هل تنجح ممرات الغذاء في الحد من تداعيات الحرب الأوكرانية؟

profile
  • clock 18 يونيو 2022, 3:59:05 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع المخاوف من حدوث أزمة غذاء عالمية، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي في الدول الفقيرة؛ بسبب ارتفاع الأسعار ونقص المعروض في عدد من المنتجات الزراعية المهمة، وفي مقدمتها القمح والذرة والمحاصيل الزيتية التي تحتل روسيا وأوكرانيا النسبة الكبرى من صادراتها، خاصةً أن روسيا هي أكبر مُصدِّر للقمح في العالم بـ37.3 مليون طن سنوياً. وتُؤمِّن الدولتان معاً أكثر من ثلث صادرات الحبوب في العالم. وفي خضم هذا السياق المُعقَّد، حاولت المنظمات الأممية والعديد من الدول إيجاد حلول استباقية لمواجهة أزمة الغذاء الراهنة؛ حيث تجري الأمم المتحدة عدة مفاوضات مع القوى الغربية وروسيا للتوصل إلى اتفاقية لفتح ممرات غذائية آمنة تسمح بمرور صادرات الغذاء الأوكرانية إلى الأسواق العالمية؛ لتجنب أي نقص محتمل في سوق الغذاء العالمية، وتأمين سلاسل الإمدادات الغذائية لدول العالم، التي تسهم بدورها في تقليل حدة الأزمة الغذائية التي بدأت آثارها تظهر بالفعل.

ملامح بارزة

شهدت الفترة الأخيرة تصاعد الحديث عالمياً عن فكرة “الممرات الغذائية”، في ضوء الضغوط التي أنتجتها الحرب الروسية–الأوكرانية على سوق الغذاء العالمية، وهي الضغوط التي تشكَّلت أبرز ملامحها فيما يأتي:

1– تعطُّل سلاسل الإمدادات الغذائية: منذ نشوب الحرب الروسية توقفت شحنات الحبوب الأوكرانية من موانئ البحر الأسود؛ حيث أسهم الحصار الروسي في منع تصدير 20 مليون طن من الحبوب من أوكرانيا؛ ما أدى إلى تعطُّل سلاسل الإمدادات الغذائية. وقد أثار الخلل اللوجستي في سلاسل إمداد الغذاء، مخاوف من انعدام الأمن الغذائي في العالم، خاصةً البلدان التي تعتمد على روسيا وأوكرانيا لتأمين إمداداتها من القمح؛ فنحو 276 مليوناً شخص يواجهون الآن انعداماً حاداً للأمن الغذائي، ارتفاعاً من 135 مليوناً قبل 2020، و49 مليون شخص في 43 دولة على حافة المجاعة. وقد حذر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة من احتمال ارتفاع عدد الجياع في القرن الأفريقي من 15 إلى 20 مليوناً خلال العام الجاري.

2– عوائق أوكرانية لمنع تصدير شحنات القمح: أنشأت السلطات الأوكرانية العديد من العوائق أمام تصدير الحبوب؛ فبالإضافة إلى الحرق المتعمد للحبوب في ميناء ماريوبول؛ زرعت القوات الأوكرانية الألغام في البحر الأسود؛ ما يمنع نقل الحبوب إلى الأسواق العالمية بواسطة السفن. وقد تراجعت صادرات أوكرانيا أكثر من 50% خلال شهر مارس مقارنةً بالشهر ذاته في 2021، مع تصدير نحو 300 ألف طن فقط من الحبوب خلال ذلك الشهر. وبلغت صادرات الدولة في أبريل نحو 115 ألف طن من القمح، و622 ألف طن من الذرة، و25 ألف طن من الشعير.

3– ارتفاع أسعار المواد الغذائية: أدى توقف حركة الشحن من أوكرانيا إلى دول العالم، وتعطيل عمليات تصدير الحبوب، إلى ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية، خصوصاً القمح والذرة والشعير والبذور الزيتية، ومن ثم ارتفعت أسعار المواد الغذائية؛ فمنذ منتصف فبراير إلى منتصف مايو 2022، ارتفعت أسعار القمح 60%، بينما ارتفعت أسعار زيت الطعام بنسبة 25–40%؛ ما أسهم في زيادة تفاقم الأزمة. وانخفضت أسعار المواد الغذائية في مايو 2022 بنسبة 0.6% عن أبريل، لكنها لا تزال أعلى بنسبة 22.8% عن الشهر ذاته من العام الماضي.

