طفرة تنموية: كيف أصبحت تكساس واحدة من أنجح الولايات الأمريكية؟

profile
  • clock 20 مارس 2023, 6:19:13 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

عرض: حنان نبيل

شهدت ولاية تكساس ثاني أكبر ولاية في الولايات المتحدة من حيث المساحة والسكان، طفرة هائلة في قدراتها ومقوماتها خلال الآونة الأخيرة، بشكل دفع المهتمين بالشأن الأمريكي إلى تسليط الضوء على التجربة التنموية لهذه الولاية، والعوامل التي ساهمت في تحقيق هذا التقدم. وفي هذا الإطار، نشر موقع “إيكونوميست” تقريرين حملا عنوان “لماذا ستبدو أمريكا مثل تكساس أكثر؟”، و”أحدث طفرة في تكساس هي الأكبر حتى الآن”، في 16 مارس 2023. وقد أرجع التقريران حالة التقدم بولاية تكساس بصورة أساسية إلى الإنفاق الفيدرالي السخي على الولاية، وتحديداً خلال فترة وباء كورونا؛ حيث تلقت الولاية خلال هذه الفترة ما يُقدر بنحو 300 مليار دولار.

ووفقاً للتقريرين، هناك ثلاثة قوانين اتحادية حديثة، تضيف الآن إلى هذا السخاء. ويأتي على رأسها – بحسب التقريرين – قانون الحد من التضخم الذي يهدف إلى الحد من انبعاثات الكربون، ومن المتوقع أن يجلب ما يُقدر بنحو 66.5 مليار دولار إلى تكساس لمشاريع الطاقة النظيفة بحلول عام 2030. فيما يتمثل ثانيها – طبقاً للتقريرين – في قانون الاستثمار في البنية التحتية والوظائف الذي يركز على النقل والنطاق العريض، وسيضخ مبلغاً إضافياً قدره 27.5 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة. ونوه التقريران بأن ثالثها يتمثل في قانون تعزيز الإنتاج المحلي لأشباه الموصلات البالغ قيمته 52 مليار دولار، الذي يوفر حوافز ضخمة ستُفيد تكساس.

مؤشرات كاشفة

أوضح التقريران أن أبرز مظاهر الطفرة الهائلة في قدرات ولاية تكساس، تتمثل فيما يلي:

1– ارتفاع أعداد السكان في الولاية بصورة تاريخية غير مسبوقة: تستمر ولاية تكساس في الاتساع؛ حيث نما عدد سكانها ككل بنسبة 18%، من عام 2010 إلى عام 2021. ومنذ يونيو عام 2022، أضافت الولاية 471 ألف شخص؛ أي ما يقرب من عدد الذين يعيشون في أتلانتا عاصمة جورجيا. وقد جاء ربع هؤلاء فقط، من الزيادة الطبيعية؛ أي الفرق بين الولادات والوفيات. وكان الربع الآخر من المهاجرين من الخارج، لكن ما يقرب من نصفهم كانوا من الوافدين من أماكن أخرى في الولايات المتحدة.

صحيح أنه لا يزال عدد سكان ولاية كاليفورنيا أكبر من عدد سكان تكساس، لكن من المرجح أن تتفوق الأخيرة على الأولى في مرحلة ما في عام 2040؛ ففي حين أن ولاية كاليفورنيا تخسر سكانها في ولايات أخرى، فإن تكساس تمتص المزيد من الأشخاص من أجزاء أخرى من الولايات المتحدة، بما في ذلك كاليفورنيا.

2– نمو اقتصاد الولاية أسرع مرةً ونصفاً من الاقتصاد الوطني: لقد نما اقتصاد تكساس أيضاً، بنسبة 39%، أي أسرع مرةً ونصفاً من الاقتصاد الوطني، كما نما التوظيف بسرعة أكبر؛ فمنذ فبراير عام 2020 حتى نهاية العام الماضي، حصلت تكساس على نحو 760 ألف وظيفة، وهو ما يمثل نسبة غير مسبوقة تبلغ 35% من إجمالي الزيادة الصافية في التوظيف في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وتمتلك تكساس الآن أكثر من 30 مليون شخص.

ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للولاية تريليوني دولار، وهو أكبر من الناتج المحلي الإجمالي لكندا. كما جمعت تكساس نحو 486 مليار دولار من الصادرات في عام 2022، أي ما يقرب من ربع الإجمالي الأمريكي وأكثر من تايوان؛ لذلك من المحتمل أن تصبح تكساس تاسع أكبر اقتصاد في العالم إذا كانت مستقلة. بالإضافة إلى ذلك، تم توفير أكثر من واحد من كل ثلاث وظائف جديدة صافية تم تأمينها في الولايات المتحدة منذ فبراير عام 2020، في تكساس. ونمت العمالة داخل الولاية بنسبة 28%، بين عامي 2010 و2021.

3– امتلاك الولاية قدرةً كبيرةً على جذب الشركات والاستثمارات: لقد سلط كوفيد –19 الضوء على عوامل الجذب لولاية كانت أسرع في الخروج من الإغلاق مقارنةً بالعديد من الولايات الأخرى، مثل كاليفورنيا، وتفتخر بتكلفة معيشة أرخص وقيود أقل؛ حيث قدمت تكساس بعض الحوافز للشركات، مثل عدم وجود ضريبة دخل، ووفرة الكثير من الأراضي للتوسع، وتقليل الروتين، والموقف المؤيد للأعمال التجارية. بالإضافة إلى ذلك، تُمثل تكلفة المعيشة 7.5%؛ أي أقل من المتوسط الوطني. ويعود جزء كبير من هذا الأمر إلى السكن؛ فهو أرخص بنسبة 15% من المتوسط الوطني؛ ما يجعل المنزل النموذجي في تكساس أرخص بنسبة 56% من مثيله في كاليفورنيا.

ويُمثِّل موقع تكساس في وسط الولايات المتحدة، مع وصلات نقل ممتازة لدول الأمريكيتين عن طريق البر والسكك الحديدية والجو والبحر، عامل جذب آخر للأعمال التجارية والأفراد؛ لذلك نقلت شركة ماكلارين للسيارات الرياضية، مقرها في أمريكا الشمالية من مانهاتن إلى كوبيل، إحدى ضواحي دالاس بتكساس، العام الماضي. كما يعد القرب من مطار دالاس – فورت وورث، الذي كان ثاني أكثر المطارات ازدحاماً في العالم في عام 2021، ميزة إضافية.

وقد نقلت 139 شركة على الأقل، من عام 2020 إلى فبراير من هذا العام، مقرها الرئيسي إلى تكساس، وقد جاء أكثر من 40% منها من كاليفورنيا. كما تعتبر الولاية موطناً لأربع وخمسين شركة من بين أكبر 500 شركة في الولايات المتحدة من حيث الإيرادات، أكثر من أي ولاية أخرى. ليس هذا فحسب، بل إن هناك الكثير من الشركات أيضاً التي لا يوجد مقرها في تكساس، لكنها توسع عملياتها هناك؛ فعلى سبيل المثال، يتوقع بنك جولدمان ساكس الاستثماري، أن يصبح ثاني أكبر بنك في تكساس، بعد البنك الموجود في مدينة نيويورك. وفي المجمل، هناك 560 شركة لديها فرص عمل في تكساس، ويعمل بها 66 ألف شخص.

