عبد الحميد صيام يكتب: حول دعوة السلطة الفلسطينية للحوار الوطني

profile
  • clock 27 يناير 2023, 12:11:22 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

في كلمة مسجلة بثها تلفزيون فلسطين عشية الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاقة حركة «فتح»، دعا الرئيس الفلسطيني إلى إجراء حوار وطني شامل حيث قال: «ندعو الجميع إلى حوار وطني فلسطيني سياسي شامل في القريب العاجل، للعمل والتصدي وتحمّل المسؤولية معاً، والسير نحو تحقيق أهداف شعبنا».
كلام جميل يستحق التوقف عنده لنرى هل الدعوة للحوار الوطني مقرونة بأفعال تؤكد مثل هذا التوجه؟ أم هي مناورة أخرى يطلقها الرئيس في كل مرة يشعر بأنه وسلطته في مأزق، وأن نسبة الاحتقان الداخلي وعدم الرضى أقرب إلى الانفجار، وأن هناك قلقا عميقا لما يجري في الأرض الفلسطينية المحتلة، من انتهاكات كبرى دون أي رد فعل حقيقي من السلطة إلا مناشدة المجتمع الدولي.
تذكرنا هذه الدعوة بمسرحية شبيهة حول الانتخابات الشاملة بعد إطلاق صفقة القرن واحتفالات التطبيع العربي وعجز السلطة الفلسطينية عن أن تأخذ من جامعة الدول العربية موقفا واضحا من التطبيع، وأقصى ما قدم لها التمسك بـ»مبادرة السلام العربية» لعام 2002 التي يعرف الداني والقاصي أنها ولدت ميتة، حيث وصفها شارون آنذاك بأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، ثم جاءت دول التطبيع فأطلقت عليها النار ودفنتها. في 15 يناير 2021 وقبل تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد بأيام، أصدر الرئيس عباس قرارا بإجراء انتخابات تشريعية في مايو، ورئاسية في يوليو واستكمال انتخابات المجلس الوطني في سبتمبر. استبشر الناس خيرا، رغم عدم قناعتهم بجدية الدعوة. وقد كتبت شخصيا أن الانتخابات لن تتم، بسبب وضع الرئيس في الدعوة «حجر سنمار»، لإلغائها عند الحاجة عندما قال، إنه طلب من السلطة القائمة على الاحتلال الموافقة على إجراء الانتخابات في القدس الشرقية. وهو طلب غير قانوني، أولا لأن إسرائيل دولة قائمة على الاحتلال وليس لها من ناحية قانونية سيادة على الأرض المحتلة، وثانيا يعتبر القرار تسليما لإسرائيل بالسيادة على القدس. وهذا ما تم. فعندما جرت رياح الحملات الانتخابية بما لا تشتهيه سفن عباس، أعلن في 14 مايو 2021 بجرة قلم إلغاء الانتخابات متعللا، بعدم سماح إسرائيل بإجراء الانتخابات في القدس. لقد انفتحت شهية السلطة على اهتمام أمريكي جديد بعد انتخاب جو بايدن، الذي بدأ يتمتم ويهمس حول إعادة المساعدات للفلسطينيين، واستكشاف سبل تفعيل المفاوضات برؤية حل الدولتين فأدار ظهره للانتخابات التي كانت ستطيح به وبسلطته إن كانت حقيقية وشفافة.

الشعب الفلسطيني كل همه دعم الصمود والمقاومة وتعزيز الوحدة الوطنية الحقيقية خارج قيود أوسلو، وعلى قاعدة شعب واحد وأرض واحدة وقضية واحدة