اللافت أن ارتفاع الأسعار جاء أيضاً نتيجة للتدهور العالمي في إنتاجية المحاصيل؛ إذ أسهمت الظروف المناخية القاسية التي تواجهها الاقتصادات العالمية في التأثير سلباً على إنتاجية المحاصيل الزراعية في عدد من الدول الموردة الرئيسية؛ حيث أدى ارتفاع درجات الحرارة والجفاف الذي شهدته الهند إلى فرضها قيوداً على تصديره؛ لتأمين إمداداتها المحلية، كما أسهم الجفاف الذي تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية في تراجع احتياطيات القمح لديها، وتسببت الفيضانات في الصين في تأخير زراعة ثلث محصولها من القمح، بالإضافة إلى تراجع حجم إنتاج المحاصيل الأوكرانية نتيجة الحرب الدائرة؛ ما يسهم في استمرار نقص الإمدادات الغذائية.

4– زيادة إجراءات الحمائية الغذائية: يسهم ارتفاع أسعار المواد الغذائية في تحفيز المزيد من الإجراءات الحمائية، من خلال حظر تصدير السلع الغذائية الأساسية لحماية الأمن الغذائي المحلي. وبحسب المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، فرضت 19 دولة حَظراً على صادرات الأغذية، وهو ما يمثل 17% من تجارة الأغذية العالمية؛ ما يسهم في نقص المعروض من الغذاء لدى الدول الفقيرة.

ومع استمرار نقص الإمدادات الغذائية، لا سيما مع نقص القمح بالفعل في العديد من البلدان في إفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى حاجة أوكرانيا إلى الدخل من عائدات التصدير، وحاجتها إلى مساحات تخزين للمحصول الجديد بحلول شهر يوليو القادم، في ظل عدم وجود مساحة للتخزين في صوامع الحبوب المكتظة بالمحصول الحالي؛ كان لا بد من إيجاد حلول مؤقتة بوصفها مَخرجاً للتصدير.

5– عدم فاعلية النقل عبر الطرق البرية: سعت كييف إلى تعويض عمليات تصدير القمح عبر موانئها من خلال طرق ومسارات بديلة تعتمد على الطرق البرية والسكك الحديدية في بعض الدول الأوروبية، مثل بولندا التي تمتلك خط سكة حديدية طوله 400 كيلومتر يربط أوكرانيا بمنطقتها الصناعية سيليزيا، كما اتفقت بولندا وألمانيا على تخصيص قطارات تُخرِج القمح من أوكرانيا وصولاً إلى غرب أوروبا لتصديره إلى أماكن أخرى، لكن مع ذلك، أسهم ازدحام الطرق المؤدية إلى موانئ البلطيق في بولندا، بجانب نقص العربات، في ضعف قدرتها على زيادة أحجام صادرات الحبوب الأوكرانية إلى ما يزيد عن مليوني طن شهرياً، بالمقارنة بشحن نحو 5 إلى 6 ملايين طن عبر موانئ البحر الأسود شهرياً، وفقاً لتقديرات “بلومبيرج”.

وظهرت هذه الإشكالية مع محاولة نقل المواد الغذائية الأوكرانية عبر سلوفاكيا. صحيح أنها نقلت نحو 18 ألف طن من الذرة من أوكرانيا خلال شهر مايو عبر 12 قطاراً، بمشاركة شركات الشحن الخاصة، لكن المشكلة تكمن في اختلاف سعة العربات الأوكرانية عن مثيلاتها؛ ما يتطلب إعادة تحميلها على العربات ذات الحجم الأوروبي القياسي أو تقسيم الشحنة.

