أحدث الموضوعات
مخاوف “نيودلهي”: كيف تواجه الهند النفوذ الصيني في سريلانكا؟
-
5 سبتمبر 2022, 2:30:13 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
شهدت السنوات الماضية تصاعداً لافتاً في مؤشرات التنافس بين الصين والهند على النفوذ في سريلانكا؛ وذلك في ضوء الأهمية الاستراتيجية للجزيرة الواقعة في المحيط الهندي، وارتباطها بالمشروعات السياسية والاقتصادية لكل من بكين ونيودلهي؛ فالصين تنظر إلى سريلانكا باعتبارها دولة هامة ضمن مبادرة الحزام والطريق، ناهيك عن سياسة الديون التي استخدمتها الصين مع سريلانكا خلال السنوات الماضية، وساهمت في تعزيز النفوذ الصيني داخل سريلانكا. هذا الحضور الاقتصادي، الذي جعل البعض يعتقد أنه يستصحب حضوراً أمنياً وعسكرياً، أثار الكثير من الهواجس الهندية، لا سيما أن نيودلهي تنظر إلى سريلانكا بحسبانها جزءاً من مجالها الحيوي.
اللافت أن الإطاحة بالرئيس السريلانكي “جوتابايا راجاباكسا”، في شهر يوليو الماضي، عقب موجة هائلة من الاحتجاجات الشعبية المدفوعة في المقام الأول بالأزمة الاقتصادية الحادة، أضفت المزيد من التعقيدات على الحسابات السياسية الهندية تجاه النفوذ الصيني في سريلانكا؛ إذ باتت نيودلهي تتخوف من استغلال الصين حالة الفراغ السياسي في سريلانكا من أجل تعزيز نفوذها وتأكيد حضورها في المشهد الداخلي؛ لذا استمرت الهند في استراتيجيتها التي انتهجتها خلال السنوات الماضية لمحاصرة وتطويق هذه التحركات الصينية، بما يضمن الحفاظ على موقعها على رأس الشركاء الاستراتيجيين لسريلانكا.
أبعاد الرؤية
شهدت السنوات الماضية تصاعد الصراع بين الصين والهند على النفوذ داخل سريلانكا؛ حيث فرض الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسريلانكا العديد من أطر التنافس بين بكين ونيودلهي، باعتبار أنه على مفترق طرق الشحن المزدحم التي تربط القارات القديمة ببعضها ببعض. هذا التنافس ساهم في تشكيل أبعاد الرؤية الهندية للنفوذ الصيني في سريلانكا، التي يمكن تناولها فيما يلي:
1- أهمية الحفاظ على مناطق النفوذ الحيوي: أحد الاعتبارات الرئيسية الحاكمة لتنامي التحركات الهندية على مستوى مواجهة النفوذ الصيني في سريلانكا، يرتبط بالنظرة الهندية إلى سريلانكا؛ إذ تنظر الهند إلى سريلانكا على أنها إحدى مناطق نفوذها الحيوي وامتداد ثقافي وتاريخي لها، ولعل هذا ما أكده بيان وزارة الخارجية الهندية، يوم 10 يوليو 2022، الذي شدد على وقوف الهند بجانب الشعب السريلانكي، وأضاف: “الهند هي الجار الأقرب إلى سريلانكا، ويشترك بلدانا في روابط حضارية عميقة”، فضلاً عن أن الهند ترى في نفوذها في سريلانكا أنه محور رئيسي في استراتيجيتها تجاه منطقة الهندو–باسيفيك.
