أحدث الموضوعات
ماري إليز ساروت: كيف حفَّز اجتياح أوكرانيا على اندلاع "حرب باردة جديدة"؟
-
5 يوليو 2022, 12:51:19 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
مع استمرار الحرب الأوكرانية، نشر موقع فورين بوليسي مقالاً للكاتبة “ماري إليز ساروت” أستاذة الدراسات التاريخية في جامعة جونز هوبكنز بعنوان “عودة لغز الحرب الباردة القديمة” في 1 يوليو 2022، أشارت فيه إلى أن من المستحيل نسيان ما تقوم به روسيا في أوكرانيا، لكن من الضروري التعامل معها لتجنب التصعيد. ويفند المقال تبريرات بوتين لشن الحرب، ويحلل توقيت قراره شن الحرب على أوكرانيا في ظل الارتباط الوثيق بين تاريخ الاتحاد السوفييتي السابق والتاريخ الشخصي لبوتين نفسه. كما يتناول المقال المحطات التاريخية للاتحاد السوفييتي التي يُعيد بوتين إحياءها في سياسته الخارجية مع الغرب. ويتطرق المقال إلى مسارات وخيارات الغرب في التعامل مع روسيا في ضوء الحرب على أوكرانيا، ويؤكد في النهاية ضرورة تجنب التصعيد مع روسيا خوفاً من الحرب النووية.
تقديس التاريخ
لفت المقال إلى أنه يُمكن فهم الحرب الأوكرانية الحالية من خلال العامل التاريخي والميل الشخصي لبوتين والقادة السوفييت إلى تقديس المناسبات التاريخية البارزة؛ وذلك على النحو الآتي:
1– تذرع بوتين بالعوامل التاريخية لتبرير شن الحرب الأوكرانية: أشار المقال إلى أنه منذ 24 فبراير، أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم إلى تاريخ خطير يتسم بإراقة الدماء مع احتمالات حدوث مواجهة نووية عالمية. ويثير هذا “الهلع” العديد من الأسئلة: لماذا يحدث ذلك الآن؟ وماذا بعد ذلك؟ وهل هناك طريق للعودة؟ وبحسب المقال، قدم بوتين نفسُه بعض التبريرات الجزئية لحشده القوات الروسية على الحدود الأوكرانية منذ أواخر 2021 ثم اجتياح أوكرانيا. ووفقاً لمنطق بوتين، فإن لموسكو الحق في السيطرة على كييف؛ وذلك بفضل التاريخ الطويل والمتشابك للروس والأوكرانيين، وهو بحاجة إلى تأكيد هيمنته الآن بسبب الطريقة التي خلقت بها أوكرانيا وجيران روسيا الآخرون تهديدات على الحدود الروسية من خلال الانضمام أو التعاون الوثيق مع الاتحاد الأوروبي أو الناتو أو كليهما.
2– اهتمام بوتين والقادة السوفييت بالأحداث التاريخية الكبرى: لفت المقال إلى أن من المشاكل العديدة المتعلقة بتبريرات بوتين، أن هذه التبريرات ليست جديدة ولم تظهر أي دلائل على هذه التبريرات في أواخر عام 2021 أو أوائل عام 2022. وبحسب التقرير، فإنه للإجابة على سؤال: لماذا اندلعت الحرب في هذا التوقيت؟ فإنه يجب النظر إلى السيرة الذاتية لكل من بوتين والاتحاد السوفييتي، وهما متشابكان على نحو وثيق؛ إذ تُظهر تصرفات بوتين السابقة أنه يأخذ التواريخ بعين الاعتبار، وهي من الأحداث الهامة في حياته – وفي حياة الإمبراطورية السوفييتية السابقة – باعتباها مناسبات تُحلل استخدام العنف.
وعلى الرغم من أن قرار “إراقة الدماء” في هذه المواعيد خيار شخصي لبوتين، فإن مثل هذا السلوك ليس بالأمر غير المعتاد بين القادة الروس؛ إذ يدشنون بأسلوب روتيني المسيرات، ويكلفون بالأعمال الفنية والمنشآت للاحتفال بالأحداث التاريخية. ولا يزال إحياء ذكرى الحرب العالمية الثانية شائعة بعد ما يقرب من 80 عاماً من انتهاء الصراع. وبينما لا يتذكر الغرب تاريخ 22 يونيو غالباً، فنادراً ما ينسى الروس الغزو النازي لبلادهم الذي حدث في ذلك اليوم في عام 1941.