تحركات مكثفة

شكَّلت المعطيات السابقة مدخلاً جوهرياً لتفسير الاهتمام المتصاعد بإنشاء ممرات الغذاء الآمنة؛ فمع فشل الحلول المؤقتة في تعويض الصادرات الأوكرانية من ميناء أوديسا، ظهرت مساعٍ ومفاوضات دولية لاستئناف تصدير الحبوب عبر البحر الأسود؛ حيث تجري الأمم المتحدة مفاوضات مع كل من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا بشأن إقامة ممرات آمنة لتصدير الحبوب من موانئ أوكرانيا، ولاقت تلك المفاوضات ردود أفعال مختلفة من القوى الغربية تمثلت فيما يأتي:

1– السماح بتصدير الحبوب مقابل رفع العقوبات: توصَّلت روسيا إلى اتفاق مع الجانب التركي تضمَّن إعلان روسيا عن ممرات آمنة للسفن المُصدِّرة للحبوب الأوكرانية في موانئ البحر الأسود دون التعرض لأي تهديد، شريطة أن تُزيل أوكرانيا الألغام من السواحل الخاضعة لسيطرتها، بالإضافة إلى رفع العقوبات على روسيا لتتمكن من تصدير الأسمدة. ومع أن الأسمدة الروسية لا تخضع للعقوبات الغربية، إلا أن العقوبات المالية المفروضة ضد النظام المالي الروسي يمكنها أن تمنع دولاً غير ذات صلة من شرائها.

وعلى الرغم من اهتمام أوكرانيا بذلك الاتفاق، فإنه لا يزال لديها مخاوف كبيرة من استغلال روسيا ممرات شحن الحبوب في شن هجمات على جنوب أوكرانيا، ومن ثم تطالب بضمانات أمنية، ومعدات عسكرية لحماية السواحل الأوكرانية، مثل الصواريخ الغربية المضادة للسفن، وبقوات بحرية لتسيير دوريات لحراسة الممرات التجارية في البحر الأسود.

2– خطة إنشاء مركز تنسيق رقابي في تركيا: بناء على طلب من الأمم المتحدة، وافقت تركيا على تطهير المنطقة المحيطة بالموانئ الأوكرانية من الألغام البحرية، وتوفير ممرات آمنة لناقلات الحبوب لحمايتها. وفي ذلك الإطار، اقترحت الأمم المتحدة بالفعل تشكيل مجموعة اتصال رباعية تتألف من ممثلين عن الأمم المتحدة وتركيا وروسيا وأوكرانيا؛ لوضع آلية تحكُّم بممر محتمل للحبوب، ومن المقرر إنشاء مركز تنسيق للأمم المتحدة في إسطنبول لتنظيم كيفية توزيع الحبوب المُصدَّرة في السوق العالمية.

3– استكشاف طرق نقل بديلة: دعت الأمم المتحدة إلى ضرورة استكشاف طرق للنقل بدلاً من الممر البحري في أوديسا، ويجري حالياً النظر في ثلاثة موانئ أوكرانية لتحميل القمح؛ فبالإضافة إلى أوديسا، يمكن إعادة الشحن من النقاط المجاورة في تشورنومورسك ويوجني، فيما يبقى تصدير القمح من ميناء ميكولايف المحاصر، ومن الموانئ التي تحتلها روسيا في تشيرسون وماريوبول قيد المناقشة.

4– مقترح الممر الأخضر الصيني: طرحت الصين هي الأخرى مبادرة لتسهيل عملية نقل المواد الغذائية من أوكرانيا؛ حيث دعا وزير الخارجية الصيني وانج يي، في شهر مايو الماضي، أثناء مفاوضات عبر الفيديو مع نظيرته الألمانية “أنالينا بيربوك”، إلى إنشاء “ممر أخضر” لتصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا. وصرَّح: “في الوضع الحالي يجب على المجتمع الدولي أن يساعد في وقف إطلاق النار بأسرع ما يمكن، وإنشاء ممر أخضر لتصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا”. وأوضح أن “الصين جاهزة لإجراء مشاورات بهذا الشأن مع كل الأطراف المعنية”.

