أحدث الموضوعات
سعيد الشهابي يكتب: العلماء يحرّمون بيع الأراضي للاحتلال
-
12 سبتمبر 2022, 3:14:34 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
الاستيطان مقدمة للاحتلال. يمكن تلمس هذه الحقيقة من خلال دراسة البلدان التي تعاني من تغير تركيبتها السكانية او نظامها السياسي او الاحتلال الاجنبي. وهكذا تبدأ معاناة البلدان التي يجد سكانها الأصليون أنفسهم في صراع من أجل البقاء أو الحفاظ على الهوية أو الاستقلال.
فقد كان هناك استيطان في أستراليا بدأ في العام 1788 عندما نقلت البواخر البريطانية 1500 شخص من بينهم سجناء إلى تلك القارة. وتواصل إرسال المستوطنين من بريطانيا حتى وجد السكان الأصليون أنفسهم يبحثون عن مأوى، فاستقبلتهم الإرساليات المسيحية كمأوى بديل. وقد أدى ذلك في النهاية لانقراض السكان الأصليين بشكل تدريجي. وكان هناك استيطان في جنوب أفريقيا منذ منتصف القرن السابع عشر، عندما بدأ مستوطنون من بريطانيا وهولندا يحلون محل السكان الأصليين في مناطق عديدة. وبشكل تدريجي هيمن المستوطنون البيض على البلاد وأقاموا نظامهم العنصري الذي استمر حتى التسعينيات من القرن الماضي.
وحدثت تجربة أخرى مماثلة في زيمبابوي حتى أصبح البلدان محكومين بأقلية ليست من سحنة السكان الأصليين. وفي أغلب هذه الحالات بدأ الاستيطان إما بالسيطرة على الأرض بالقوة او بشراء الأراضي من مالكيها من السكان الأصليين. كما أن بدء الوجود الأجنبي لا يحدث دائما بشكل مفاجئ او باستخدام القوة بل بتملك الأراضي بشكل تدريجي. وبرغم انتشار ظاهرة الاقتصاد الحر الذي كثيرا ما يسمح للأجانب بشراء العقارات فإن هذا التملك يخضع عادة لقوانين تمنع تأثير المالكين على سياسات الدول التي يتملكون فيها، إذ أن اغلب الدول والشعوب لا يقبل بحدوث تغيرات ديمغرافية عميقة. ومع ترسخ ظواهر التعلم والانفتاح تمخضت ظاهرة موازية تتمثل بالرغبة في الحفاظ على الهوية الأصلية للأرض وسكانها، وتحول دون تأثير الآخرين عليها.
الاحتلال وداعموه يعتقدون أن سيطرتهم على فلسطين قد اكتملت، وأن مهمتهم تقتضي فرض «إسرائيل» ككيان شرعي في الشرق الأوسط، وذلك بإنهاء عزلتها وفرض التطبيع معها. وهذا التطبيع يتجاوز الاعتراف الدبلوماسي على غرار ما فعلته مصر السادات، ويقتضي إزالة الحواجز النفسية بين العرب والصهاينة. وضمن جهود التطبيع تصاعدت في العامين الأخيرين عمليات التواصل مع بعض الأنظمة العربية، بدءا بكل من الإمارات والبحرين اللتين طبعت حكومتاهما العلاقات مع الكيان. وتواصلت الجهود لتوسيع عمليات التبادل التجاري والرياضي بالإضافة للسياسي والاقتصادي. وفي الأسابيع الأخيرة قامت حكومة البحرين باختلاق ما أسمته «الحي اليهودي» في العاصمة المنامة.
وفي 20 يوليو 2022 اعتمدت تلك الحكومة خارطة سياحية للبدء بتهويد العاصمة، المنامة، ونصبتها عند مدخل باب البحرين، وتحتوي الخريطة على الكنيس اليهودي والمعبد الهندوسي وجامع الفاضل مع محلات لبيع الذهب ومؤسسات تجارية أخرى. ولم تحتو الخريطة أي ذكر للمعالم التاريخية العريقة المرتبطة بمكونات المجتمع البحراني الأساسية أو بتاريخ العاصمة.
وتهدف الخطة لتحويل 40 ٪ من أحياء المدينة القديمة إلى مسارات ومبان ورموز يهودية تبدأ من باب البحرين، عبر شارع المتنبي حتى الكنيس اليهودي. وهناك سعي حثيث لشراء مبان قديمة وبعضها خربة بأسعار عالية جدا لإغراء مالكيها لبيعها، وذلك لتشييد الحي اليهودي والمعالم اليهودية التي بدأت تبرز في أحد الفنادق الجديدة بالقرب من باب البحرين.
وستمتد لاحقا حتى شارع الحسين وقلعة الشرطة. وقد أصيب المواطنون بالذعر من هذه الخطة التي اعتبروها تحديا لمشاعرهم واعتداء على هويتهم التي من بين خصائصها تعميق الانتماء العربي والإسلامي ودعم فلسطين وشعبها ورفض الاحتلال جملة وتفصيلا. هؤلاء المواطنون التزموا بهذه السياسة منذ عقود، وعبروا عنها بالمسيرات الداعمة لفلسطين، وإحياء يوم القدس العالمي والاحتفاء بالمسجد الأقصى. ومنذ أن اتخذت حكومتهم قرار تطبيع علاقاتها مع «إسرائيل» تصاعدت الفعاليات الشعبية ضد ذلك، ونظمت التظاهرات التي شارك فيها علماء الدين والمثقفون.