3– حرص بوتين على اتخاذ قرارات هامة في مناسبات شخصية ووطنية: بحسب المقال، يهتم بوتين بالاحتفال بالذكرى السنوية لإعلان الاتحاد السوفييتي وكذلك ذكره انهياره وأعياد ميلاده؛ فعلى سبيل المثال ذكر المقال أنه تم تسريب رسائل البريد الإلكتروني التي تم اختراقها من حساب جون بوديستا، بهدف تقويض حملة المرشحة الرئاسية الأمريكية هيلاري كلينتون، في 7 أكتوبر 2016؛ أي في عيد ميلاد بوتين. علاوة على ذلك، جاء التدخل السيبراني الواسع النطاق في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 في العام الذي حلت فيه الذكرى الخامسة والعشرون لانهيار الاتحاد السوفييتي. ولم يترك بوتين الذكرى الثلاثين لانهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 2021 تمر ببساطة دون تعليق، بل قضى بوتين الوقت في حشد القوات على الحدود مع أوكرانيا.
الشعور بالظلم
للإجابة على سؤال: لماذا يهتم بوتين كثيراً بهذه المناسبات لا سيما المتعلقة بالاتحاد السوفييتي السابق؟ يعتقد الكاتب أن هناك روابط وثيقة بين تاريخ انهيار الاتحاد السوفييتي وبين ما يصفه بـ”الإذلال الشخصي” في تلك الحقبة، ويستشهد بعدد من المواقف الشخصية التي تعرض لها بوتين في تلك الفترة وأثرت عليه لاحقاً؛ وذلك على النحو الآتي:
1– تجربة بوتين العصيبة إبان سقوط جدار برلين: ذهب المقال إلى أنه من الضروري العودة إلى عام 1989 حينما كان هناك ما يعرف بألمانيا الشرقية؛ حيث كان بوتين متمركزاً في موقع المخابرات الأمامي في دريسدن، وبعد السقوط غير المتوقع لجدار برلين في 9 نوفمبر، اجتاح المتظاهرون السلميون المقر القريب للشرطة السرية الألمانية الشرقية “ستاسي”، فقرر بوتين عدم السماح بحدوث الشيء نفسه عندما ظهر المتظاهرون هناك أيضاً.
وطلباً للدعم المسلح، دعا بوتين القوات العسكرية السوفييتية في دريسدن إلى التدخل. ومع ذلك، تم رفض طلبه دون إذن صريح من موسكو، ثم قرر بوتين التصرف بمفرده، وسار باتجاه حشد صغير تجمع عند البوابة الأمامية فيما وصفه أحد الشهود لاحقاً بأنه بطيء وهادئ. وبعد محادثة قصيرة، فوجئ التلاميذ بسماع لغته الألمانية، وأخبرهم أنهم إذا دخلوا فسيتم إطلاق النار عليهم، ثم توقف المتظاهرون مؤقتاً، وقرروا الانضمام إلى أصدقائهم في مقر “ستاسي” بدلاً من ذلك. عاد بوتين إلى المنزل، حيث قام – وفقاً لروايته الخاصة – هو وطاقمه “بتدمير كل شيء”، وحرقوا جميع الأوراق. وبحسب الكاتبة: “كان هذا العمل المهين الأخير لرجل وإمبراطورية في تراجع”.
2– حسرة بوتين على تقسيم الاتحاد السوفييتي السابق: وفقاً للمقال، كانت الأحداث السياسية داخل الاتحاد السوفييتي نفسه في السنوات التي أعقبت سقوط جدار برلين مباشرة، من وجهة نظر بوتين، أكثر ضرراً؛ إذ بدأت الجمهوريات السوفييتية تُعلن استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، وهو ما كان له نتائج مأساوية وفقاً لبوتين، الذي قال في خطاب إعلان ضم روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، إن “ملايين الناس ناموا في بلد واحد واستيقظوا في بلدان مختلفة، وأصبحوا بين عشية وضحاها أقليات عرقية، وأصبح الروس أكبر مجموعة في العالم يتم تقسيمها حسب الحدود”.
