أحدث الموضوعات
سامح المحاريق يكتب: وائل غنيم… هون على نفسك يا رجل!
-
27 يناير 2023, 12:08:59 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
هل تتذكرون وائل غنيم؟ الوجه الذي جعلته ثورة يناير 2011 معروفاً في كل بيت، وأخرجته للعالم بصورة مبكرة ومختلفة عن سياقات المقدمات الموضوعية التي كانت ستجعله في سنوات أخرى أحد الرجال المشهورين في مجال الأعمال والابتكار من موقعه مديراً إقليمياً للتسويق في الشرق الأوسط مع شركة غوغل، وكانت صورته ستزاحم الرجال الذين يظهرون متأنقين في مجلات النخبة بوصفه قصة نجاح ملهمة.
في يناير 2011، أصبح غنيم شخصية مشهورة، مع انكشاف هويته التي وقفت وراء تأسيس وإدارة صفحة «كلنا خالد سعيد»، وخالد سعيد لمن يجد الاسم غريباً، هو بوعزيزي مصر، الشاب الذي لقي مصرعه نتيجة التعذيب من الأجهزة الأمنية في الإسكندرية، وكانت وفاته بمثابة إعلان عن توحش وزارة الداخلية تحت قيادة حبيب العادلي، الذي كان يجهز الأرضية لخلافة جمال مبارك، ويظهر العين الحمراء من غير أن يستشعر أي غضاضة في أن يظهر في صورة الرجل الذي لا يرحم، فالمهمة أمامه ثقيلة، وتعني تبديد عقود من الوهم على أرضية من حقيقة جديدة تتمثل في قتل الجمهورية من أجل ملك جديد، يبدو ضئيلاً لدى مقارنته بفاروق الوسيم والأنيق والهادئ.
الضغوطات التي تعرض لها وائل غنيم تجعله أحد الضحايا، وشهادته تبقى جديرة بالتأمل، ولكن ليس للأخذ بوصفها شهادة لإدانة مرحلة بأكملها
لم يكن اختفاء غنيم كاملاً، لم يتوار بصورة نهائية، الظروف تجاوزته، ومعه جميع الديمقراطيين الذي كانوا يحلمون بتأسيس نظام جديد يقوم على أرضية شعار الثورة «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، ولكن ظهوره أتى مؤسفاً، لدرجة أنه خرج في أكثر من تسجيل مرئي يدخن الحشيش، ويستخدم كلمات بذيئة وفاحشة، ليظهر بلاغة التراجيديا في تهشيم إنسان واعد كان يقدم صورة نموذجية للشاب الواعد والناجح والمهذب، وأفضل منتجات الطبقة الوسطى بعد عقود من التفاعل. وائل الذكي لم يلتهمه النسيان الكامل، ولم تغيبه السجون طويلاً، ولم يسقط في جب الاختفاء القسري، ولكنه بقي في تمثلاته الغاضبة متوازياً مع جميع الفصول التي تبعت ثورة يناير في نشوتها وإحباطاتها، إلى أن جاء ظهوره الأخير، وإعلان التوبة، بعد محاسبة النفس كما يقول، التوبة عن الغرور و»الفتي»، أي الحديث المرسل والمجاني الذي تغيب عنه حقائق أساسية وهو يسعى لاصطناع الصورة المثالية في الذهن، من غير أن تمتلك مقومات الوجود على الأرض، و»الفتي» ربما يكون درجة سابقة لمرحلة «الهري» الذي طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي المصريين بالتوقف عنه، والهري، هو الكلام المهترئ الذي لا يقوم على شيء من الواقع، ولا يشخص مشكلة ولا يقدم حلولاً، ويعبر فقط عن أفكار مشوشة وأحلام يقظة جمعية. الثورة على أي نظام «غلط»، هذه نتيجة يعلنها غنيم، ويفسر ذلك، بأن النظام الاستبدادي يقف بطبيعته حائلاً دون تشكل مجتمع ناضج ومسؤول، ويفتح ذلك باباً للفوضى ولعودة الجنرالات أو أمراء الحرب، الذين يمكنهم حماية الناس، ويسترسل