أحدث الموضوعات
د. مدى الفاتح يكتب: لماذا يحن الأمريكيون لإبراهام لنكولن؟
-
1 نوفمبر 2022, 1:19:48 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
زينت صورة الرئيس الأمريكي السادس عشر إبراهام لنكولن (1809 ـ 1865) غلاف العدد الأخير من مجلة «تايم» مع عنوان لمقال كتبه جون ميشام تحت عنوان: «كيف أنقذ رئيسنا الأعظم الديمقراطية؟» وعنوان جانبي «ونحن نستطيع أيضاً».
يعيد المقال استلهام شخصية لنكولن التي تحظى بكثير من الاحترام لامتزاجها مع حقبة شديدة الحساسية من التاريخ الأمريكي الحديث، وهي حقبة الحرب الأهلية، التي تسببت بها الدعوة لإلغاء نظام الرق، الذي كانت تعتمد عليه الولايات الجنوبية ذات الاقتصاد القائم على الزراعة.
الحنين لسيرة لنكولن ليس مصادفة، وليس مصادفة كذلك أن تختار إحدى المجلات الأكثر تأثيراً مقالاً من قسم التاريخ وتصدره على غلافها. رسالة المجلة كانت أن كثيراً من الأسئلة والتحديات التي واجهها لنكولن قبل قرابة القرنين من الزمان ما تزال ملحة اليوم، وأهمها السؤال حول الديمقراطية وما إذا كانت هذه الطريقة في تتبع رغبات الناس ما تزال قادرة على تحقيق تطلعاتهم.
سؤال الديمقراطية ظل يطرح منذ وصول الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فكثير من الأمريكيين لم يخفوا صدمتهم من فوزه، لدرجة خروج مظاهرات منددة بنتيجة الانتخابات، في مشهد غير معتاد على الساحة الأمريكية. كان قبول حقيقة أن الغالبية من المواطنين صوتوا لصالح رجل غريب الأطوار، يبدو أمراً غير مقبول للكثيرين، لكن البديل عن الاقتناع بالنتيجة كان الإذعان لنظرية المؤامرة، التي كانت تدور حول تدخل خارجي وتلاعب روسي في نتيجة التصويت، هذه الفرضية التي شاعت وتمت محاصرة إدارة ترامب بسببها، كانت تقود إلى سؤال آخر وهو: هل الديمقراطية الأمريكية هشة لهذه الدرجة وقابلة للاختراق؟ لم يكن هذا هو نهاية التحديات، فقد اختتمت الفترة الرئاسية لدونالد ترامب بمشهد آخر فريد، وهو مشهد اقتحام المتظاهرين الغاضبين لمبنى «الكابيتول» وهم يعبرون عن رفضهم للنتيجة التي أسفرت عن خسارة ترامب لصالح الرئيس الديمقراطي الحالي جو بايدن.
بعد أن تزايد الانقسام وبدأت الولايات إعلان الانفصال، واجه لنكولن خيار الحرب بشجاعة، ولذلك فإن الفضل ينسب إليه في الإبقاء على كيان الولايات المتحدة
لينكولن كان نموذجاً للشخصية الأمريكية الناجحة والمثالية التي تنطلق من القاع، فانتماؤه لعائلة فقيرة وعدم قدرته على الاستمرار في التعليم النظامي، لم يمنعاه من تثقيف نفسه والبراعة لاحقاً في مجالي القانون والمحاماة. بعد أن تزايد الانقسام وبدأت الولايات إعلان الانفصال، واجه لنكولن خيار الحرب بشجاعة، ولذلك فإن الفضل ينسب إليه في الإبقاء على كيان الولايات المتحدة. الذي حدث هو أنه، وبعد فوز المرشح، الذي كان تفكيك نظام العبودية وتحرير الرق على رأس برنامجه الانتخابي، رأت ولايات الجنوب أن مصلحتها لم تعد مع الاتحاد فأعلنت الانفصال، لكن الإدارة المركزية كانت قد قررت بدورها أنه ليس من حق الأقاليم الجنوبية أن تستقل بنفسها، وأنها يجب أن تبقى، وإن كان ذلك عن طريق الحرب. لهذا التاريخ أصداء اليوم، فمنذ أن نشرت باربارا والتر في بداية هذا العام كتابها: «كيف تبدأ الحروب الأهلية وكيف نوقفها؟» الذي ناقشت فيه احتمالية نشوب حرب أهلية أمريكية جديدة، والمفكرون الأمريكيون يتداولون هذه الفرضية ويتعاملون معها بجدية، فوالتر لم تكن مجرد عضو في مجلس العلاقات الخارجية، ولكنها جمعت مع ذلك تخصصاً في تاريخ الحروب الأهلية. عززت والتر رؤيتها بوقائع مثل ظهور الميليشيات المسلحة، ومثل حادثة اقتحام «الكابيتول»، كما مضت لترسم في كتابها صورة قاتمة لشكل الحرب الأهلية المقبلة، معتبرة أنها ستكون أكثر بشاعة بكثير من الحرب الأولى، لأنها لن تكون حرباً بين جيشين، بل حرباً يواجه فيها الجميع الجميع، عسكريين