أحدث الموضوعات
ستيفن والت: لماذا يكره الجمهور سياسات "الواقعية"؟
-
18 يونيو 2022, 5:17:49 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
على مدار عقود شكَّلت مقولات المدرسة الواقعية المدخل الأهم لتفسير العلاقات بين الدول، وخاصةً من زاوية الصراع القائم في النظام الدولي، وافتراض أن السياسة الدولية صراع على السلطة والقوة في ظل سعي كل دولة إلى تحقيق مصالحها الذاتية. صحيح أن المدرسة الواقعية تعرَّضت لانتقادات عديدة، في مقدمتها أن بعض التصرفات التي تتبنَّاها الدول لا يمكن تفسيرها بالمقولات الواقعية، ناهيك عن تصاعد الأفكار المعيارية والأخلاقية في العلاقات الدولية التي تصادمت – بطريقة أو بأخرى – مع فرضيات المدرسة الواقعية، وخاصةً نسختها الكلاسيكية. بيد أن هذه الانتقادات لم تُقوِّض “الصلاحية التفسيرية” للواقعية بشأن التفاعلات الراهنة في النظام الدولي.
وفي هذا الإطار، نشر موقع “فورين بوليسي”، في 13 يونيو 2022، مقالاً للكاتب “ستيفن والت” أحد رواد المدرسة الواقعية وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، بعنوان “لماذا يكره الناس الواقعية بدرجة كبيرة؟”، يشرح فيه “والت” كيف أن رواد المدرسة الواقعية توقعوا نشوب صراع على أوكرانيا قبل فترة طويلة من اندلاعه. كما يفنِّد “والت” أسس المدرسة الواقعية، ودورها في فهم الواقع الدولي والحرب الروسية على أوكرانيا. ويوضح المقال لماذا لا تحظى المدرسة الواقعية بقبول واسع، خاصةً في السياق الأمريكي.
إعادة الإنتاج
كتب العالم السياسي “روبرت جيلبين” ذات مرة أنه “لا أحد يحب الواقعية السياسية”، كما كان يُنظَر إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “هنري كيسنجر” وإلى تعليقاته الأخيرة التي حثَّت على محادثات السلام مع موسكو، والتوصُّل إلى تسوية إقليمية في أوكرانيا، والحاجة إلى تجنُّب القطيعة الدائمة مع روسيا، على أنها دليل واضح على الإفلاس الأخلاقي للواقعية، وهي النظرة التي يعارضها “ستيفن والت”، بل بالعكس يرى أن الحرب المستمرة في أوكرانيا “أعادت إنتاج” المدرسة الواقعية.
ويشير “والت” إلى أن الواقعيين من مختلف المشارب حذروا، مراراً وتكراراً، من أن السياسة الغربية تُجاه روسيا وأوكرانيا قد تؤدي إلى مشاكل خطيرة، وهي تحذيرات تجاهلها الذين زعموا أن سياسة “الباب المفتوح” لحلف الناتو ستؤدي إلى سلام دائم في أوروبا. ورغم اندلاع الحرب وتدمير أوكرانيا، وفَقْد الكثير من الأرواح، لم يتخلَّ معظم أنصار “سياسة الباب المفتوح” عن وجهات نظرهم، ويُصرُّون على ضرورة استمرار الحرب حتى هزيمة روسيا بالكامل وإضعافها إلى حد كبير، فيما يتم الهجوم على من تخلَّى عن هذه الأفكار، وفكَّر في هذه القضايا بأسلوب صارم وواقعي.
مبدآن رئيسيان
يدافع “ستيفن والت” عن القدرة التفسيرية للواقعية، ويرى أن الحرب الأوكرانية أثبتت فاعلية الأفكار الواقعية. وفي هذا السياق، ركز “والت” في مقاله على مبدأين رئيسيين في المدرسة الواقعية يرتبطان – بطريقة أو بأخرى – بما يجري في الصراع الأوكراني:
1– الديمقراطيات الراسخة ليست استثناء بالنسبة إلى الواقعية: يدرك الواقعيون أن السياسة الداخلية للدول غير الديمقراطية تكون مختلفة إلى حد كبير عن الدول الديمقراطية، مثل ألمانيا النازية من جهة وبريطانيا الإدواردية من جهة أخرى. ولكن فيما يسارع المثاليون إلى تقسيم العالم إلى دول “جيدة” و”سيئة” ويلقون اللوم بمشاكل العالم بالكامل تقريباً على النموذج السيئ، فإن الواقعية تدرك أنه حتى الديمقراطيات الراسخة ستفعل أشياء مروعة للآخرين عندما تعتقد أن مصالحها الحيوية على المحك. ويستشهد “والت” بتدخل الولايات المتحدة في فيتنام في الستينيات من القرن الماضي خوفاً من أن تصبح فيتنام الجنوبية جزءاً من العالم الشيوعي. ودافع القادة الأمريكيون عن هذه الإجراءات بأنها كانت ضرورية للأمن القومي للولايات المتحدة، رغم أن فيتنام كانت دولة ضعيفة وعلى بُعد أكثر من 8000 ميل من الولايات المتحدة القارية.