نكتب هذا لأننا لدغنا، وأقصد هنا شعبنا المغلوب على أمره، من الجرح نفسه مرات ومرات. وللتذكير فقط، فقد اتفقت حركتا حماس وفتح عام 2014 على الانتخابات بعد توقيع اتفاقية المصالحة في القاهرة، إلا أن إصرار القيادة على ضرورة أن تقبل حركة حماس بالاتفاقيات الموقعة، أفشل الدعوة لأنها إدخال قسري لخيمة أوسلو المترهلة والمثقوبة والخطيرة. جاءت الدعوة لإجراء حوار وطني بعد فوز نتنياهو وتحالف الأحزاب الدينية المتطرفة، التي تجسدث في فوز إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتيريتش، وحيازتهما أكثر الحقائب التي لها علاقة بالاحتلال والاستيطان والأمن والقمع والقتل. وقد شرعت هذه الحكومة، بعد التصويت على مشروع قرار في الجمعية العامة لإحالة الاحتلال إلى محكمة العدل الدولية، بفرض رزمة عقوبات فورا على السلطة الفلسطينية تشمل، اقتطاع كميات كبيرة من المال وتقييد التحركات وسحب بطاقات الـ(VIP)، فما كان من السلطة إلا أن أطلقت دعوة للحوار في رسالة ذات اتجاهين إحداهما موجهة للإدارة الأمريكية لإنقاذ الموقف، وإلا فإنها مضطرة لمد اليد لحماس والفصائل الأخرى، والاتجاه الثاني أنها تريد أن تستقوي بالفصائل لعل جهودا حقيقية تبذل لإعادة إحياء المفاوضات الميتة منذ عام 2014.
شروط الحوار الوطني
تحاول السلطة أن تدعو إلى حوار وطني من دون شروط مسبقة، ونحن نرى هذا أمراً خطيراً فكيف يمكن أن تجري جلسات حوار من دون هدف ورؤية وسقف، ومن دون تحديد أطراف الحوار. فمن سيحاور من؟ هل السلطة ستحاور الجميع؟ وهل سيكون الحوار مقتصرا على الفصائل، أم أن المستقلين الذين أصبحوا الأغلبية في شعبنا الفلسطيني سيدعون للحوار؟ الجزائر عندما أطلقت الحوار الوطني بين 14 فصيلا، استدعت ثلاث شخصيات مستقلة مرموقة، وهم المحامي أنيس القاسم المتخصص في القانون الدولي والمستشار القانوني للوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن، وربحي حلوم سفير منظمة التحرير السابق في إسطنبول، الذي اعترض على اتفاقيات أوسلو وقدّم استقالته وبدأ ينشط كمستقل، والشخصية الثالثة خليل عساف رئيس تجمع الشخصيات الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية. لكن عندما جد الجد وجاء دور توقيع «إعلان الجزائر» للوحدة الوطنية، تم تغييب المستقلين ودعيت فصائل للجزائر للمشاركة في التوقيع وهي لا تمثل أحدا ولا أحد يعرف عنها شيئا. ثم أليس ما جرى في الجزائر عبارة عن حوار وطني جاد برعاية دولة محترمة يكن لها الشعب الفلسطيني بكامله أسمى آيات الاحترام؟ فلماذا نريد اختراع العجلة من جديد؟ كانت نقطة الخلاف التي أصر عزام الأحمد على رفضها بناء على تعليمات وهي، بند تشكيل حكومة وحدة وطنية، فتشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة حركتي حماس والجهاد يعني قبول هاتين الحركتين الانضواء تحت خيمة أوسلو، لأن الرئيس الفلسطيني عباس لن يقبل مشاركتهما إلا على أرضية ما يسميه، الشرعية الدولية، والاتفاقات الموقعة بين الطرفين. وهذا بكل بساطة يشكل انتحارا سياسيا للفصيلين. أما إذا قبل عباس تشكيل حكومة وحدة وطنية، من دون أن يشير إلى الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة فهذا يعني خروجه من مربع أوسلو والاقتراب إلى فصائل المقاومة، والتحلل من الالتزامات الدولية، ووقف التنسيق الأمني الذي وصفه يوما بأنه «مقدس». وهذا سيثير غضب إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا ويتهمونه بتشكيل حكومة تضم حركات مصنفة بأنها «إرهابية» وبالتالي سيفقد كل دعم وتأييد وتمويل من هذه الدول. إن أي دعوة للحوار الوطني يجب أن تحسم نقاط الخلاف الجوهرية: الاتفاق على أرضية أوسلو وانضواء الجميع تحت خيمة السلطة والمفاوضات والمجتمع الدولي، على أرضية إحياء المشروع الوطني كما يجسده الميثاق الوطني لعام 1968، واعتبار المقاومة استراتيجية وليست تكتيكا لتحسين شروط التفاوض. إن أي حوار أو محاولات للوحدة يجب أن تبدأ من هذه النقطة لا أن تنتهي بها. وللتدليل على سوء نية السلطة فبعد توقيع إعلان الجزائر بتاريخ 13 أكتوبر 2022 لم تعد تذكره ولا تشير إليه ولا تقتبس منه، وتتعامل معه وكأنه غير موجود. هذه ورقة تسلمها السلطة للنظام المصري ولا تقبل بديلا حتى لو قدمت الجزائر كل التسهيلات والمساعدات والموقف المبدئي من دعم القضية الفلسطينية، من دون تدخل.
تضييق هامش الحريات
نقطة أخرى يجب أن تكون واضحة أمام الجميع وهي، أن من يدعو لحوار وطني شامل لا يقمع الحريات، ولا يزج في السجون أصوات المعارضة الوطنية، ولا يستخدم العنف ضد أبناء شعبه، ولا يحاول أن يغري المقاومين بالدولارات والسيارات لتسليم أسلحتهم. لقد أطلقت السلطة الفلسطينية 14متهما في جريمة مقتل المرحوم نزار بنات في يونيو 2021، وبدل ذلك اعتقلت ابن عمه محمد بنات أحد الشهود الرئيسيين في الجريمة. وما جرى أمام العالم من قمع وقفة احتجاجية في نابلس للمتضامنين مع المعتقل مصعب إشتية من «عرين الأسود»، أدى إلى إدانة رسمية من منظمة «محامون من أجل العدالة»، كما أن عمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب، خاصة في سجن أريحا أصبح أمرا معروفا، وقضية رأي عام في فلسطين كلها. وقد صرح المحامي مهند كراجة مسؤول «محامون من أجل العدالة» بأن «المشهد منذ اغتيال نزار بنات وحتى اليوم يشير إلى أن حجم الاعتقالات كبير جدا حيث بلغ عددا غير مسبوق». كما أن مؤسسة «الحق» قد رصدت صعودا كبيرا في عدد الاعتقالات والمطاردات، ما اضطر عددا من طلبة جامعة بير زيت أن يعتصموا في الجامعة خوف الاعتقال. وقد أعلنت نقابة أساتذة وموظفي جامعة بيرزيت رفضها التضييق على الطلبة واعتقالهم وتعذيبهم والمسّ بحرية العمل النقابي والوطني وتمكين الطلبة من استكمال تعليمهم الجامعي.
إن الحوار الوطني الذي تدعو إليه سلطة أوسلو لا يتعدى كونه مناورة محدودة وفقاعة صغيرة لا تلبث أن تنطفئ، إن لم تنطفئ فعلا، فالشعب الفلسطيني تعود على مثل هذه المناورات وغير معني بإنقاذ المأزومين، بل كل همه دعم الصمود والمقاومة وتعزيز الوحدة الوطنية الحقيقية خارج قيود أوسلو، وعلى قاعدة شعب واحد وأرض واحدة وقضية واحدة.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجيرسي

 


 

التعليقات (0)