انعطافات الشعر العربي بين المذهبية والتحولات الجذرية

profile
  • clock 3 أبريل 2022, 7:20:00 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

عادل ضرغام

النظرة إلى الشعر العربي على امتداد تاريخه بشكل عام وإلى الشعر المعاصر وتحولاته بشكل خاص يكشف عن أن هذه التحولات التي مرّ بها الشعر العربي لم تكن مرتبطة بهيئة واحدة أو بشكل أو اتجاه واحد، بل جاءت متعددة التوجهات والمشارب. والتساؤل حول التحولات والانعطافات في الشعر العربي ربما يكون توجها مهما لمعاينتها، ومقاربة طبيعتها من كونها تحولا داخل حدود الإطار الفني أو مضيفة إليه ما يوازي الإضافة التي يضيفها اللاحق إلى السابق من خلال السير أو إعادة السير في الطريق ذاتها، أو من كونها تحولا جذريا أو مفصليا، ولا يؤدي هذا التحول المفصلي إلى الابتعاد التدريجي عن التقاليد والقوالب المتداولة داخل حدود النسق الفني، ولكنه – فوق ذلك – يهشم الهوية الفنية المؤسسة للنسق الشعري المتداول.
إن هذه التحولات – جذرية أو داخل حدود النسق المتداول – مشدودة لمؤثرين ومرتبطة بهما بشكل خاص: الأول منهما يتمثل في تحولات الواقع العربي هبوطا وارتفاعا وهزيمة ونصرا، أما الأخير منهما فيرتبط بالعلاقة بالآخر ودرجة الإفادة من منجزاته وثقافته، ودرجة الوعي بهذه الثقافة، فقد يكون الوعي واقفا عند حدود الاستلاب، وقد يكون قائما على الفهم والاستيعاب الذي يؤدي بالضرورة إلى إضافة منجز ذي خصوصية إبداعية لافتة. فتعبير مثل (صدمة الحداثة) يكشف عن حالة الاستلاب المرتبطة بتأمل الذات الجمعية العربية لنفسها في انكسارها واندحارها، ولكن المصطلحات المرتبطة بمراجعة التوجهات الإبداعية والنظرة إليها داخل حدود السياق العربي تكشف عن فهم واستيعاب لافتين، وتكشف – في الوقت ذاته – عن وجود أرضية مشتركة بين ثقافتين.
ويمكن ان نضيف إلى المؤثرين السابقين مؤثرا ثالثا يتمثل في طبيعة النظرة إلى التراث، وتباينها من نظرة ترتبط بالتقديس، إلى نظرة ترتبط بالمحو، إلى نظرة انتقائية تتحرك وتنطلق من حدود الراهن فتحيل التراث إلى وجود لا يكفّ عن الفاعلية والحضور والتأثير، ولكنه حضور وتأثير جزئي، لأن الفاعلية الكلية تصبح مجدولة ومرتبطة بالآني وتشعباته، فيتولد له قدرة على إحالة التراث إلى وجود حضاري فاعل وممتد.

