العام الماضي أن طالبان والقاعدة لا يزالان متحالفَيْن بشكل وثيق، ولا يُظهران أي مؤشر على قطع العلاقات بينهما. ويؤكد استمرارَ العلاقة بين الحركة والتنظيم انتقالُ الزعيم السباق للقاعدة أيمن الظواهري إلى العاصمة الأفغانية عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

3– عدم تعلم الولايات المتحدة درس العراق: دفعت عملية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وإنهاء الوجود العسكري الأمريكي، الكثيرين داخل الولايات المتحدة إلى استرجاع خبرة الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق في 2011، الذي أدى إلى ظهور تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بحلول صيف عام 2014 على مساحات شاسعة في سوريا والعراق لتأسيس خلافته المزعومة، وهو ما استدعى عودة القوات الأمريكية المقاتلة مرةً ثانيةً إلى العراق لهزيمة التنظيم؛ ولذلك يرى عديد من القادة العسكريين الأمريكيين أن سحب القوات الأمريكية من الدول الهشة التي تفقد السيطرة على أراضيها، وتقدم ملاذاً آمناً للتنظيمات الإرهابية، عادةً ما يزيد الأمور سوءاً، ويفضي إلى ظهور تنظيمات إرهابية جديدة أكثر قوة وتدميراً، وهو ما يستدعي عودة الجنود الأمريكيين مرةً ثانيةً للقضاء على تلك التنظيمات.

تهديد مستمر

خلاصة القول: رغم نجاح الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب خلال العقدين الماضيين في خفض تهديد التنظيمات الإرهابية للولايات المتحدة بدرجة كبيرة؛ ما سمح لصانعي القرار بتقليل الاهتمام بمكافحة الإرهاب، والتركيز على تهديدات أخرى أكثر أهميةً وعلى قضايا محلية؛ فإن توطين التنظيمات الإرهابية حالياً لأهدافها، والتركيز على “العدو القريب”، وتراجع الاهتمام بـ”العدو البعيد”، لا يعني تراجع تحدي التهديدات الإرهابية ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

وبينما تركز الولايات المتحدة على منافسة القوى العظمى والتحديدات التي تشكلها ظاهرة تغير المناخ، فإن تحديات الإرهاب وتهديداته راهناً ترتبط بصورة جوهرية بديناميكيات تلك القضايا التي تركز عليها واشنطن، وترتبط بها، وتعتمد عليها، وفي بعض الأحيان تستفيد منها؛ حيث لا يوجد في الواقع فصل بينها؛ فعلى سبيل المثال، يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم عدم الاستقرار، والتدهور الاقتصادي، وهي أوضاع تستغلها التنظيمات الإرهابية في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط لصالحها، فضلاً عن أن منافسة القوى العظمى تنقل تركيز المجتمع الدولي إلى قضايا أخرى، ومناطق استراتيجية أكثر أهميةً؛ ما يقلل الاهتمام العالمي بالمناطق التي تنشط فيها التنظيمات الإرهابية، ولا سيما بعد تحول أجندتها إلى التركيز على قضايا محلية.

التعليقات (0)