ويجادل “والت” بأن المثال السابق لسوء السلوك الأمريكي وغيره من الأمثلة، كالتدخل في نيكاراجوا، وغزو العراق، لا يبرر ما تفعله روسيا اليوم في أوكرانيا على أقل تقدير، لكنه لا بد أن يؤدي إلى رد فعل قاسٍ من الذين يسعون إلى تأطير الصراع على أنه لعبة أخلاقية بسيطة بين مُعتدٍ وحشي وضحية بريئة.
2– الدبلوماسية والتسوية أداتان لحل الخلافات: يفترض الواقعيون أن الأفعال الشريرة تحدث، وأن بعض الدول تتصرف بأسلوب أسوأ من غيرها، لكنهم يفهمون أيضاً أن جميع الدول تتنافس من أجل الأمن في عالم غير كامل؛ لذا يرى الواقعيون الدبلوماسية والتسوية أداتين حاسمتين لإدارة الخلافات وحل الاختلافات دون استخدام القوة العسكرية.
وعلى النقيض من أفكار الليبراليين والمحافظين الجدد وغيرهم من المثاليين – التي تفترض أن القادة أو الأنظمة الشريرة يتحملون المسؤولية الكاملة عن كل المشاكل في العالم، ومن ثم، يكون الحل الوحيد هو القضاء على الأشرار نهائياً – فإن “والت” يرى أن محاولة التخلص من الحكومات التي تُعتبر “شريرة” قد تؤدي إلى قتل الكثير من الناس. وفي بعض الظروف – مثل الحرب الحالية في أوكرانيا – يمكن أن يؤدي ذلك إلى صراع أوسع وأكثر خطورةً.
أسباب الكراهية
بالرغم من القدرة التفسيرية للأفكار الواقعية، فإن “والت” يشير إلى تعرض المدرسة الواقعية لكراهية واسعة النطاق. وترتبط هذه الكراهية بعدد من الأسباب الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:
1– العداء التاريخي في الولايات المتحدة: كان يُعترَف بالمدرسة الواقعية في الولايات المتحدة باعتبارها تقليداً مهماً في دراسة العلاقات الدولية، لكنها لم تكن شائعة فيها، بل كان هناك عداء وثيق تجاهها بحسب “والت”؛ ففي عام 2010 – على سبيل المثال – انتقد خطاب “ديفيد ليك” الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو أمام جمعية الدراسات الدولية؛ الواقعية والنماذج الأخرى باعتبارها “طوائف” و “أمراضاً” تصرف الانتباه عن “دراسة الأشياء المهمة”.
وخلال عقد التسعينيات، عندما اعتقد الكثيرون أن القيم الليبرالية تنتشر في جميع أنحاء العالم، نشر عالم السياسة “جون فاسكيز” مقالاً مطولا في “American Policy Science Review” يدَّعي أن الواقعية كانت برنامج بحث “انتكاسياً” يجب تجاهله.
2– تقديم الواقعية وجهة نظر قاتمة ومتشائمة: تفترض الواقعية أن الناس مَعيبون على نحو لا يمكن إصلاحه، وأنه لا طريقة لإزالة كل تضارب المصالح بين الأفراد أو المجموعات الاجتماعية التي يُشكِّلونها. علاوةً على ذلك، تُسلِّط جميع إصدارات الواقعية الضوء على انعدام الأمن الناتج عن غياب سلطة عالمية شاملة يمكنها فرض الاتفاقيات ومنع الدول من أن يهاجم بعضها بعضاً. وعندما يكون العنف ممكناً، فإن الجماعات البشرية من جميع الأنواع – سواء كانت قبائل أو دولة مدنية أو عصابات شوارع وميليشيات أو دولاً – ستبحث عن طرق لتصبح أكثر أمناً؛ ما يعني أنها ستميل بقوة إلى التنافس على السلطة.
وعلى عكس ما يؤكده بعض النقاد، لا يرى الواقعيون – بحسب “والت”– هذه السمات على أنها قوانين جامدة تُحدِّد كل خطوة قد تقوم بها دولة ما، كما أنهم لا يعتقدون أن التعاون مستحيل، أو أن المؤسسات الدولية لا قيمة لها، وهم – بالتأكيد – لا يعتقدون أن البشر يفتقرون إلى القدرة على اتخاذ خيارات مختلفة بينما يسعون جاهدين لحماية مصالحهم. بل يؤكد الواقعيون ببساطة أن الفوضى الدولية – أي غياب سلطة مركزية شاملة – تخلق حوافز قوية للتنافس بين الدول، وهي حوافز يصعب إدارتها أو التغلب عليها؛ لذلك يتردد الكثير من الناس في تبني مثل هذه النظرة المتشائمة للحالة الإنسانية.
