أحدث الموضوعات
أنيس فوزي قاسم يكتب:بدعة جديدة: ماذا يجري في أوساط القرار الرسمي الفلسطيني؟
-
19 مايو 2022, 12:37:09 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
في أواخر شهر إبريل 2022، صدر القرار رقم (بدون) لسنة 2022، موقعاً من السيد محمود عباس بصفته رئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وينص القرار في مادته الأولى على “إلى أن يحين انتخاب مجلس تشريعي.. توضع الأمانة العامة للمجلس التشريعي… تحت المسؤولية المباشرة لرئيس المجلس الوطني الفلسطيني”.
هذا النص لا يعنينا كثيراً فهو مجرد قرار إداري تنظيمي، ولكن تجدر الإشارة إلى ديباجة القرار، التي تبين أن محمود عباس استند في إصدار قراره على “النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية” وعلى “القانون الأساسي المعدل لسنة 2003” وعلى قرار “المجلس الوطني في دورته العادية الثالثة والعشرين بتفويض المجلس المركزي الفلسطيني بمهام المجلس الوطني كاملة”. واهتمامنا منصب على الحيثية الأخيرة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يجوز للمجلس الوطني ـ حسب قانونه- أن يتنازل عن “مهامه كاملة” للمجلس المركزي؟ والجواب عندي أن ذلك غير جائز، بل إن التفويض باطل. استند محمود عباس في إصدار قراره إلى وثيقتين رئيسيتين تشكلان الوثائق الدستورية، التي تحكم الوضع الفلسطيني وهما، النظام الأساسي للمنظمة والقانون الأساسي.
تنص الوثيقه الأولى في المادة (2) منها على أن تباشر المنظمة مسؤولياتها “وفق مبادئ الميثاق الوطني وأحكام هذا النظام الإساسي”. والأخير ينص في المادة (6) منه على أن “المجلس الوطني هو السلطة العليا لمنظمة التحرير، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها”. ومن مهام المجلس الوطني النظر في التقرير السنوي الذي تقدمه اللجنة التنفيذية، والتقرير السنوي للصندوق القومي وينتخب أعضاء اللجنة التنفيذية من بين أعضائه، ويملأ الحالات الشاغرة في عضويتها. واللجنة التنفيذية تتولى “تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات التي يقررها المجلس وتكون مسؤولة أمامه”. والحال مماثل لأي وضع لدولة ديمقراطية، بحيث يحاسب البرلمان حكومته ويناقش تصرفاتها وميزانيتها، وهو الذي يمنحها الشرعية، لأنه هو مصدر انتخابها وملء شواغرها. فهي ليست مهام ذات طابع تجاري أو نقابي، بل هي في الواقع مهام “دولة”، وبهذه الصفة فإن هذه المهام المناطة بالمجلس تكون ذات طابع سيادي. أما الوثيقة الثانية، فهي القانون الأساسي المعدل لعام 2003، وهي وثيقة تتعلق بسلطة الحكم الذاتي، وصدرت في ظل اتفاق أوسلو، ورغم أن الأولوية في ظل حكم احتلالي تظل لمبادئ القانون الدولي الإنساني، إذا تعارضت مع أي نص من نصوص أوسلو، وهو المبدأ الذي قررته المحكمة التمهيدية لمحكمة الجنايات الدولية، إلاّ أننا، لأغراضنا في هذه المقالة، نعتبر هذه الوثيقة كوثيقة دستورية وإن كانت مقتصره على فلسطينيي الأراضي المحتلة، حسب شروط اتفاق أوسلو. فصّل القانون الأساسي في صلاحيات رئيس السلطة الوطنية، وفي السلطة التشريعية، التي تأتي عبر انتخابات عامة ومباشرة (الماده 48)، وتمارس هذه السلطة مهامها كأي برلمان من حيث أنه يمثل جهة التشريع والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي، وهناك سلطة تنفيذية “تضطلع بمسؤولية وضع البرنامج الذي تقرّه السلطة التشريعية” (مادة 63). وفي الواقع ليس واضحاً لماذا استند محمود عباس إلى هذه الوثيقة، التي هي مطعن عليه، لأنها تحدد مدة رئاسة رئيس السلطة بأربع سنوات تجدد لمرة واحدة، وقد استنفد الأخ ابو مازن الفترة الأولى (في عام 2009) واستنفد الثانية (2013) (والأخيرة تمت من دون انتخاب)، كما أنه فشل في الحصول على تمديد لعام واحد، إلاّ أنه ما زال يمارس صلاحياته بلا سند دستوري. قبل تناول الوثيقتين الدستوريتين، لا بدّ من وضع ملاحظة أساسية، حيث أن كل المؤسسات الموجودة في الساحة الفلسطينية من مجلس وطني ورئاسة ولجنة تنفيذية ومجلس مركزي هي مؤسسات انتهت صلاحياتها ولم تعد تمثل شرعية وطنية، لا في جانبها الدستوري ولا في جانبها الثوري، بل ربما الوضع أقرب ما يكون إلى وضع اغتصاب سلطة، وبالتالي فقدت شرعيتها منذ حين. ومن دون الإخلال بما ورد أعلاه، فإننا سوف نتناول موضوع “التفويض” الذي نحن بصدده.
