أحدث الموضوعات
سامح المحاريق يكتب: البنوك اللبنانية.. البوصلة المضللة ورحلة الصعود والانهيار
-
24 فبراير 2023, 12:02:26 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
يمكن وصف طلعت حرب، بأنه الرجل الاستثنائي الذي تمكن من التقدم على ظروف عصره، بتأسيسه بنك مصر بالدور الذي أسهم في تحقيق استقلال نسبي للاقتصاد المصري، خاصة أن معظم البنوك العاملة في مصر كانت تقوم بأدوار مساندة للوجود الاستعماري ومصالحه، أما التنمية الاقتصادية فكانت غائبة ومتروكة للمرابين المحليين الذين أرهقوا صغار المنتجين، وعملوا على تصفيتهم تدريجياً للاستيلاء على ممتلكاتهم، أو الإبقاء عليهم صغاراً غير قادرين على التأثير أو بناء بورجوازية وطنية حقيقية، ولذلك كان البنك بيتاً لتمويل المشروعات الطموحة من الصناعة إلى الفنون وبتمويلاته صعدت قطاعات مصرية طموحة مهدت لإطلاق طبقة وسطى فاعلة.
بعض البنوك تهرب الأموال لشخصيات نافذة، ودفعت آلاف اللبنانيين للوقوف أمام أبوابها المغلقة وكأنهم يتسولون أموالهم التي جمعوها من التعب والتضحية
ألهمت تجربة حرب العديد من الشخصيات الاقتصادية العربية، مثل عبد الحميد شومان في فلسطين، وتجربة البنك العربي الذي اكتسب سمعة كبيرة بعد قدرته على مواجهة الهلع المالي للمدخرين في فروعه مع أحداث نكبة 1948، ليبني سمعة عريضة ويؤسس لمدرسة متحفظة في الإدارة المصرفية، وكذلك السعودي سالم بن محفوظ مؤسس البنك الأهلي التجاري، الذي تمكن من تقديم الدعم للنهوض بأوضاع صغار التجار في الفورة النفطية الأولى ليصبحوا بعد ذلك من أعمدة الاقتصاد السعودي. في سنة تأسيس بنك مصر، كان خليل بيدس الكاتب والمترجم والتربوي الفلسطيني، الذي واجه حكماً بالإعدام لمناصرته للثورة العربية الكبرى، يقبع في سجن عكا، بعد خطبة مناهضة لوعد بلفور، وبعد رحيل الأسرة من فلسطين إلى الأردن بعد النكبة، توجهت خيارات الابن الشاب يوسف بيدس للعمل المصرفي، وذلك الابن سيصبح صاحب القصة الأشهر في اقتصاد لبنان في الستينيات، انهيار بنك إنترا. قبل أن يكمل الأربعين عاماً، تمكن بيدس من تأسيس بنك إنترا في بيروت، وخلال سنوات قليلة استطاع أن يستحوذ على حصة تقارب 15% من مجمل الودائع في لبنان، المزدحمة بالبنوك والمصارف، ولكن بيدس لم يكن محافظاً في الإدارة المصرفية مثل شومان، فالأموال التي تدفقت للبنك توجهت للاستحواذ على العديد من الأصول الاقتصادية، ومنها شركة الشرق الأوسط للطيران، وامبراطورية عقارية تتوزع بين نيويورك وباريس، ومثل طلعت حرب، أسس بيدس استديوهات بعلبك ليكون المعادل اللبناني لستوديو مصر. هذه المشاريع الطموحة دفعت بيدس إلى التفريط في الحدود الآمنة للسيولة التي يمكن من خلالها، وبعد شائعات تعرضت لأوضاع البنك قبل نهاية سنة 1966، حدثت حالة من التهافت على سحب الأموال من فروعه، الأمر الذي أدى إلى انهياره لاستحالة تحويل شركاته ومشاريعه إلى نقود بصورة فورية، وفي تلك المرحلة وقف مصرف لبنان بسلبية أمام انهيار البنك، وكان موقف المصرف، حسب الرواية التي التقطها الصحافي اللبناني مايكل كرم، يلقي باللوم على بيدس ليس لتفريطه في أسس سلامة الموقف المالي للبنك، ولكن لأنه أصبح لاعباً رئيسياً في الاقتصاد اللبناني، فأخذ يهاجمه بعد أن حاول بيدس استعراض دوره في تأسيس العديد من الأصول الضرورية في لبنان: «لماذا فعلت كل هذا؟ من طلب منك ذلك؟ أنت لست لبنانيا ولبنان لا يريدك أن تتحكم باقتصاده». في مرحلة صعود بيدس لصدارة التأثير الاقتصادي في عالم مصارف بيروت، كان الشاب رفيق الحريري مضطراً لقطع دراسته الجامعية والسفر إلى السعودية سنة 1965 ليعمل مدرساً للرياضيات في جدة، وخلال فترة قياسية، مثل بيدس، تمكن من أن يصبح الشخص المؤثر الجديد في الاقتصاد اللبناني بعد عودته محملاً بثروة طائلة من العمل في مجال المقاولات، وكانت أمامه بيروت ما بعد الحرب الأهلية ورشة مفتوحة من أجل تطبيق مشروعه لإعادة الإعمار. في اقتصاد صغير نسبياً مثل لبنان، كانت توجهات الحريري للاقتراض فرصة ثمينة من أجل العمل على توظيف مدخرات اللبنانيين في تمويل الإعمار، وبما يفترض أنه لا يحمل أية مخاطر جسيمة أو جوهرية، فالليرة اللبنانية حصلت على التمويل، الأممي والعربي، من أجل المحافظة على قيمتها مقابل الدولار، وبالفعل تدفقت الأموال وجرت عملية من التواطؤ الكبير للتغطية على تكلفتها الفادحة، فالمقابل الذي بقي يستعرض ويسوق من قبل اللاعبين السياسيين، هو السلم الأهلي، ولبنان، لا بد، وبصورة حتمية، راجع يتعمر. لم يمتلك قطاع المصارف اللبناني دافعاً من أجل تجارب ذات طبيعة اقتصادية تشابه حرب وشومان وبن محفوظ، وبقيت عقدة بنك إنترا ووجه يوسف بيدس ونصف ابتسامته الشهيرة يخضعهم تحت سطوة السياسة ويورطهم في مزيد من التواطؤ، في لعبة السمسرة المتطاولة، لتمويل خزينة شرهة للدولة التي لم تحمل مشروعاً حقيقياً سوى انتظار السياح القدامى المتعلقين بمصايف لبنان، و»على الله تعود على الله»، وبذلك تحولت المصارف برعاية رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان، إلى روافع أساسية لرعاية الزبائنية السياسية من أجل صيانة اقتصاد الغنائمية في لبنان.
خلال عقدين أخيرين تمددت البنوك اللبنانية في المنطقة العربية، خلافاً للاتجاه التقليدي الذي كان يجعل لبنان فرصة للبنوك العربية والأجنبية، وكان ذلك طبيعياً لأن هذه البنوك بقيت تتحصل على نصيبها، بغض النظر عن تعمق المشكلة وصولاً إلى لحظة الانهيار الكامل بعد نضوب مخزن بيع المواقف السياسية وتأجير لبنان لتصفية الحسابات، بالحد الأدنى من الخسائر للدول التي تخوض حروبها بالوكالة على أرضها. توقفت الخزينة اللبنانية عن سداد الالتزامات بعد أن ابتلعت أموال البنوك، بجانب أموال كثيرة بقيت تشترك في صناعة الوهم، التي هي في الأساس أموال اللبنانيين، ومع ذلك، وقبيل لحظة الكارثة المحققة، كانت بعض البنوك تقوم بتهريب الأموال لشخصيات نافذة وهي تضن على اللبناني العادي بالقليل، ودفعت آلاف اللبنانيين للوقوف أمام أبواب البنوك المغلقة وكأنهم يتسولون أموالهم التي جمعوها من التعب والتضحية، وفي النهاية كان الحريق لحظة للإنذار تجاه إسقاط المنظومة كلها.
الدولة الحديثة هدفت لحماية الناس وملكياتهم الشخصية، وفرضت عليها القدسية الكاملة، وفي لبنان لم تكن ثمة دولة بالمعنى الحقيقي، فما يحدث كان مجازاً لأن الدولة تحولت إلى ملاذ آمن للعمل غير المنضبط، والمشبوه أحياناً، للاختباء في تلافيف الدولة الرخوة، أو ما يشبه الدولة في لبنان، وتحول كثير من اللبنانيين من فلاحين وعمال إلى وكلاء في كل شيء، ولأي شيء، حتى لو كانوا زبائن لدى زعيم طائفي يبيعهم بالجملة والقطعة من أجل تعزيز وكالته وتأمين مكتسباته.
كلن يعني كلن، لم يتمكن اللبنانيون إلى اليوم من استعادة هذه الحالة، ويبقى التساؤل قائماً حول الطريقة التي تفكك العصبة أو (القرطة) المسيطرة، فهل تبدأ من أذرعها أم تتوجه إلى رأسها مباشرة، هذه سؤال تكتيكي على أية حال، والاستراتيجي يتعلق بوجود البديل الذي يمكنه أن ينتشل لبنان من أزمته متسامياً على ميراث الطائفية والغنائمية السائدة.
كاتب أردني
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
حكايات شعبية