سامح المحاريق يكتب: فائض التشخيص في أردن الأسئلة المعلقة

profile
  • clock 17 مارس 2023, 6:00:28 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

السياح أو الهابطون بالمظلات، أبناء هارفرد وأكسفورد، هذه أوصاف ألحقها الأردنيون بنخب حكومية وإدارية وجدوها بعيدة عن الواقع، ولأن تحميل المسؤولية على طرف دون الآخر مسألة مريحة، إلا أنها تحمل آثارها السلبية على الجميع، الطرفين، ومن هم على هامشهما.
الأردنيون شعب يمتلك وعياً سياسياً، أو لنقل، أنه من لوازم الوجاهة والمكانة الاجتماعية أن يتحدث الأردني في السياسة، وبقانون تحول الكم إلى نوع، يفترض أن الأردنيين سينتجون قيادات سياسية تتأتى من قلب مشكلاتهم، وتتفهمها بصورة كافية، إلا أن واقع الأمر، أن الروافع مثل الأحزاب التي يمكن أن تحدث ذلك كانت معطلة أو عاجزة عن تحقيق ذلك. في هامش آخر، وفي كثير من البيوت التي تمتلك صالات كبيرة للضيوف يمكن أن تستوعب عشرين شخصاً على الأقل، ولصاحبها القدرة على إعداد وليمة مشهودة تتخم الحاضرين، يسترخي الجميع ويبدأون في عملية استعراض لعضلاتهم السياسية، فيشبعون ما يحدث في الأردن تحليلاً وتشخيصاً، ويقدمون الحلول المرسلة، وبعضها من البداهة لدرجة أن التفكير فيه لا بد أن حدث في دائرة قرار أو أخرى، ووجدت عائقاً جوهرياً أو أكثر تجاه تطبيقه، والبيوت، لغايات ضبط التعريف، مصطلح يمتد من القصور إلى الفلل المتلاصقة إلى المزارع.

التحرر من عقيدة الصالون السياسي لا يتأتى إلا بمراكز بحثية متزنة يمكن أن تتولى معالجة خامة الآراء والتوجهات تجاه بناء كتلة من الحقيقة النسبية