3– مفاقمة الثورات الملونة في أوكرانيا وجورجيا شعور بوتين بالظلم: أشار المقال إلى أن الانقسام الأكثر إيلاماً لبوتين كان الانقسام بين روسيا وأوكرانيا بعد استفتاء ديسمبر 1991 بشأن الاستقلال، الذي أيده الأوكرانيون بأغلبية ساحقة. ولفت المقال إلى أنه كما نصح روبرت شتراوس سفير الولايات المتحدة في موسكو في وقت انهيار الاتحاد السوفييتي، واشنطن بالقول: “قد لا يكون انهيار الشيوعية أكثر الأحداث ثورية في عام 1991 بالنسبة إلى روسيا، بل فقدان شيء يعتقده الروس من جميع الأطياف السياسية جزءاً من جسدهم السياسي وقريباً من القلب: أوكرانيا”. وبحسب المقال، أدت ما تسمى الثورات الملونة في أوكرانيا وجورجيا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى تفاقُم شعور بوتين بالظلم. وألهم إعلان الناتو في عام 2008 بأن كلا البلدين سيصبحان عضوين، التحول إلى العنف من قِبل بوتين.
ارتدادات الحرب
يعتقد المقال أن أوكرانيا هي الأكثر أهمية إلى حد بعيد؛ لأنها أكبر بكثير من حيث الحجم من أي من النزاعات السابقة، سواء في جورجيا أو الشيشان؛ إذ أعادت بالفعل ترتيب العلاقات الدولية بعمق وستواصل القيام بذلك؛ وذلك على النحو الآتي:
1– تحفيز الحرب الأوكرانية على الوحدة الأوروبية مجدداً: وفقاً للمقال، فإن لهجوم بوتين على أوكرانيا تأثيراً تحفيزياً مماثلاً للحرب الكورية، التي خلقت استعداداً بين الأوروبيين الغربيين للتغلب على ذكرياتهم المريرة في القتال مع النازيين والسماح للألمان الشرقيين بأن يصبحوا حلفاء في الناتو، كذلك غيرت الحرب الروسية ضد أوكرانيا الآراء بطرق عميقة.
2– تشجيع “الناتو” على التوسع وضم أعضاء جدد: أشار المقال إلى أن الحرب الأوكرانية أوجدت استعداداً لتوسيع الناتو أكثر ليشمل بعض البلدان مثل فنلندا والسويد. وبينما تحاول تركيا منع انضمام الدولتين إلى الناتو؛ وذلك بُغية جني مكاسب لأنقرة أكثر من أي شيء آخر، ترى الكاتبة أنه ليس هناك شك في أن التحالف سيجد طريقة لمعالجة مخاوف تركيا وإضافة عضوين جديدين.
3– تعميق الروابط العسكرية والثقافية عبر الأطلسي: لفت المقال إلى أن عمليات النشر المكثفة والطويلة الأمد للقوات الأمريكية في أوروبا – طوال الحرب الباردة خدم أكثر من 15 مليون أمريكي في ألمانيا وحدها – ستصبح حقيقة مرة أخرى. وهذه القوات ستعمل على تعميق الروابط العسكرية، بل تعميق العلاقات الثقافية والشخصية أيضاً عبر المحيط الأطلسي، وهذه المرة في أماكن مثل بولندا ورومانيا.
4– ظهور “الستار الحديدي” مجدداً بين روسيا والغرب: أشار المقال إلى أنه بفضل الانفصال المستمر لروسيا عن العالم الغربي، سيكون هناك مرة أخرى ستار حديدي، على الرغم من أنه يقع في أقصى الشرق. ويكاد يكون من المؤكد أن التغيير الأكبر سيكون إضافة 830 ميلاً من الحدود الممتدة بين روسيا وفنلندا؛ الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة الحدود البرية للناتو مع روسيا بأكثر من الضعف حسب المقال.
كما ذهب المقال إلى أنه نتيجة لما سبق، سيكون هناك خط جبهة أطول بكثير مع روسيا على الأرض؛ ومن ثم، فإن الحرب الباردة الجديدة لن تشبه الحرب القديمة تماماً، كما ستضيف الأشكال الجديدة للنزاع السيبراني والفضائي أبعاداً أخرى من التعقيد. لكن ستكون هناك أوجه تشابه قوية، وعلى الأخص في الخطر الأكبر: الحرب النووية. لذلك من الضروري إعادة معرفة كيف ساعد الردع في الحرب الباردة في منع مثل هذا التصعيد في الماضي.