2- ضرورة تقويض جاذبية النموذج الاقتصادي الصيني: سعت نيودلهي إلى استغلال الأزمة الاقتصادية الطاحنة في كولومبو، من خلال تقديم كافة المساعدات اللازمة لدعم جارتها السريلانكية؛ وذلك بهدف كسب المزيد من النفوذ السياسي في بلد كان أكثر ميلاً نحو الصين في السنوات الأخيرة، خاصة مع وصول ماهيندا راجاباكسا إلى الحكم عام 2005، الذي أبدى إعجاباً أكبر بالنموذج الصيني في التنمية؛ ما أعطى فرصة سانحة لبكين لتكتسب نفوذاً في كولومبو على حساب نيودلهي؛ فبعد أن كانت الهند تحتل المرتبة الأولى في قائمة الشركاء التجاريين لسريلانكا عام 2005، بقيمة تبادل تجاري وصل إلى 2.5 مليار دولار مقابل مليار دولار فقط بين الصين وسريلانكا، جاءت الصين في المرتبة الأولى في قائمة الشركاء التجاريين لسريلانكا عام 2021، بقيمة تبادل تجاري وصل إلى 6 مليارات دولار أكثر بقليل من حجم التبادل التجاري بين الهند وسريلانكا الذي وصل إلى 5.8 مليار دولار في ذات العام، لتصبح بذلك الصين أكبر شريك تجاري لسريلانكا.
3- التخوف الهندي من سياسة الديون الصينية: من وجهة نظر العديد من المحللين الاقتصاديين، فإن العلاقات الاقتصادية بين سريلانكا والصين هي المحرك الرئيسي وراء الأزمة الاقتصادية في سيريلانكا، وهو ما أطلقت عليه الولايات المتحدة مسمى “دبلوماسية فخ الديون”؛ فبمقتضى تلك الدبلوماسية، تقدم بلد ما قروضاً لدولة أخرى، بغرض زيادة النفوذ السياسي لها، وإذا لم تتمكن الدولة المقترضة من تسديد ديونها، فإنها بذلك تكون تحت رحمة المقرض. صحيح أن القروض من الصين نحو 10% فقط من إجمالي الدين الخارجي لسريلانكا في عام 2020، إلا أن هذه السياسة الصينية أدت إلى انتقادات عديدة في الداخل السريلانكي للصين، كما عمقت من مخاوف الهند من أن تؤدي هذه الديون إلى المزيد من السيطرة الصينية على سريلانكا.
4- التشكيك الهندي في نوايا مبادرة الحزام والطريق: ظهرت سريلانكا باعتبارها عقدة حيوية في طريق الحرير البحري، في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية؛ حيث إن موقع سريلانكا المتوسط على الطريق البحري بين الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا يؤمن للصين طريقاً تجارياً آمناً للدخول بشكل مباشر في المياه الدولية للمحيط الهندي. لكن في المقابل، تعد مشاركة كولومبو في تلك المبادرة مصدر خلاف مع نيودلهي؛ حيث إنها تعتبر النشاط الصيني في الجزيرة تهديداً للأمن القومي، في ظل القرب الجغرافي بينهما.
5- رفض الوجود الأمني والعسكري الصيني في سريلانكا: وقد ظهر ذلك مع تصاعد الحرب الكلامية بين الصين والهند على خلفية رسو سفينة أبحاث عسكرية صينية “اليوان وانج 5″ في ميناء هامبانتوتا بسريلانكا لمدة أسبوع (خلال شهر أغسطس 2022)؛ حيث اتهمت المفوضية الهندية العليا في سريلانكا في بيان لها، يوم 28 أغسطس 2022، الحكومة الصينية بـ”عسكرة مضيق تايوان”. وأضاف البيان أن سريلانكا “بحاجة إلى الدعم لا إلى الضغط غير المرغوب فيه أو الخلافات غير الضرورية لخدمة أجندة دولة أخرى”. ومن جانبها اتهمت السفارة الصينية في سريلانكا الهند بتوظيف مخاوفها الأمنية لكي تتدخل تدخلاً فعلياً وشاملاً في سيادة واستقلال سريلانكا.