تحديات رئيسية

بالرغم من التحركات الدولية المكثفة لإنشاء ممرات الغذاء الآمنة، لا تزال هذه التحركات تواجه تحديات عديدة؛ فحتى الوقت الراهن لم يتم التوصُّل إلى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا بفتح ممرات تسمح بإعادة تشغيل موانئ البحر الأسود، ومرور صادرات الحبوب الأوكرانية إلى الأسواق العالمية. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أبرز التحديات التي تواجه “الممرات الغذائية الآمنة”؛ وذلك على النحو الآتي:

1– طول المدة الزمنية اللازمة لإزالة الألغام: على الرغم من خبرة البحرية التركية في إزالة الألغام؛ لكونها واحدة من أكثر القوات البحرية خبرةً داخل الناتو، ولديها 11 سفينة كاسحة للألغام، وأطقم مدربة على ذلك؛ فإن التقديرات تشير إلى أن إزالة الألغام البحرية قد تستغرق عدة شهور، فضلاً عن تشكيك أوكرانيا في قدرة تركيا على تأمين البحر الأسود، ومطالبتها بتدخل قوات رومانية.

2– مخاطر تدخل الناتو لتأمين السفن: ومن أجل موافقة أوكرانيا على أي مقترح لتشغيل الموانئ وتصدير المواد الغذائية، سيتعيَّن على العديد من الدول تقديم الضمانات الأمنية، بما في ذلك تركيا بالتعاون مع بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ ما يقتضي مشاركة القوات الحربية التابعة للناتو مباشرةً في تأمين السفن المارة. وسيؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع في البحر الأسود، وسيُسهم في تصعيد الصراع الدائر.

3– الخلاف حول تفتيش السفن المارة: وهي قضية خلافية بين روسيا وأوكرانيا، والدول الغربية إجمالاً؛ إذ تصر موسكو على السماح لها بتفتيش ناقلات الحبوب الدولية قبل دخولها أي ميناء أوكراني؛ تخوفاً من دخول أسلحة للجيش الأوكراني في هذه السفن، فيما رفضت أوكرانيا هذا التفتيش.

4– الخلاف على توزيع العائدات: يعد توزيع عائدات المبيعات نقطة خلاف كبيرة في المفاوضات العملية بين الطرفين، خاصةً في ظل اتهام أوكرانيا لروسيا بسرقة وتصدير الحبوب من الموانئ الأوكرانية المحتلة، حتى إن السفارة الأوكرانية في تركيا دعت إلى تفتيش السفن الروسية في مضيق البوسفور على نحو أشد صرامةً بحثاً عن شحنات القمح.

5– رفض الدول الغربية رفع العقوبات على روسيا: يُعَد مطلب “إزالة العقوبات أمام الصادرات الروسية مقابل سماح روسيا بإعادة فتح السوق الدولية للحبوب من أوكرانيا” مطلباً مشروعاً. ولعل هذا ما يفسر إعفاء العديد من الدول الغربية الحبوب والمواد الغذائية الأخرى من عقوباتها ضد روسيا، لكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرَضَا إجراءات عقابية شاملة ضد السفن الروسية، تمنع استخدامها لتصدير الحبوب، كما تجعل شركات الشحن الأخرى مترددة في حمل منتجاتها. وفي ذلك الإطار، تتمسك القوى الغربية بخيار العقوبات من أجل التضييق على الاقتصاد الروسي وإظهار موسكو بمظهر المتسبب في أزمة غذاء عالمية.

وأخيراً.. فإن حل مشكلة الغذاء العالمية يتطلب نهجاً شاملاً، يتضمَّن تنفيذ المقترحات الخاصة بتأمين مسارات الغذاء لتصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا، ومن ثم التركيز على انتهاء الحرب الاقتصادية الدائرة بين الطرفين، ورفع العقوبات المفروضة على الصادرات والمعاملات المالية الروسية، كما يتطلب قيام الجانب الأوكراني بإزالة الألغام من جميع الموانئ، بالإضافة إلى ضرورة زيادة المساعدات الطارئة للزراعة، ودعم المزارعين لجعل نظم الأغذية الزراعية أكثر كفاءةً ومرونةً واستدامةً لتجنب مستوى الضعف الراهن، وتخفيف القيود العالمية على تصدير السلع الزراعية؛ لضمان تأمين الإمدادات الغذائية إلى جميع دول العالم.

 

المصدر: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)