خيارات محدودة
أشار المقال إلى أن من المتوقع أن تمتد الحرب الأوكرانية لفترة طويلة، بالنظر إلى صعوبة التوصل إلى تسوية للحرب؛ الأمر الذي يهدد باستخدام أسلحة محرمة في الحرب، وهو ما ينبغي العمل على تجنبه؛ وذلك على النحو الآتي:
1– صعوبة التوصل إلى تسوية حول مستقبل أوكرانيا: ادعى المقال أن بوتين “سفاح”، وأنه سيذهب إلى أبعد ما هو مسموح به؛ لذلك فإن المقاومة الشجاعة والقوية التي قدمتها أوكرانيا ضرورية. ووفقاً للمقال، فإنه يجب على الغرب ردع روسيا دون إثارة التصعيد، كما كان خلال الحرب الباردة، ولن يكون هذا سهلاً. ويعتقد المقال أن من الصعب الوصول إلى تسوية لمستقبل أوكرانيا على أرضية ما قبل اندلاع الحرب.
2– ضعف سيناريو تغيير مسار السلطة في روسيا: وفقاً للمقال، من غير المحتمل أن يُغير بوتين مساره، كما أنه من غير المرجح أن يأتي شخص ما يريد تغيير مساره إلى السلطة في روسيا، وهو أمر مرغوب فيه بشدة من وجهة النظر الغربية. وفي حين أن هناك سابقة لمثل هذا التطور (صعود الزعيم السوفييتي الإصلاحي ميخائيل جورباتشوف) فإن وجود تلك السابقة يجعل صعود مصلح آخر أقل احتمالية؛ إذ إن بوتين وغيره من القادة الروس المعاصرين لا يزالون يأسفون على عواقب إصلاحات جورباتشوف.
باختصار.. حقيقة وجود جورباتشوف في الماضي تجعل احتمالية وصول جورباتشوف جديد إلى السلطة في المستقبل أقل بكثير. ومع ذلك من المهم بالنسبة إلى الدبلوماسيين الغربيين أن يدركوا أن روسيا حققت الديمقراطية مرة واحدة وقد تكون قادرة على فعل ذلك مرة أخرى. بعبارة أخرى، عند التعامل مع روسيا الآن، يجب الوضع في الاعتبار معارضي حكم بوتين، وهم بالتأكيد لا يملكون اليد العليا في الوقت الحاضر، ولكن على المدى الطويل قد يكونون قادرين على تحقيق ذلك مرة أخرى.
3– فترة من العداء المطول بين روسيا والغرب: رأى المقال أن من المحتمل الآن حدوث فترة من العداء المطول مع روسيا. وأشار المقال إلى أن هناك عدم يقين مطلق بشأن نطاق الصراع الحالي؛ هل سيتحول إلى صراع كيميائي أو بيولوجي أو نووي، كما يُقال إن بعض مستشاري بوتين الأكثر تشدداً يحثون على ذلك. وأكد المقال أن من المهم القضاء على حالة عدم اليقين تلك بكل السُبل، ومن ثم سيحتاج الدبلوماسيون في الغرب إلى التركيز على ما تبقى من فوائد متبادلة، مثل استئناف الاتصالات العسكرية على أمل تجنب الحسابات الخاطئة الخطيرة التي قد تؤدي إلى اتساع نطاق الحرب.
ختاماً.. أشار المقال إلى أنه لا مفر من حقيقة أنه بعد مرور 30 عاماً على نهاية الحرب الباردة، لا تزال موسكو وواشنطن تسيطران على أكثر من 90% من الرؤوس الحربية النووية في العالم، ويثير النزاع في أوكرانيا فرصة استخدامها، وهو ما تحتاج الدول الغربية إلى تجنبه؛ لأنه إذا كان هناك حرب نووية، فلن يكون هناك مستقبل للعودة على الإطلاق.
المصدر:
M.E. Sarotte, The Classic Cold War Conundrum Is Back, Foreign Policy, July 1, 2022, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2022/07/01/iron-curtain-russia-ukraine-cold-war
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
الأسرة والمجتمع
السعودية تطلق خدمات إلكترونية جديدة لخدمة الحجيج منذ 3 سنوات
موسم الحج 2023.. تفاصيل أداء الفريضة خطوة بخطوة منذ 3 سنوات