تحركات حثيثة
تبنت الهند في الأشهر الأخيرة العديد من الخطوات التي يمكن قراءتها على أنها تأتي في إطار مقاربتها لتعزيز حضورها في سريلانكا ومواجهة النفوذ الصيني؛ وذلك على النحو التالي:
1- دعم القيادة السريلانكية الجديدة: في أواخر يوليو الماضي أعلن رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي”، أن بلاده ستواصل العمل من أجل دعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار والإنعاش الاقتصادي في سريلانكا من خلال السبل الديمقراطية والعمل المؤسسي، ووجه “مودي” خطاب تهنئة إلى الرئيس السريلانكي المنتخب مؤخراً رانيل ويكرميسنجه، وأكد “مودي” في الخطاب تطلعه إلى العمل بصورة وثيقة مع الرئيس السريلانكي الجديد من أجل تحقيق النفع المتبادل للبلدين، مشيراً إلى رغبته في تعزيز العلاقات الوثيقة والراسخة والودية بين الهند وسريلانكا.
كما أعلنت الهند عبر سفارتها في العاصمة السريلانكية كولومبو، عن دعمها رئيس الوزراء السريلانكي الجديد “دينيش جاناواردينا”، وأكدت سعيها من أجل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وذكرت السفارة الهندية، في بيان أصدرته بهذا الشأن، أن المفوض السامي الهندي لدى سريلانكا جوبال باجلاي، زار رئيس الوزراء السريلانكي المُنتخَب حديثاً لبحث سبل تعزيز العلاقات الراسخة بين البلدين. وتعكس هذه التحركات الهندية السعي لفتح قنوات تواصل مع منظومة الحكم الجديدة في سريلانكا، والتجاوب مع المتغيرات التي تشهدها البلاد.
2- مساندة الاقتصاد السريلانكي عبر الاستثمار: كانت الأداة الاستثمارية من الأدوات الرئيسية التي توظفها الهند في سياستها الخارجية خصوصاً في منطقة الهندو-باسيفيك، ومن هنا وعن طريق واحدة من آليات التعاطي مع الأزمات الكبيرة التي عانت منها سريلانكا في الأشهر الأخيرة، أعلنت الهند عن استعدادها للقيام بمزيد من الاستثمارات في سريلانكا؛ وذلك بعد دعمها بـنحو 4 مليارات دولار منذ شهر يناير 2022. وأشار المبعوث الهندي لدى سريلانكا جوبال باجلاي، بحسب تقارير إعلامية يوم 25 يوليو 2022، إلى أن “بلاده سوف تستمر في جلب المزيد من الاستثمارات لسريلانكا”. وأوضح أن الاستثمارات الهندية ستركز على قطاعات رئيسية مثل الطاقة المتجددة والهيدروكربونات والموانئ والبنية التحتية وتكنولوجيا المعلومات.
3- تسليم سريلانكا طائرة استطلاع بحري: تسلمت السلطات السريلانكية في منتصف أغسطس 2022 من الهند أولى طائراتها للاستطلاع البحري، وجاء في تغريدة أطلقها المفوض السامي الهندي جوبال باجلاي أن “أمن الهند وسريلانكا يتعزز بالتفاهم المتبادل والثقة المتبادلة والتعاون”، وأضاف: “هبة الطائرة دورنيير 228 هي مساهمة جديدة للهند في سبيل هذه القضية”. الجدير بالذكر أن الطائرة التي تسلمتها سريلانكا مزودة بتجهيزات تمكنها من مراقبة الإشارات الإلكترونية وتشويشها.
لكن العنصر اللافت في هذه الصفقة ارتبط بتوقيتها؛ حيث جاءت بعد وصول سفينة الأبحاث الصينية “يوان وانج 5” إلى سريلانكا؛ حيث أثار وصول هذه السفينة تخوفات كبيرة لدى الولايات المتحدة والهند، اللتين تعتقدان أن السفينة قد تنفذ بعض الأنشطة الجاسوسية، ومن المقرر أن تبقى “يوان وانج 5” على نظامها الآلي لتحديد هوية السفن في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لسريلانكا. وأشارت تقارير إلى أن السفينة مزدوجة الاستخدام؛ تستخدم لمراقبة المجال الجوي وأنشطة الأقمار الصناعية من جهة، ومنصة لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات من جهة أخرى.