3– التركيز المفرط على سياسات القوة: يؤدي تركيز الواقعية على سياسات القوة إلى افتراض أن مؤيديها يركزون بإفراط على القوة العسكرية، ويميلون إلى تفضيل الحلول المتشددة. ولكن “والت” يؤكد أن هذا الرأي خطأ. وبصرف النظر عن كيسنجر (الذي كان من الصقور خلال حرب فيتنام ودعم الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003)، فإن أبرز الواقعيين يميلون عموماً إلى الحمائم. وكان كل من “جورج ف. كينان”، و”رينولد نيبور”، و”والتر ليبمان”، و”هانس ج. مورجنثاو”، و”كينيث والتز” من أوائل النقَّاد لتورُّط الولايات المتحدة في فيتنام، وكان خلفاؤهم الأكاديميون من الأصوات الأكثر بروزاً التي عارضت مسيرة إدارة بوش للحرب ضد العراق في عام 2003.
4– التقليل من أهمية القيم والأخلاق: بالرغم من النظرة الشائعة للواقعية على أنها غير مبالية للاعتبارات الأخلاقية أو حتى معادية لها، فإن “والت” يرى أن تراجع اهتمام الإطار النظري للواقعية بالقيم أو المثل العليا لا يعني معاداة الواقعية لها؛ إذ إن معظم الواقعيين يسترشدون أيضاً بالالتزامات الأخلاقية العميقة، وهم على دراية بالطبيعة المأساوية للسياسة الدولية وأهمية محاولة التصرف بأسلوب أخلاقي على الرغم من الضغوط للتصرف بطريقة أخرى. وبالنسبة إلى الواقعيين، لا تكفي الأهداف النبيلة والنوايا الحسنة إذا أدت الخيارات الناتجة إلى مزيد من انعدام الأمن أو معاناة الإنسان.
5– الواقعية لا تؤمن بالاستثنائية الأمريكية: يقول “والت” إن الواقعية لا تحظى بشعبية في الولايات المتحدة لأنها تتعارض مع الاعتقاد السائد بالاستثنائية الأمريكية، وفكرة أن الولايات المتحدة أخلاقية على نحو فريد، وتعمل دائماً من أجل الصالح العام للإنسانية. لكن بالنسبة إلى الواقعيين، فإن الحاجة إلى البقاء، على نحو آمن ومستقل، في عالم يفتقر إلى سلطة مركزية، غالباً ما تقود الدول ذات الخصائص المختلفة إلى التصرف بطرق متشابهة على نحو لافت للنظر.
وفي هذا الإطار، يشير “والت” إلى أن الاختلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فيما يتعلق بالنظام السياسي والاقتصادي والأيديولوجيات، لم تمنع الدولتين من تبني سياسات خارجية متشابهة؛ حيث دفعت المنافسة خلال الحرب الباردة كلاً منهما إلى تشكيل وقيادة تحالفات كبيرة، وبناء عشرات الآلاف من الأسلحة النووية، والتدخل في العديد من البلدان الأخرى، وشن حروب مدمرة بالوكالة، واغتيال القادة الأجانب.
ختاماً.. يشير والت إلى أن الواقعية لا تسعى إلى حصد الشعبية؛ إذ يميل مؤيدوها إلى أن يكونوا على حق. ليس كل الوقت بالطبع؛ لأن السياسة الخارجية نشاط مُعقَّد ينتشر فيه عدم اليقين والنظريات المختلفة التي يمكن أن تساعد في توجيه صانعي السياسات. على سبيل المثال، فوجئ معظم الواقعيين بأن الناتو نجا وتوسَّع بعد الحرب الباردة، لكن الواقعيين كانوا محقين بشأن الاحتواء المزدوج في الخليج، والحرب في العراق، وقرار أوكرانيا “المشؤوم” بالتخلي عن ترسانتها النووية، والآثار المترتبة على صعود الصين، وحماقة بناء الدولة في أفغانستان، وهي مجرد أمثلة قليلة. لكن “والت” يتشكَّك في أن هذه الأمثلة ستجعل الواقعية أكثر شعبيةً، حتى لو استمرت معظم الدول في التصرف – بطريقة أو بأخرى – كما تتصوَّر الواقعية.
المصدر:
Stephen M. Walt, Why Do People Hate Realism So Much?, Foreign Policy, June 13, 2022
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
الأسرة والمجتمع
السعودية تطلق خدمات إلكترونية جديدة لخدمة الحجيج منذ 3 سنوات
موسم الحج 2023.. تفاصيل أداء الفريضة خطوة بخطوة منذ 3 سنوات