واعتبر الشيخ عيسى أحمد قاسم، عالم الدين المبعد قسريا عن البلاد وعضو المجلسين التأسيسي والوطني في النصف الأول من السبعينيات عن غضبه إزاء سياسة التطبيع. وكرر مواقفه التي كان منها قوله: «تطبيع العلاقات مع «الكيان الصهيوني» يعدّ خطوة غير مدروسة وجريمة بحق الموقّعين أنفسهم لهذه الاتفاقيات» لافتًا إلى أن المتبنّين لهذه الخيانة سيتضررون هم أنفسهم أكثر من غيرهم وستكون نتائجها السلبية عليهم أشدّ ممّا على الآخرين.
في أبريل 2021، ظهرت تصريحات عديدة حول الحي اليهودي في دبي عندما نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية تصريح الحاخام الأكبر للمجلس اليهودي الإماراتي، إيلي عبادي حول وجود مفاوضات جارية لتأسيس أول حي يهودي في الإمارات يشمل بناء المزيد من دور العبادة والمدارس ـ من دور الحضانة إلى التعليم العالي ـ والطقوس اليهودية، والمزيد من مؤسسات طعام الكوشر، بالإضافة لمركز مجتمعي.
إن محاولات تثبيت الوجود الجغرافي والديمغرافي الداعم لكيان الاحتلال تطور عملي خطير يهدف لإنهاء الجوانب السياسية والإعلامية للقضية الفلسطينية بدون أن يؤدي إلى حل حقيقي. لذلك يقتضي التصدي لهذه الخطة لوقف محاولات التمدد الإسرائيلي من خلال بوابات الديانة اليهودية.
وهناك تقزز كبير لاستغلال الدين لتمرير مشروعات سياسية ليست لها علاقة مباشرة به. فليس هناك عداء للديانة اليهودية أو معتنقيها، بل يتركز الاعتراض على احتلال فلسطين والتصدي لسياسات النظام الذي أقيم على أساسه. وهناك رفض لخطط التوطين التي أدت في البلدان الأخرى التي تمت الإشارة اليها لإقصاء السكان الأصليين من مناطقهم، وإقامة منظومات سياسية تتسم بالعنصرية والتمييز بين البشر. فلم يعد الأمر مقتصرا على الاعتراف بكيان الاحتلال او مد الجسور بإقامة علاقات دبلوماسية معه، بل يتجاوز ذلك كثيرا. وتقتضي هذه الخطط توطين اليهود في الدول التي طبّعت حكوماتها العلاقات مع الاحتلال. ولمواجهة ذلك يقتضي الأمر استحضار المواقف التاريخية والدينية التي ظهرت في بدايات فرض الكيان، وساهمت في تحجيم نفوذه وإحكام الحصار النفسي والثقافي عليه، ومنع انصهاره بشكل طبيعي في المنظومات السياسية الإقليمية. وهذا يقتضي استذكار مواقف العلماء والمناضلين الذين تفاعلوا مع القضية منذ بداياتها وكانت لمواقفهم انعكاسات عملية ساهمت في تكريس المقاطعة السياسية والاقتصادية والثقافية للاحتلال. وقبل الاحتلال في العام 1948 كانت العصابات الصهيونية تخطط بشكل جاد للسيطرة على أراض واسعة، تارة بالقوة وأخرى بالشراء. وبعد قيام الكيان تواصلت جهود السيطرة على المزيد من الأراضي كجانب من سياسة تهميش الوجود الفلسطيني.
منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى تأسيس «إسرائيل» في العام 1948 تم العمل وفق هذه الخطة التي عُرفت باسم «صفقة سرسق» وأدت لهجرة العديد من اليهود الأوروبيين إلى فلسطين. وتم معظم عمليات شراء الأراضي بين أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر والثلاثينات من القرن العشرين وكانت تقع في المنطقة الساحلية، بما فيها عكا إلى الشمال، ورحوبوت إلى الجنوب، وسهل إسدرائلون (يزرعيل) وغور الأردن وإلى حد أقل في الجليل. الهجرة أثرت على فلسطين اقتصادياً وسياسياً.
وتواصلت عمليات السيطرة على الأراضي الفلسطينية حتى بعد تأسيس نظام الاحتلال. وقام علماء فلسطين وممثلوها لدى السلطات العثمانية بالتنبيه إلى خطر الاستيطان اليهودي والمطالبة بإجراءات صارمة لمواجهته. وترأس الشيخ محمد طاهر الحسيني مفتي القدس سنة 1897م هيئةً محلية ذات صلاحيات حكومية للتدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية بيت المقدس، فحال دون انتقال أراضٍ كثيرةٍ لليهود. وكان للشيخ سليمان التاجي الفاروقي الذي أسس الحزب الوطني العثماني في سنة 1911م دوره في التحذير من الخطر الصهيوني، وكذلك فعل يوسف الخالدي، وروحي الخالدي، وسعيد الحسيني ونجيب نصار.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
اقتباسات
د مصطفى محمود : ومن منا ليس فقيراً إلى الله ؟؟ منذ 4 سنوات
قصة من حياة د. مصطفى محمود منذ 4 سنوات