ومدنيين. المتابع للسياسة والإعلام الأمريكيين يلاحظ وجود دعوات كثيرة للانفصال أو لتقسيم الدولة، بل ذهبت بعض المقالات لدراسة النتائج الاقتصادية والسياسية لأي تقسيم محتمل. على صعيد متصل تشير أحدث استطلاعات الرأي لقناعة كثيرين، خاصة من الجمهوريين، وفي ظل انسداد الأفق الحالي وتوسع الخلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين، بأنه ليس من المستبعد أن تندلع الحرب بحلول العقد المقبل. هذا كله يأتي في وقت تخفت فيه الأصوات التي تعتبر أن من المهم إبقاء البلاد موحدة، أو تلك التي تذكر، بالفوائد التي جناها الأمريكيون من انتمائهم لدولة هي الأقوى والأغنى. هناك شيء آخر لافت في سيرة لنكولن وهو الغموض الذي يحيط بعقيدته، فقد ذهب بعض المؤرخين إلى أنه لم يكن مسيحياً، بل كان ينتمي لأسرة يهودية، في حين رأى آخرون أن الرجل كان أقرب للإسلام، وأن خطبه كانت شديدة التأثر بألفاظ القرآن الكريم، الذي تؤكد شهادات اطلاعه عليه. كثيراً ما يخلص المتعمقون في هذا الجدل إلى أن المؤكد هو أن الرجل كان بولاء أمريكي خالص، وأنه كان نموذجاً لانصهار الخلفيات في إطار «الحلم الأمريكي»، الذي كانت جميع مواقفه مبنية عليه، بداية من مشاركته ضمن ميليشيا مقاتلة ضد السكان الأصليين ونهاية بحربه الأخرى ضد الانفصاليين.
لم يكن هدف جو ميشام الذي نشر مؤخراً كتابه «إبراهام لنكولن والنضال الأمريكي»، والذي تم تلخيص بعض أفكاره في مقال مجلة «تايم» هو مجرد التذكير بالرئيس الأمريكي الأكثر شهرة، فبخلاف الكتب الكثيرة والمقالات التي تناولت سيرته، فإن هذه الشخصية التاريخية كانت محوراً لكثير من الأعمال السينمائية والدرامية، أما إنجازاته من قبيل المطالبة بمنح المرأة حقوقها السياسية، ومن قبيل منح الحاخامات والسود فرصة العمل في الجيش الأمريكي، وغير ذلك فهي محفوظة في المناهج الدراسية ومعروفة لدى المهتمين. ميشام، الحائز جائزة بوليتزر، أراد تسليط الضوء على الدروس التي يمكن أن تكون مفيدة لأمريكا القرن الحادي والعشرين من مسيرة لنكولن. يسرد ميشام، على سبيل المثال، كيف أن الأقاليم الجنوبية كانت تحلم بامبراطورية يسود فيها نظام العبودية، وتمتد عبر الحدود الحالية لكوبا والمكسيك وأمريكا الوسطى والجنوبية. كانت مصالح البيض الجنوبيين، الذين كونوا ثرواتهم من خلال استغلال الرقيق، متناقضة مع مفاهيم الحرية التي كان يدعو لها سياسيو الشمال، ولذلك كان لا مفر من الصدام.
سرد ميشام كان موضوعياً، فهو لم يقل إن حكم لنكولن كان مثالياً وخالياً من العيوب، أو أنه استطاع تحقيق العدالة والمساواة الكاملة بين الأمريكيين، ولكنه اعتبر أنه قام بما في وسعه لحماية الديمقراطية في ظروف صعبة وضمن تعقيدات كثيرة. اعتبر ميشام كذلك أن لنكولن كان أحد أهم الرؤساء الذين نجحوا في الجمع بين الدوافع الأخلاقية والسياسية. هناك عبارة أخرى لافتة لميشام يقول فيها إنه «عندما يسعى عنصر داخل الأمة إلى قوته الخاصة وطريقته الخاصة فوق أي عامل آخر، فإنه يجب مواجهة هذا العنصر، وإلا فقد يتم فقدان كل شيء». هذه العبارة شرعنت الحرب على الانفصاليين الجنوبيين وجعلت منها حرباً وطنية لا تقل أهمية عن حرب الاستقلال، وهي تمثل دعوة للوقوف ضد من يحاولون فرض رؤى شاذة على الغالبية. في حالة حدوث ذلك، وفق تعبير ميشام، فإن الرئيس الأمريكي يجب أن يلتزم بقبضة أكثر قوة على السلطة، تجعله يقف بحزم في وجه المنشقين، وإلا فإن البديل سيكون التفكك والزوال. هذا أحد الدروس المفيدة، ليس فقط للأمريكيين وإنما لجميع القادة، ومفاده أنه لا يوجد تناقض بين منح الحرية للمواطنين والوقوف بحزم ضد الأقليات، التي تريد أن تفرض رؤاها، أو أن تجعل مصلحتها أولوية.
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
المطبخ
طريقة عمل الخبز السريع في البيت بدون فرن منذ 3 سنوات
طريقة عمل صدور الدجاج بصوص الكريمة الشهية منذ 3 سنوات