تجاور الشعريات
والتحولات المذهبية

الحديث عن التحولات المذهبية في الشعر العربي الحديث وطبيعة هذه التحولات يشدنا إلى إشكالية مهمة من إشكاليات الشعر العربي، هي إشكالية تقبُّل الجديد وإفساح مكان ومساحة لنموه وحركته، فمع الفنون التي تملك تراثا يستند إلى تاريخ موغل في القدم يتحول التراث بالتدريج إلى تقاليد صلبة لها قدرة على مجابهة وقمع أي بوادر للخروج. ربما كان إصرار بعض التوجهات الإبداعية الجديدة في إيجاد مكان إبداعي خاص يشكل وجودا جزئيا لافتا، ولكن هذا المجال الإبداعي الخاص ليس له قدرة على نفي الشكل التراثي، وهذا يشير إلى سطوة هذه التقاليد من جانب، ويشير من جانب آخر إلى ارتباط التقليدي الموروث بالمقدس وانفتاحه على الديني. إن نظرة فاحصة إلى الاتهامات التي وجهت ضد أبي تمام وبشار وأبي نواس – وهم أقطاب الحداثة الأولى – تثبت أنها مشابهة للاتهامات التي وجهت ضد أقطاب الشعر الحر وأقطاب قصيدة النثر، وهذا يثبت مشروعية التأويل والتفسير، فالفني في الثقافة العربية – وفي أي ثقافة بدرجات متفاوتة – لا يخلو من انشداد إلى الاجتماعي والعرفي والديني.
وفي ظلّ التجاور في الأشكال الشعرية السائدة لا تتولّد فاعلية نهائية لشكل وحيد، أو لنمط قادر على التعبير عن اللحظة الحضارية بسياقاتها. وهذا يكشف عن تغلغل وقوة التقاليد الفنية والإبداعية، ويكشف أيضا عن خلل في الأشكال الجديدة وفي طبيعة ميلادها، وربما يولد أسئلة مرتبطة بمشروعية التجديد والتطور، وهل هو استجابة حقيقية لمتغيرات في بنية العقل وطبقات المجتمع، أم هي استجابة مرتبطة بالتأثر بالآخر وبما ينتجه. فهذا التجاور الذي نراه ماثلا في الشعرية العربية المعاصرة في معظم الأقطار العربية، لا يعود فقط إلى سطوة التقاليد، وقدرتها على تقليم وهدهدة الجديد بشكل يفقده توهجه ومنطلقاته، وإعطاء الصيرورة والامتداد للقديم الموروث، وإنما يعود في جانب كبير منه إلى طبيعة التجديد في السياق العربي القائم على التبعية، وعلى نقل الأشكال أو التأثر بها دون وجود أرضية موازية ترتبط ببنية المجتمع، وتحولات الذهنية العربية في إدراكها ووعيها بوجودها وسياقها.
إن نظرة متأنية ومتأملة إلى المذاهب الأدبية أو إلى تجليات المذاهب الأدبية الشعرية في الأدب العربي تكشف عن تنويعات عديدة لكل مذهب، أو لكل اتجاه إبداعي، وفي ذلك دليل على أن ميلاد المذهب الأدبي لا يتمّ بتجل وحيد مكتمل، وإنما يتشكل في إطار تجليات عديدة تكشف عن استباقات للحظة الميلاد الحقيقية، حيث يتولد المذهب أو الاتجاه دون معاظلة ودون محاولة استنبات سابقة لأوانها، خاصة إذا أدركنا ان قضية المذاهب والاتجاهات الإبداعية- وربما المناهج النقدية أيضا- وثيقة الصلة لفترات طويلة بالعلاقة بالمكتشف الغربي والمستهلك العربي، فتنشأ فجوة بين المذاهب الغربية في تجليها المثالي المحددة بفترة زمنية في نشأتها وذوبانها وتلاشيها، والمذاهب أو المدارس الأدبية العربية في تجليها المتعدد والمتشعب والممتد، لأن بعضها لا يتولّد في تباينه مع السابق ولادة طبيعية مترتبة على تحول السياقات والمناخات داخل إطار عام.
وفي إطار الموضوعات الخاصة بالمقاربة الشعرية فإن المتأمل سيجد الأشياء في الشعر الكلاسيكي سميت بأسمائها، وليس هناك مساحة للاختراع، أو لمعاينة ومقاربة موضوعات خارج المساحة التي يتيحها العقل، فلم تشده نتيجة لذلك الموضوعات الوجودية والميتافيزيقية، بعكس الشاعر الرومانسي، حيث أتاح له الخيال مقاربة هذه الموضوعات. ويمكن للقارئ أن يكمل رصد جزئيات التباين الواضح بشكل خاص بين التوجهين أو المذهبين الشعريين، مثل طبيعة اللغة أو المعجم الشعري أو الآليات الفنية التي ارتبط وتأسس وجودها بهذا الانتقال.
لكن هل يمكن أن نعد ذلك تحولا في الكتابة الشعرية؟ أم يظل إضافة طبيعية تحتمها طبيعة الحركة والنمو والتراكم التدريجي؟ هناك كثيرون من النقاد يعتبرون هذا الانتقال المذهبي تحولا مشدودين في ذلك السياق إلى اعتبار الرومانسية أول ثورة حقيقية نظرا لعمق تأثيرها في الكتابة الشعرية، بالإضافة إلى تحللها وذوبانها في اتجاهات إبداعية تالية، لا تختلف عنها في التوجه وطبيعته، ولكنها تختلف عنها في درجة الاحتشاد، وطريقة استخدام الآليات الفنية التي ولدت في سياق تجليها وهيمنتها، مما أوجد لها تمددا وديمومة.