4– تمكن الولاية من تنويع مصادر الطاقة والاهتمام بتقنياتها: حدثت طفرة في قطاع الطاقة في تكساس؛ فنحو نصف صادرات الولاية تأتي فقط من الوقود الأحفوري والمواد الكيميائية. ولقد أنتجت تكساس 43% من النفط الأمريكي، و25% من الغاز الطبيعي، في عام 2021، أكثر بكثير من أي ولاية أخرى. وفي السنة المالية التي انتهت في 31 أغسطس الماضي، جمعت الولاية ضرائب بقيمة 10.8 مليار دولار من النفط والغاز؛ أي ما يُعادِل مرتين ونصفاً من متوسط العقد السابق. وهذا بدوره ساهم في تحقيق فائض قياسي قدره 33 مليار دولار.

ولكن يُنذر ذلك بخطر الاعتماد على مصدر واحد فقط للثروة. وتعد الصدمة النفطية وأزمة المدخرات والقروض في الثمانينيات والتسعينيات، دليلاً على هذا الأمر؛ لذلك، فإنه منذ ذلك الحين، نوعت تكساس اقتصادها؛ حيث تتمتع جميع المدن الكبرى في الولاية، بنقاط قوة مختلفة؛ فهناك التكنولوجيا في أوستن، والطاقة في هيوستن وغرب تكساس، والتمويل وغيره في دالاس، والتصنيع والطيران في جميع أنحاء الولاية، بما فيها جنوب تكساس؛ فبدلاً من الاعتماد على النفط والغاز فقط حتى تجف الآبار، اهتمت تكساس بتقنيات الطاقة الجديدة. وهكذا تتحوط الولاية عبر تنويع الصناعة، وهو ما يقلل فرص حدوث ركود على مستوى الولاية مثل تلك التي حدثت في الثمانينيات.

5– تحقيق الولاية الريادة في جهود الانتقال إلى الطاقة النظيفة: تعد تكساس أيضاً رائدة في مجال الطاقة الخضراء؛ حيث تنتج تكساس طاقة رياح أكثر من أي ولاية أخرى. وعلى مدار العامين الماضيين، قادت الولاية البلاد في مجال التركيبات الشمسية؛ حيث أضافت 6.3 جيجاوات من المزارع الشمسية، أي أكثر من ولاية كاليفورنيا بـ85%. وفي العام المقبل، من المتوقع أن تتجاوز حصة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة في تكساس، الغاز الطبيعي للمرة الأولى، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وبذلك فإن الاندفاع الأخضر جارٍ على قدم وساق في تكساس، مدعوماً جزئياً بالإعانات الفيدرالية للطاقة النظيفة.

تحديات حاضرة

أشار التقريران إلى أنه على الرغم من النجاح الكبير الذي حققته ولاية تكساس على المستوى الأمريكي، فإن ثمة تحديات تعترض هذا النموذج. وتتضح هذه التحديات عبر ما يلي:

1– حدوث ارتفاع كبير في تكاليف الإسكان: يمكن أن تؤدي العديد من الأشياء في المقابل، إلى تعثر ولاية تكساس. ويتمثل أحد هذه العراقيل في نجاح الولاية ذاته؛ فمع وصول المزيد من الأفراد إلى تكساس، أصبح الأمر أكثر تكلفةً؛ ما أدى إلى تآكل ميزة انخفاض التكاليف إلى حد ما. وفي هذا السياق، يُنظر إلى أوستن العاصمة على أنها مثال تحذيري؛ فنظراً إلى تدفق شركات التكنولوجيا إلى هناك، فقد جلبت معها بعض مشكلات سان فرانسيسكو؛ حيث ارتفعت قيمة المساكن بنسبة تزيد عن 50% عن المعدل الوطني، منذ عام 2010. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المدينة أصبحت أكثر عداءً للتنمية؛ ما أدى إلى إبطاء بناء الطرق والمنازل الجديدة. صحيح أنه لا تزال أوستن بعيدة، إلا أن مثل هذه المشاكل يمكن أن تتزايد.

