أحدث الموضوعات
عماد الشدياق يكتب: أوكرانيا تسابق الإفلاس: خلال الحرب أو بعدها؟
-
19 يوليو 2022, 1:34:56 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
تهتم وسائل الإعلام في مجريات الحرب في أوكرانيا. تغطي الخسائر البشرية، وتتحدث عن التحركات الميدانية، فتخبرنا أين تقدّم الجيش الروسي، وأين تقهقر. تطلعنا ما هي آخر الإجراءات التي يتخذها الجيش الأوكراني للمواجهة وما نوع الأسلحة التي حصل عليها من الغرب…
هذه المواضيع هي كل ما يمكن أن نشاهده أو نقرأه حول أوكرانيا، من دون أن يمرّ ولو خبر واحد عن الشأن الاقتصادي في البلاد التي تدمرها الحرب وتأكلها الديون، منذ نهاية شهر شباط/فبراير الفائت.
لا شكّ أن الوضع الاقتصادي في أوكرانيا كان صعباً قبل الحرب، وأصبح كارثياً من بعدها، ووسط هذا الواقع كلّه يحجب الإعلام الغربي هذه التفاصيل، ويكتفي بالتسويق لفكرة مفادها أنّ الأوكرانيين يقاتلون للدفاع عن بلادهم وعن القيم الغربية في مواجهة ديكتاتور وحشي (فلاديمير بوتين) يشن حرباً ضد الغرب بأكمله ولا يميّز بين عدو وصديق!.
انطلاقاً من هذه الفكرة، تحضّ الولايات المتحدة وبريطانيا جميع الدول الحليفة والصديقة حول العالم على دعم أوكرانيا، إن كان بالأسلحة أو بالمساعدات العينية أو حتى بالأموال، لكن ما لا يعرف الكثير من الناس نتيجة شحّ المعلومات، هو أنّ أغلب المساعدات المالية هي على شكل قروض، وبالتالي فإنّ أوكرانيا ستكون في المبدأ، مطالبة بإعادة هذه الأموال بعد توقف الحرب، وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً على الإطلاق.
خذ مثلاً المساعدات التي تقدمها واشنطن لكييف، الأرقام تكشف أنّ من بين 40 مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ بداية الحرب إلى اليوم، هناك 7 أو 8 مليارات دولار على شكل منح، بينما بقية المبالغ هي على شكل قروض مترتبة على كاهل كييف.
وبناءً على هذا، تشير تقديرات الخبراء الاقتصاديين الغربيين، إلى أنّ تحويل هذه القروض إلى منح، سيكون في المستقبل القريب أمراً ضرورياً وملحاً، كي تتمكّن أوكرانيا من مواجهة عبءَ ديونها الآيل إلى التضخم أكثر وأكثر مع كل يوم إضافي للحرب. ونتيجة لذلك، يقدرون ألاّ تستطيع أوكرانيا، المرهقة اقتصادياً منذ ما قبل الحرب، تحمّل هذا الكمّ الكبير من الديون حتى نهاية العام الحالي، خصوصاً مع اقتراب ديونها من حدود 100 في المئة من أصل ناتجها الإجمالي المحلي (GDP) الذي سيتقزّم إلى ما بين 45 و60٪ نهاية هذا العام.
تشير التقديرات أيضاً إلى أنّ فور توقف الحرب، ستكون كييف في حاجة إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة بناء ما تهدم، وهذا يستدعي منها طلب المساعدة من المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وربّما مؤسسات الاتحاد الأوروبي، كما أنّه سيجبرها على البحث بشكل عميق عن شراكة بين القطاعين العام والخاص. ويتطلّب منها أيضاً أن تكون سُمعتها المالية والنقدية سليمة، حتى تتمكن من طلب المساعدة ومن ثم الحصول عليها.
أوكرانيا تعرف جيداً أنّ التخلف عن السداد سوف يعيق انتعاشها الاقتصادي، ويؤخر وصولها إلى جميع الأسواق، إضافة إلى إنّ تخلّفها عن السداد، سوف يبقي تكاليف الاقتراض في مستقبل مرتفعة جداً نتيجة ارتفاع المخاطر. ولهذا، يعود المراقبون الاقتصاديون إلى هذه الأسباب من أجل تفسير حرص كييف اليوم على الالتزام بدفع المتوجبات المترتبة عليها بانتظام وعدم تخلّفها عن السداد رغم الحرب وويلاتها، لأنّها بذلك تحافظ على ما يمكن تسميته: «الأهلية الائتمانية».