التحولات الجذرية المفصلية

وإذا كان الانتقال من مذهب أو توجه شعري إلى مذهب مغاير داخل حدود الإطار الإبداعي البنائي محل جدال وشك وتساؤل، خاصة إذا كان الأمر- كما عرضنا سابقا- يرتبط بالرومانسية بتجلياتها العديدة في الأدب العربي، حيث يتمّ اعتبارها أكثر الحركات تأثيرا، لأنها مثلت جذرا مغذيا لانتقالات مذهبية تالية ارتبطت بها من خلال التجاوب في الأسس والاختلاف في الدرجة والحدة، فإن الأمر في هذه الحالة يحتاج تفريقا بين الانتقال أو الحركة من جانب والتحول المفصلي الجذري من جانب آخر.
فهذه المذاهب بالرغم من حركتها واختلافها لم تخلق هوية جديدة، فهي تتحرك – حتى في اختلافها – في إطار هوية محددة سلفا، وسابقة التجهيز، قد تخدش، ولكن أسسها القديمة لم يتمّ خرقها، وتظل تطلّ بفاعلية، لأنها متجذرة بوجودها اللافت والحيوي على المدى الزمني البعيد. فهي حتى في خروجها الجزئي عن الشكل الموروث على نحو ما يمكن أن نرى في الرومانسية على سبيل المثال تظل منطوية على استحضار الهوية الفنية الممتدة. فقد كان هناك في ظل سيادة الرومانسية، وخاصة في تجليها الأخير (أبولو) دعوات إلى تجديدات جزئية ترتبط بمناوشة الشكل والبناء مثل ازدواج القافية أو التنويع في القوافي والبحور العروضية، ولكنها ظلت كلها محاولات مقهورة لانشدادها إلى سطوة النسق الموروث.
مع قصيدة التفعيلة يقابلنا أول تحول مفصلي في تاريخ الشعر العربي استنادا إلى عمق المجابهة ودرجتها بالنسبة للمؤسس، وتقديم بدائل نوعية تتصل بالمفهوم والبناء والشكل، فهناك خرق لهوية فنية ظلت مهيمنة ومتجذرة لفترات زمنية طويلة. فقد جاءت قصيدة التفعيلة لتمثل تحولا مفصليا مهما في توجيه ضربات نحو جزئيات محددة في بنية الشكل الموروث، وذلك من خلال الاتكاء على جزئيتين، كان لهما كبير الأثر في تهشيم سطوة النسق والقضاء على الهوية الفنية، تتمثل الأولى في القضاء على عدد التفعيلات الثابت في البيت الشعري ليتحول إلى سطر شعري، والأخرى تتمثل في المكان الذي ترد فيه القافية، فلم يعد حضورها شيئا ملزما، ومكان حضورها أصبح غير محدد، وإنما تحضر حين يستدعيها السياقان الإيقاعي والدلالي.
ففي قصيدة النثر هناك انفتاح على معطيات يتيحها إطاران إبداعيان، يشكلان من خلال جمعهما معا هجنة بنائية، فقصيدة النثر أوجدت شكلا مغايرا يستفيد من حركية النثر وانطلاقه وثبات الشعر، فالنثر حفر دائم أثناء الحركة، والشعر حفر من الثبات، فقد جاءت قصيدة النثر لتجمع الاثنين في نص واحد، وهذه هي الإضافة التي يوجدها التداخل بين الأجناس الأدبية، فالتطور في الشعر في قصيدة النثر نابع من هذا التداخل، وفي إشعار الناقد أن هناك تحولا ما، ربما يعود في جزء كبير منه إلى ذوبان الحدود الصلبة التي مجدتها النظرية الكلاسيكية للأنواع، فالاستعارة – وهي قوام الشعر ولبابه – تستدعي الثبات والتوقف من القارئ لتفكيك عناصرها وتراكيبها، ولكن حركة النثر تقوم بعمل تدريجي توجيهي لاشتغال هذه الاستعارة، فتأتي قصيدة النثر كاشفة ومعبرة عن الحركة والثبات في آن.
قصيدة النثر وثيقة الصلة بالتجريب المستمر المنفتح في كل كتابة على شكل جديد، فهو نوع ليس ساكنا، بل يتجلى دائما للبحث والتنقيب عن أطر إبداعية جديدة، يتولد من خلالها إيقاع خاص، ذلك الإيقاع المتغير والمتبدل دائما مع كل قصيدة نثر جديدة، ففي كل كتابة هناك إعادة وتجل جديد للشكل، وفي ذلك يقول ريفاتير في كتابه «دلائليات الشعر» عن قصيدة النثر (إنها نوع ليس له شكل ثابت ينبه القارئ عرفيا، وإنما له لعبة المعنى وحدها التي يمكن أن تفسّر تعرف مقطع نثري تعرفا مفارقا بأنه شعر).


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)