وائل في نقد التجربة ليحمل على كثير من المشاركين في الثورة انشغالهم عن الفعل الثوري، من غير التفكير في الذات وإصلاحها، وكأنه يتحدث ضمنياً عن استيطان الأوهام داخلهم، والخواء من أية حلول، فالثورة هروب من الماضي وتشوهاته، غضب مرسل لغير عنوان، أو تصدير للفشل، كما يصفه، قبل أن يختتم كلامه الذي تحول من إعلان للتوبة بمعنى المحاسبة الشخصية للتخلص من عبء الذنب، إلى ما يقترب من درس في التنمية الذاتية، ودعوة إلى البحث عن الحقيقة (يمكن أن تكون مرادفاً مفاهيمياً للثورة) في النفس وليس خارجها. الإصلاح الذي يبدأ من الفرد، تلك الدعوة ذات الطابع الديني الغيبي، التي تزيح المسؤولية عن كاهل النظام وتجعلها عمومية بين الأفراد، لتحاول البحث عن كثافة تخريج شخصيات مثل طه حسين والعقاد داخل كيان من ملايين البشر يفتقرون لكل الظروف المساندة لرحلة انتشالهم من الفوضى، والاستثناء كثيراً ما يؤكد القاعدة، خاصة عندما نحتفي به ونعتبره قصة للنجاح، كما كان الاحتفاء بوائل غنيم وأبناء جيله وشركائه. لست ميالاً للتشكيك في المرحلة السابقة على ثورة يناير 2011، ولا البحث في الخلفيات الشخصية لوجوهها، ولكن الجميع كانوا جزءاً من لعبة أكبر وأوسع من الفوضى وإدارتها، بدأت بعد الغزو الأمريكي للعراق، ووجدها الديمقراطيون في البيت الأبيض في أحضانهم وكان سعيهم لإخراجها على طريقتهم الخاصة، طريقة الحقوق المدنية والمؤسسات المجتمعية، وبطبيعة الحال، كانت كلها جزءاً من المنتج الخاص بالحقبة السابقة بكل استبدادها، وهذه مشكلة من الصعب أن يتحملها غنيم، ولا أن يحملها لنفسه، فهي مشكلة تكوينية.
مشكلة الحراك الاجتماعي التنويري والتثويري منذ هدى شعراوي، المنادية بحقوق المرأة وتحررها، وما أظهرته عند الممارسة من ميل للاستعلاء الطبقي تجاه النساء من طبقات متواضعة، قياساً بطبقتها التي نشأت في كنف الرعاية البريطانية، وربما كان ذلك يشمل الجميع، ولذلك فثورة يناير 2011 كانت ثورة سياسية قادتها الطبقة الوسطى بعد إغفاءة طويلة، وتمكنت من تحقيق هدفها النهائي بتحالفات معظمها سيبقى غامضاً لزمن طويل، ولكنها أيضاً قامت على المعطيات المبدئية نفسها التي فجرت انتفاضة 1977 وتمرد الأمن المركزي 1986، وبذلك ينتفي الشعور بالذنب الذي يحمّله غنيم لنفسه ولجيله، فالمشكلة في النظام قبل أي شيء، والثورة ليست حدثاً، ولكن هي سيرورة تاريخية، وكما لكل ثورة يوم الباستيل، فكل ثورة تحمل داخلها نابليون جديدا، ولكنه مهما بلغت سطوته لا يستطيع أن يمضي في تبديد وعي الثورة، أو الإصلاح، الذي يفضله غنيم، وربما أميل له شخصياً، والذي يتبلور من داخل «الهري والفتي» الذي كما ويقول القانون الجدلي، الكم الذي سيتحول إلى نوع يوماً ما. الضغوطات التي تعرض لها وائل غنيم تجعله أحد الضحايا، وشهادته تبقى جديرة بالتأمل، ولكن ليس للأخذ بوصفها شهادة لإدانة مرحلة بأكملها.
كاتب أردني
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
مقالات آداب وفنون
خلدون الشيخ يكتب: هل يفقد مانشستر سيتي كل شيء؟ منذ 3 سنوات
نجلاء محفوظ تكتب: أخطاء شائعة عن القوة النفسية منذ 3 سنوات