ثمة سؤال يطرح نفسه: هل تستطيع أوكرانيا من الاستمرار؟ هل ستصمد اقتصادياً لوقت طويل خصوصاً إذا ما طالت الحرب أكثر من ذلك وامتدت لسنوات؟
وبالفعل، فقد سبق أن خفّضت وكالة «ستاندرد آند بورز« المتخصصة بالتّصنيفات الائتمانيّة، تصنيف ديون أوكرانيا خلال الحرب، وكشفت أن آفاق الديون الأوكرانية تُعتبر»سلبيّة» بسبب تّداعيات الحرب. الوكالة رسمت توقعات متشائمة نتيجة استبعاد انتهاء الحرب قريباً، مؤكدة في الوقت نفسه، أنّ الدّعم الهائل الذي تتلقاه أوكرانيا من الدّول الغربيّة ومؤسّسات الإقراض الدّوليّة، لن يمنع الشكوك في الآفاق المالية والاقتصادية التي لا تزال غير مؤكّدة إلى حدّ بعيد، سيّما في النّظر إلى حجم تكلفة إعادة الإعمار بعد توقف الحرب.
ولهذا، يتخوّف الخبراء الاقتصاديون من وقوع أوكرانيا في «فخّ التعثّر» اليوم، لأنّ ذلك سيكون انتصاراً كبيراً في «العلاقات العامة» لصالح روسيا والرئيس فلاديمير بوتين، ولهذا يدعون إلى حماية أوكرانيا من تجرّع هذا الكأس، من خلال مجموعة إجراءات، يرتبونها كالتالي:
1. تنويع التمويل بين المنح والقروض، على أن يكون حجم المنح والمساعدات أوسع وأكبر من القروض.
2. إلزام روسيا بدفع تعويضات مالية لصالح أوكرانيا بعد توقّف الحرب بأيّ وسيلة، متخذين دولة العراق التي دفعت التعويضات عن غزو الكويت مثلاً على ذلك.
3. مصادرة بين 300 إلى 400 مليار دولار من الأصول الروسية المجمّدة الموجودة في المصارف الغربية، معتبرين أنّ «لا حجة أخلاقية تمنع عدم استخدام هذه الأموال» من أجل تغطية تكاليف مرحلة ما بعد الحرب.
4. تطمين المستثمرين أنّ ثقل الديون على أوكرانيا سوف تغطيه الأصول الروسية المصادرة، لأنّ ذلك في نظرهم يضمن لكييف المساعدة ويحافظ على تكاليف الاقتراض بسقوف منخفضة، كما ويضمن لها الاستمرار في الوصول إلى الأسواق.
إذاً كما هو واضح، فإنّ الاقتراحات التي يضعها الخبراء الاقتصاديون في الغرب، تحاكي المثل الشعبي القائل «لا يموت الذئب، ولا يفنى الغنم». من جهة يسعون إلى مساعدة أوكرانيا على عدم التعثّر، ومدّها بالمساعدات وليس بالقروض، ثمّ من جهة أجرى يبحثون لها عن وسائل تمويل «مبتكرة» لكنها في الوقت نفسه تهدّد بضرب ثقة دول العالم كلّه بالمصارف الغربية ومؤسساتها، من خلال حرمان أيّ دولة من ثرواتها ومقدراتها، بمجرد قيامها بفعل لا يرضى عنه الغرب… وكل ذلك من أجل عدم تكبّده تكاليف حرب كان الغرب محرضاً رئيسياً عليها!
لكن بعيداً عن هذه الاقتراحات ثمة سؤال يطرح نفسه: هل تستطيع أوكرانيا من الاستمرار؟ هل ستصمد اقتصادياً لوقت طويل خصوصاً إذا ما طالت الحرب أكثر من ذلك وامتدت لسنوات؟
لا إجابات واضحة اليوم طالما أن الحرب مستمرة، لكن ثمة آراء تعتبر أنه برغم هذا الجو التشاؤمي كلّه، فإنّ شأن الديون الأوكرانية لا يعدو أن يكون مسألة بسيطة عند واشنطن، فطالما أنّ كييف تتلقى الدعم والمساعدة من الولايات المتحدة المهيمنة على القرار داخل المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وطالما أنّ كلمة واشنطن مسموعة لدى حلفائها الغربيين وغير الغربيين، فهذا كلّه يساعد أوكرانيا على التحرك مالياً ونقدياً متى شاءت، لأنها ستتلقى الدعم والغطاء المالي الفوري، وما عليها اليوم إلاّ الاستمرار بالمواجهة والالتزام بالتعليمات الأمريكية… فالباقي تفاصيل!
كاتب لبناني
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
مقالات آداب وفنون
خلدون الشيخ يكتب: هل يفقد مانشستر سيتي كل شيء؟ منذ 3 سنوات
نجلاء محفوظ تكتب: أخطاء شائعة عن القوة النفسية منذ 3 سنوات