يحيى الكبيسي يكتب: ديمقراطية الحِسبة!

profile
  • clock 24 فبراير 2023, 11:48:30 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

يُدشّن العراق نموذجا فريدا في تاريخ الديمقراطية، يمكن أن نطلق عليه بكل ثقة «ديمقراطية الحِسبة»!
لم يبدأ الأمر من الحملة الممنهجة التي يشنها القضاء رفقة وزارة الداخلية على المدونين وصانعي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، ولن ينتهي بالتأكيد مع تسريب ما سُمّي بـ «لائحة تنظيم المحتوى الرقمي في العراق» التي أعدتها هيئة الإعلام والاتصالات، أو مع نشر قانون «واردات البلديات» الذي شرُع عام 2016، ولكنه لم ينشر في الجريدة الرسمية إلا في 20 شباط/ فبراير 2023، والذي نصت المادة 14 منه على أن «يحظر استيراد وتصنيع وبيع المشروبات الكحولية بكافة أنواعها» وعلى فرض غرامات تبدأ من عشرة ملايين دينار، وقد تصل إلى 25 مليون دينار (بين 7 و 20 ألف دولار) للمخالف! وهو النموذج الذي سيفرض بالتأكيد من خلال تشريعات لاحقة، ومن خلال حملات حسبة منظمة تستخدم حزمة القوانين الشمولية التي صدرت قبل عام 2003 تحت نظام شمولي، ليعيدوا تأويلها وتكييفها لتنسجم مع إرادة المحتسبين ومتوليها ونظارها!
تُعرَف الحِسبة بأنها ولاية دينية يقوم ولاة الأمر من خلالها بإزالة المنكر إذا أظهر الناس فعله، والأمر بالمعروف إذا أظهر الناس فعله؛ صيانة للمجتمع من الانحراف، وحماية للدين من الضياع، وتحقيقاً لمصالح الناس الدينية والدنيوية وفقا لشرع الله.
وأكد ابن تيمية في كتابه «الحِسبة» على ضرورة الاحتساب في الجوانب العقدية والفكرية، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلى بالعقوبات الشرعية، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحدث بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات!
في 12 أب/ أغسطس 2021، ودون مقدمات، أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى «أمرا قضائيا» جاء فيه: «بالنظر لما عرضته خلية الإعلام الأمني من رصد لحالات تجاوز في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام والتي تشكل خطرا على «الأخلاق العامة» والتي تتمثل بعرض ما يخدش الحياء العام وبث الفسق والفجور والترويج لأفكار هدامة تتنافى مع الالتزام الديني والأخلاقي وكذلك المحرض على الطائفية لتحقيق مكاسب انتخابية، تقرر تشكيل لجنة مشتركة من: مجلس القضاء الأعلى، ووزارة الداخلية، وخلية الإعلام الأمني، وهيئة الإعلام والاتصالات، ونقابة الصحافيين، ونقابة الفنانين، أن تتولى هذه اللجنة رصد المخالفات المذكورة والتوصية إلى محاكم التحقيق المختصة لاتخاذ الإجراءات القانوني بخصوصها.

بدعة اعتماد العراق لنموذج «ديمقراطية الحِسبة» تأتي متزامنة مع قرار المدعي العام الإيراني إلغاء شرطة الأخلاق في إيران، وبعد سنوات من قرار المملكة العربية السعودية تحييد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنه لا يمكن وصف الدولتين بأنهما ديمقراطيتان