على الرغم من المبالغات، فإن جانباً من المعرفة يمكن حيازته من هذه الجلسات التي تضم أطرافاً من أصحاب المناصب السابقين، والإعلاميين والأكاديميين، ومن يطرحون أنفسهم ليكونوا خيارات في مرحلة مقبلة، والأكثر من ذلك، يتحصل الشخص الذي يدمن الجلسات، سواء لتقديم أوراق اعتماده في الصالونات السياسية، أو لمجرد التسلية وتزجية الوقت، أو حتى لتجربة تنوع المطبخ الأردني بتنوع المكونات الاجتماعية في الأردن، على فائض من التشخيص يثقل كاهله، فالمحصلة هي وجود الكثير والكثير من الإجابات تخلق زحاماً يحول والتعامل مع سؤال جوهري وبسيط ومباشر وهو: من أين نبدأ؟ في الأردن، وبوجود أكثر من عشرين جامعة محملة بأكثر من حاجتها من الأكاديميين، وحيث يجري إنتاج خريجي العلوم السياسية بكثافة تفوق دول الجوار والإقليم، فإن المراكز البحثية تعاني من ظاهرة تغول اللعبة السياسية القائمة على أعمالها، وعندما نتحدث عن مركز بحثي، علينا أن ننحي جانباً المراكز التي أنتجتها بعض الصالونات السياسية، وتعتبر تطوراً عضوياً لطقوسها، حيث تتأتى النتائج سابقة أصلاً على معطيات البحث والدراسة، لأنه يجب توظيفها في المناكفة والاستعراض. في الجامعة الأردنية، التي توصف بأم الجامعات، يوجد مركز الدراسات الاستراتيجية منذ ما يقارب الأربعين عاماً، والمركز يتحصل على مواقع متقدمة في تصنيف جامعة بنسلفانيا للمراكز الفكرية، خاصة في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية والدراسات الإقليمية، كما تحصل على تصنيف أفضل مركز دراسات في الشرق الأوسط وشمال افريقيا 2016-2019، والمركز ثري في الدراسات وقراءات الموقف وغيرها من الوثائق المهمة، إلا أن معظم الأردنيين، وحتى المختصين منهم، يغفلون هذه الجهود ويركزون على الاستطلاعات التي تعكس رأي المواطنين الأردنيين في الحكومة. هذه الاستطلاعات تدفع المركز إلى تصدر الاهتمام الإعلامي، وذلك لاستقبالها بصورة استقطابية واضحة، فمن يحملون على الحكومة يرونها منصفة إذا خرجت بنتائج تظهر عدم الرضا الشعبي، والحكومة تراها محرجة، وتتحسس أحياناً، خاصة أن التقارير تحمل نزعة للمقارنة مع الحكومات السابقة، والعكس بطبيعة الحال صحيح، وفي ظل حالة الاستقطاب يستعجل الكثيرون الاستطلاعات التي تتحول برودتها الأكاديمية وحياديتها المشروحة في الصفحات الأولى من كل تقرير، إلى سخونة إعلامية تغذي الصالونات السياسية المتأهبة والتي لا ترضيها أي حكومة بسبب قناعتها بأنها حكومة بديلة، وأنها خيارات أكثر صلاحية، وما يشجع ويغذي وينشط هذه الحالة، هو أن البعض انتقلوا من الصالونات السياسية إلى كراسي الدوار الرابع مقر الحكومة الأردنية.
استطلاع الرأي الروتيني الذي يفترض أن يكون مؤشراً طازجاً حول توجهات الأردنيين، وما يثيره من تحسس يعمل عائقاً أمام منح المركز دوره المنشود في التعامل مع فوضى التشخيص، التي أصبحت عبئاً أمام متخذ القرار في ظل محاولة اختطاف التمثيل التي تجري في الصالونات السياسية، فالقيمة المضافة (المتخيلة) في مداولاتها تكمن في الإيحاء بالحديث نيابة عن كتلة جهوية أو فئوية، والعمل على تعظيم أثر الجهة الممثلة في حديثهم، وبذلك تتخلق ظاهرة أردنية بامتياز يمكن وصفها بالخوف من الكراكيب على وزن عبودية الكراكيب، الكتاب الشائع الصيت. التهيب من توضيب المشهد يدفع للترحيل والتسويف، مع أن عملية الترتيب للخزانة الهائلة التي تحتوي تشخيصات الأردن ومحيط الآراء المتضاربة، بما يعكس واقع الإشكالية أفقياً وعمودياً، يحتاج إلى وضع كل شيء على الأرض، ومن ثم الفرز والتخلص من المتطرف والغريب وما يثير الارتياب من شبهة المصلحة الشخصية أو الفئوية، ولاحقاً إعادة الوصول إلى تشخيص يحدد البداية التي يجب أن تقوم على أساسها بقية الإجراءات. التحرر من عقيدة الصالون السياسي لا يتأتى إلا بمراكز بحثية متزنة، يمكن أن تتولى معالجة خامة الآراء والتوجهات تجاه بناء كتلة من الحقيقة النسبية، مراكز تستطيع أن تحول الانفعال التكتيكي للأداء السياسي تجاه البرودة اللازمة للتخطيط في المدى البعيد، بحيث لا يتم تحميل الأجيال الراهنة تضحيات لتصورات شكلية تختص بالمستقبل ستبقى عصية على التحقيق، ولا تتحمل الأجيال المقبلة تكلفة الارتباك البريء على مستوى العقل السياسي اليومي والشائع في الأردن، أو المغرض على مستوى نخب الصالونات والمزارع السياسية. الاشتباك بين الحكومة ومركز الدراسات بالتزامن مع صدور نتائج استطلاعه الدوري، يظهر أن الحكومة تبالغ في موقفها وتتناسى دورها في سياق عام لا يرضي المواطنين الأردنيين، فلا تكون شخصية الرئيس أو فريقه مصدر المشكلة، ولكن الطبقة السياسية بأكملها بكل مؤسساتها وصالوناتها، وهي الوضعية التي تدفع للانحياز للإصلاح السياسي، رغم تداخل النخبة المكرسة ببصماتها للاستحواذ على حصة معتبرة منه. وحيث يستدعي الإصلاح السياسي الفاعل والمنتج فهماً أعمق وأكثر إحاطة بالمحركات الاجتماعية والاقتصادية فالأولى أن تتعزز مشاركة المراكز البحثية، الرسمية وغير الرسمية، وأن تسمع الحكومة والمؤسسات والأجهزة منها، لا أن تتعامل معها بوصفها منبها مزعجا لا يستجيب مع زر الغفوة الإضافية (السنوز). الأصل في المؤسسات أن تتضافر، وببساطة أن تتخذ شكل الضفيرة، فيكون التواصل والتراكم أمرين متاحين، لا أن يتوازيا أو يتقاطعا كما تحدث أشياء كثيرة في الأردن.
كاتب أردني

التعليقات (0)