التفويض في المسائل السيادية، بدعة لا أساس لها في الممارسة العملية أو السوابق القضائية، لاسيما إذا أغفل النص الدستوري إمكانية تفويض السلطة السيادية بعض صلاحياتها إلى جهة دستورية أخرى
في عالم القانون والقضاء يستطيع أي شخص أن يعيّن وكيلاً له ويفوضه، إما لإجراء مسائل إدارية وتنظيمية، أو لإجراء تصرفات قانونية نيابة عنه، كرهن عقار أو توقيع عقد مقاولة، كما تستطيع شركه تفويض رئيس مجلس إدارتها أو مديرها العام في القيام بإجراء مسائل إدارية، كتوقيع عقد إيجار مكاتب للشركة، أو القيام بتصرفات قانونية، كالدخول في مناقصات أو التوقيع على عقد إنشاء مصنع. وفي الحالتين، فإن الإجراءات والتصرفات جائزة ومسموح بها قانوناً، سواء على مستوى الأفراد أو الأشخاص الاعتبارية. أما التفويض في المسائل السيادية، فهي بدعة لا أساس لها في الممارسة العملية أو السوابق القضائية، لاسيما إذا أغفل النص الدستوري إمكانية تفويض السلطة السيادية بعض صلاحياتها إلى جهة دستورية أخرى. وإذا أخذنا الدستور الأردني ـ على سبيل المثال- فإنه يحدد صلاحيات السلطة التشريعية في إقرار القوانين وفي الموافقة على عقود الامتياز واعتماد الموازنة السنوية للدولة، كما يقوم بالرقابة على السلطة التنفيذية من حيث توجيه الأسئلة والاستجواب والتحقيق، وإبداء الرغبة ومساءلة الوزراء. هذه صلاحيات سيادية، ولا يملك مجلس النواب تفويض أي جهاز آخر في الدولة بأي من تلك الصلاحيات. وهذا المبدأ ينطبق على الدساتير كافة، التي تحدد الصلاحيات لأجهزتها التشريعية والتنفيذية، والتي بدورها لا تملك تفويض صلاحياتها لأي جهاز آخر لم ينص الدستور عليه صراحة.
إن قرار إنشاء المجلس المركزي والتعديلات اللاحقه عليه، تضمن نصاً حول بيان العضويه فيه، التي تشمل رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية ومكتب رئاسة المجلس، وممثلين عن مختلف القطاعات. وتحدد المادة الثالثة اختصاصاته والمحددة بـ”أ- اتخاذ القرارات في القضايا والمسائل التي تطرحها عليه اللجنة التنفيذية في إطار مقررات المجلس الوطني..”، بالإضافة إلى مسائل إدارية وتنظيمية. ويتضح أن المجلس المركزي يضم في عضويته أعضاء اللجنة التنفيذية، ما يقطع أنه لا يملك صلاحية محاسبتها، التي تظل صلاحية أصيلة للمجلس الوطني، التي لا يمكن التفويض بها. كما أن أية قرارات يتخذها المجلس المركزي تظل “في إطار مقررات المجلس الوطني”، أي أنه تابع للأصل وهو المجلس الوطني. وتنص المادة (6) من قرار إنشائه على أن “يلتزم المجلس المركزي في ممارسة اختصاصته… بقرارات المجلس الوطني (التي) لا يجوز له تعديلها أو إلغاؤها أو تعطيلها، أو اتخاذ قرارات تتناقض معها أو تتجاوزها وتكون قراراته في إطار مقررات المجلس الوطني التي هي الفيصل الوحيد الذي يحتكم إليه في هذا الشأن”. وباختصار، فإن إنشاء المجلس المركزي كان لمهمات إدارية وليست تشريعية، ولم يسحب من صلاحيات المجلس الوطني، وليس بإمكانه فعل ذلك ابتداءً.
هذه النصوص تقطع بأن تفويض المجلس الوطني كل صلاحياته إلى المجلس المركزي هو باطل بطلاناً مطلقاً لانعدام السند الدستوري، وفقدان السوابق القانونية، التي يمكن الاستئناس بها، وأن القرار الذي أشار إليه السيد محمود عباس هو بدعة من اصطناع حارقي البخور في بلاط السلطان، وبالضرورة فإن كل بدعة ضلالة، والتي هي في النار حتماً، وهي بدعة ليست في خدمة قضية وطنية، بل لتأسيس حكم فردي مطلق، كما يدل على ذلك تطور الأوضاع في مستوى القرار الفلسطيني، ما يقتضي النضال ضده، والدعوه لانتخاب مجلس وطني انتخاباً ديمقراطياً يمثل ابناء فلسطين كافة أينما وجدوا.
*محام وكاتب فلسطيني
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
حوادث وقضايا