إن مراجعة هذه الوثيقة، وبعيدا عن الإشكاليات القانونية الكثيرة، تكشف مفردات لا أصل لها في المدونة القانونية العراقية، فليس هناك عبارة «الاخلاق العامة» وليس هناك عبارة «الحياء العام» وليس هناك عبارة «بث الفسق والفجور». فهذه العبارات الثلاثة وردت في الوثيقة بغير الصيغة المعتمدة في القوانين العراقية، فقانون العقوبات يستخدم مفردات «الأخلاق» و «الحياء» دون وصفهما بـ «العامة»! كما أن قانون العقوبات يتضمن فصلا بعنوان «التحريض على الفسق والفجور» يشتمل على مادة وحيدة هي المادة 399 وهي تنص على معاقبة من يحرض ماديا على الفجور أو اتخاذ الفسق حرفة أو تسهيل ذلك لمن هم دون الثامنة عشرة عاما حصرا، وكما هو واضح فإن القانون لا يتحدث عن «بث الفسق والفجور» بل عن فعل جرمي محدد، وهذا التحريف المتعمد والمقصود للمادة القانونية إنما الغاية منه «استخدام» هذه المادة للتعامل مع محتوى وسائل التواصل الاجتماعي!
كما تضمنت الوثيقة أيضا تعبير «الترويج لأفكار هدامة تتنافى مع الالتزام الديني والأخلاقي» وبعيدا عن عدم وجود هكذا فعل جرمي في قانون العقوبات العراقي، فإن الوثيقة تتحدث عن «أفكار هدامة» دون تحديد لطبيعتها، وتصفها بأنها «تتنافى مع الالتزام الديني والأخلاقي» وليس مع القانون، وهو ما يعني أن رئيس مجلس القضاء الأعلى يتجاوز دوره كرئيس لمؤسسة قضائية لا سلطان عليها لغير القانون، ليكون لديها سلطان آخر هو «الالتزام الديني والأخلاقي» لتتحول معه مؤسسة القضاء إلى دور «المحتسب» الديني والأخلاقي في تجاوز خطير لاختصاصاتها الدستورية والقانونية!
بتاريخ 9 شباط/ فبراير 2023 صرح مدير العلاقات العامة في وزارة الداخلية: «أن الحملة ضد المحتوى السيء لا تتعلق بالتكميم او المحاربة، بل هي حملة وطنية قانونية الغاية منها إصلاح القيم التي حاول البعض طمسها»! ولم يشرح لنا معنى «حملة وطنية قانونية» أو يشرح ما هو السند الدستوري أو القانوني في تحويل وزارة الداخلية من مهامها المنصوص عليها في قانونها، إلى شرطة أخلاق وقيم، لتكون مهمتها «إصلاح القيم» على غرار «نظام الحِسبة» في دولة يفترض أنها ديمقراطية!
المفارقة الصارخة هنا أن بدعة اعتماد العراق لنموذج «ديمقراطية الحِسبة» تأتي متزامنة مع قرار المدعي العام الإيراني إلغاء شرطة الأخلاق في إيران، وبعد سنوات من قرار المملكة العربية السعودية تحييد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنه لا يمكن وصف الدولتين بأنهما ديمقراطيتان!
لم تكن يوما الديمقراطية خيارا للطبقة السياسية الحاكمة في العراق، وإنما كانت اضطرارا فرضته ظروف ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري عام 2003، والحرية النسبية التي شهدها العراق، بعد عام 2003، لم تكن نتيجة إيمان الطبقة السياسية بالحريات أو احترامها لها، بل كان بسبب هشاشة هذه الطبقة حينها وعدم قدرتها على ضبط الأمور بالطريقة التي تتسق مع بنيتها الذهنية الرافضة لمبادئ الديمقراطية.
اليوم تتخلص هذه الطبقة السياسية من ازدواجيتها التي اختارتها مضطرة، وتستعيد اتساقها الداخلي، وتقدم لنا نموذج «ديمقراطية الحِسبة» التي تجمع بين شكل ديمقراطي تتشدق به، ومحتوى «حِسبوي» بكل سلاسة! وعلينا أن ننتظر تشريعات، وحملات «حِسبوية» أخرى، وسيكون منطقيا تماما حينها أن نستعيد قصيدة جميل صدقي الزهاوي التي يقول مطلعها «اسفري فالحجاب يا بنت فهر هو داء في الاجتماع وخيم» عندما يتم منع «سفور المرأة» قريبا!

كاتب عراقي

التعليقات (0)