مالك التريكي يكتب: النجم الرياضي في دور المثقف العضوي!

profile
  • clock 18 مارس 2023, 3:18:48 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

«ماتش أوف ذو داي» (مباراة اليوم) هو البرنامج الرياضي الوحيد الذي أشاهده. إذ لا صبر لي على متابعة مباريات الدوري الإنكليزي التي تمتلك قنوات التلفزيون الخاصة، مثل سكاي سبورت، حقوق بثها بطولها وعرضها والتي يواظب أبنائي على مشاهدتها، مثلهم في ذلك مثل معظم جمهور الرياضة في إنكلترا. مكتف أنا بالبي بي سي الأولى، أي قناة البث العمومي التي يمولها سكان البلاد بضريبة سنوية، ومكتف فيها بماتش أوف ذو داي. مجرد ساعة وثلث، السبت ليلا (مع جزء ثان، الأحد، لمن أراد) تتضمن لقطات مختارة من جميع المباريات، ترافقها تسجيلات لتعليقات حية شيقة آتية من الملاعب، ثم تعقبها تحليلات دقيقة وجيزة يسيرة الفهم من عارفين بفن الكرة وأسرارها مثل قدامى اللاعبين آلان شيرا، وإيان رايت، ومارتن كيون.
تعليقات رصينة وتحليلات رشيقة تخاطب العقل، بعكس تعليقات الصراخ السوريالي وتحليلات الميتافيزيقا الهيغلية التي أسمعها إذا سافرت وصادف أن شاهدت في الفندق بعض قنوات الرياضة العربية.
ماتش أوف ذو داي مهرجان أسبوعي من لقطات مختارة وتعليقات حية وتعقيبات ثاقبة بقيادة مايسترو بارع هو المذيع الرياضي المحترف غاري لينكر الذي كان، في الثمانينيّات، نجم فريق مدينته ليستر والهداف الأول للمنتخب الإنكليزي. والحق أن بداية لينكر كانت غير لافتة، بل ومتعثرة أحيانا، لما كلف عام 1999 بتقديم البرنامج، خلفا للمذيع الإيرلندي القدير ديز لاينم. ولكنه سرعان ما أتقن فن التقديم، متسلحا بلغة سليمة (بعكس كثير من اللاعبين الذين يتكلمون عامية بائسة) وروح نكتة محببة، مع لباقة وحسن تخلّص في المواقف الحرجة. وقد فاجأتني طلاقته في الحديث بالإسبانية أثناء حواره الممتع مع مارادونا في الأرجنتين، ولما أبديت إعجابي قال لي ابني (الذي اختار، في المدرسة، الإسبانية لغة ثانية وفضّلها على الفرنسية): لقد تعلم لينكر الإسبانية بعد أن انضم لفريق برشلونة، وذلك بعكس اللاعبين فلان وعلاّن اللذين أمضيا سنوات في إسبانيا دون أن تنفك عنهما عقدة اللسان!

المعارضة التي أصبح يمثلها مذيعون مشهورون، مثل لينكر وكارول فولدرمان، هي أنجع بكثير وأنفذ من المعارضة الرسمية التي يمثلها حزب العمال الذي لم يتخذ طيلة أعوام أي موقف شجاع من أي قضية كبرى، وخصوصا من كارثة البركسيت

مذيع رياضي محبوب، ما رأيته مرة إلا بدا لي هانئا ناعما بمباهج الحياة. ولكنه أثار الأيام الماضية عاصفة سياسية من حيث لا يدري: غرد في تويتر منتقدا سياسة التضييق على اللاجئين التي تنتهجها الحكومة، مشبّها إياها بسياسات النازيين، فعاقبته البي بي سي بمنعه من تقديم برنامجه السبت الماضي. وكان السبب البيروقراطي المعلن هو أنه أخلّ بقواعد الحياد. ولكن التضامن الباهر الذي حظي به لينكر من الجمهور ومن جميع زملائه في قسم الرياضة أرغم البي بي سي على التراجع والتعجيل بتسوية الخلاف معه، حيث سيستأنف الليلة إطلالته التلفزيونية المعتادة.
عندي ثلاث ملاحظات. أولها أن القائمين على البي بي سي حاليا هم منحازون لحزب المحافظين الحاكم، وقد كتبت هنا قبل شهر أن رئيس مجلس الإدارة ريتشارد شارب قدم تبرعات مالية للحزب، وأنه توسط لبوريس جونسون، لما كان رئيسا للحكومة، لتسهيل حصوله على قرض بـ800 ألف جنيه، وكان ذلك قبل مدة وجيزة من تقديم شارب ترشحه للمنصب الأعلى في البي بي سي. ولا أظن أن مسؤولي البي بي سي كانوا سينتبهون، ناهيك عن أن يغضبوا، لو أن لينكر امتدح الحكومة بدل أن ينتقدها. ثانيا، كان التركيز كله في الإعلام على عبارة التشبيه بين سياسة الحكومة وسياسات النازيين، رغم أن هذا مجرد رأي يقبل أو يرد. أما ما لم ينل الانتباه مطلقا، فهو المعلومة الإحصائية التي نقلها لينكر: أن بريطانيا تستقبل من اللاجئين كل عام عددا أقل بكثير من العدد الذي تستقبله ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو إسبانيا.
أخيرا، لقد أصابت الغارديان عندما قالت إن المعارضة التي أصبح يمثلها مذيعون مشهورون، مثل لينكر وكارول فولدرمان، هي أنجع بكثير وأنفذ من المعارضة الرسمية التي يمثلها حزب العمال الذي لم يتخذ طيلة أعوام أي موقف شجاع من أي قضية كبرى، وخصوصا من كارثة البركسيت، لفرط خوفه من الظهور بمظهر من لا يتجاوب مع نبض الشارع الشعبوي العنصري المناهض لجميع الأجانب، بدء بالأوروبيين الأقارب.
وفي رأيي أن لينكر قد اضطلع، في هذه الواقعة، بالدور الذي يفترض أن يضطلع به المثقف، عضويا كان أم عموميا بإطلاق. المثقف الذي تمنحه جدارته المعرفية أحقية الإدلاء برأيه في الشأن العام والمجاهرة بالحق حتى لو، بل خصوصا إذا، كان الحق مناقضا لأهواء الحشود والجماهير.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)