2– ضعف الإنفاق على البنية التحتية: خلال معظم تاريخها، كانت ولاية تكساس تتمتع بحكومة هزيلة بشكل استثنائي؛ حيث يجتمع المجلس التشريعي لمدة 140 يوماً كل عامين، وهو أقل بكثير مما هو عليه في معظم الولايات؛ ما جعل الاستثمار في الأشخاص والمشاريع المطلوبة للمستقبل، بما في ذلك التعليم والطرق، غير كافٍ، كما يقيد عدم وجود ضريبة دخل حكومية، الإنفاق على البنية التحتية. وترفض الولاية، توسيع نطاق الرعاية الصحية الممولة من الحكومة للفقراء، على الرغم من أن الحكومة الفيدرالية تدفع 90% من التكلفة. وهذا يترك تكساس مع أكبر عدد من السكان غير المؤمن عليهم في البلاد.

علاوةً على ذلك، فإن نظام التعليم العام في تكساس ضعيف للغاية، من حيث التمويل والنتائج؛ إذ تنفق الولاية 10 آلاف و741 دولاراً على كل طالب؛ ما يضعها في الترتيب الـ42 من أصل 50 ولاية، وهو أمر مقلق بالنظر إلى أن نحو عُشر تلاميذ المدارس العامة الأمريكية، موجودون في تكساس. وبحلول عام 2036، سيتطلب أكثر من 70% من وظائف الولاية، شهادة اعتماد تتجاوز دبلوم المدرسة الثانوية. ولكن 22% فقط من التلاميذ حالياً في تكساس، يحصلون على واحدة خلال ست سنوات من تخرُّجهم في المدرسة الثانوية.

ولقد كان الذين ينتقلون إلى تكساس، أفضل تعليماً من سكان الولاية الأصليين، وشغلوا العديد من الوظائف التي تتطلب مهارات أعلى؛ لذلك يتعين على الولاية الاستثمار أكثر في قوتها العاملة؛ حيث تتمتع تكساس اليوم بأكبر فائض لمدة عامين على الإطلاق، بقيمة 33 مليار دولار؛ أي أكبر من الميزانية السنوية لـ24 ولاية. ومن ثم، لا وقت أفضل من ذلك للقيام بشيء مماثل للمرحلة التالية من تطور الولاية.

3– إدارة الولاية عبر سياسة شعبوية: تعتبر السياسة الشعبوية حجر عثرة آخر محتمل أمام تكساس؛ حيث كانت الولاية تتمتع بسمعة طيبة في الاعتدال، ولكن تبنى الحاكم الحالي وغيره من السياسيين البارزين، سياسات أكثر تطرفاً. ولقد كانت الدورة التشريعية السابقة، في عام 2021، الأكثر تحفظاً منذ عقود؛ حيث وافقت على قوانين تسمح بحمل الأسلحة دون أي تصريح، ومنعت الإجهاض.

وعلى الرغم من أنهم يفتخرون بنهج عدم التدخل في التنظيم، فإن السياسيين في تكساس بدؤوا أيضاً يتدخلون في قرارات الشركات؛ فعلى سبيل المثال، منعوا أي شركة أدرجت صانعي الأسلحة في القائمة السوداء من التعامل مع الولاية. وكذلك الشركات المالية التي تبنت سياسات “بيئية واجتماعية وحوكمة”، وتسعى إلى الحد من الاستثمار في النفط والغاز ومقاطعة الهيدروكربونات.

نموذج مُهدد

وختاماً، أكد التقريران أن تحقيق ولاية تكساس طفرات تنموية غير مسبوقة، جعلها موضع إعجاب في داخل الولايات المتحدة؛ حيث سبقت الولاية نظيراتها من الولايات الأمريكية بفوارق كبيرة. ووفقاً للتقريرين، فإنه على الرغم من ذلك، فإن من الملاحظ أن النهج التنموي للولاية بات مهدداً في ضوء التحديات التي تواجهها، والتي يأتي على رأسها تحول سياسات الولاية إلى اليمين المتطرف.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)