4- رفض الهند اتهامات بمساعدة الرئيس السريلانكي السابق: أشارت بعض التقارير الإعلامية إلى أن الهند سهلت خروج الرئيس السريلانكي “جوتابايا راجاباكسا” من البلاد، لكن المفوضية الهندية العليا في سريلانكا رفضت هذه الاتهامات ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، وأكدت المفوضية أنها “ستواصل دعم الشعب السريلانكي في سعيه لتحقيق تطلعاته نحو الازدهار والتقدم من خلال الوسائل والمؤسسات الديمقراطية والقيم والإطار الدستوري. ويبدو أن الهند حاولت قطع الطريق أمام أي محاولات لربطها بمنظومة الحكم السابقة في سريلانكا، خصوصاً مع حجم الغضب الشعبي في الأوساط السريلانكية تجاه الهند بسبب علاقاتها بالنظام السابق، وهو ما عبرت عنه التظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت في البلاد بشكل مباشر.
5- توظيف الغضب الشعبي من الدور الصيني: تحاول الهند تكثيف تحركاتها في الحقبة الراهنة بما يدفع باتجاه تعزيز نفوذها في سريلانكا، في محاولة لاستغلال وتوظيف حالة الغضب الشعبي الكبيرة في سريلانكا تجاه الدور الصيني، فعقب الإطاحة بالرئيس السريلانكي تصاعدت حدة الانتقادات للدور الصيني داخل سريلانكا، وخاصةً من جانب المعارضة. فعلى سبيل المثال، أشارت النائبة المعارضة في البرلمان السريلانكي “هاريني أماراسوريا”، في تصريحات صحفية لموقع أخبار الآن يوم 17 يوليو 2022، إلى أن المشروعات الصينية في البلاد لها دور كبير في الأزمة؛ حيث اعتبرت أن “هذه المشروعات لم تحقق أي عائدات مالية، بل خلقت مشكلة بنيوية قوامها تبدل نمط عيش السريلانكيين بما يتنافى مع حقيقة واقعهم”. ولفتت “أماراسوريا” إلى أن “هذه المشاريع الصينية لم تساهم في دعم اقتصاد البلاد”، ومن ثم تحاول الهند أن تقدم نفسها على أنها شريك استراتيجي أكثر نفعاً لسريلانكا من الصين.
6- استخدام بعض الأوراق للضغط على سريلانكا: بقدر ما تستخدم بعض الأدوات لاستمالة النظام السريلانكي وإقناعه بالابتعاد عن الصين، فإنها قد تستخدم أيضاً بعض الأوراق للضغط على سريلانكا. ويبرز في هذا الإطار البعد الاقتصادي باعتباره محدداً هاماً في العلاقات الخارجية لسريلانكا، وعليه، قد تستخدم نيودلهي، على سبيل المثال، ورقة السياحة الهندية للضغط على كولومبو في الملفات المشتركة المرتبطة ببكين، خاصة أن الأولى تدرك جيداً مدى محورية هذا القطاع في دعم الاقتصاد السريلانكي المنهك من الأزمة؛ حيث إنه سيعزز احتياطياتها من النقد الأجنبي المستنفد؛ لذلك تتطلع سريلانكا إلى انعاش الحركة السياحية الهندية في البلاد، باعتبارها الأكثر جذباً وقرباً إليها، وقدمت عروضاً ترويجية لخططها السياحية في خمس مدن هندية، من أجل جذب مليون سائح خلال عام 2022.
فرص سريلانكا
بالرغم من الطابع التاريخي للعلاقات الهندية السريلانكية، فإن التنافس الصيني الهندي قد يدفع كولومبو إلى اتباع سياسات مستقبلية تعمل على استغلال ذلك التنافس؛ من أجل الحصول على أكبر قدر من المساعدات من البلدين؛ إذ تتطلع سريلانكا إلى اقتراض نحو مليار دولار من بكين؛ حتى تتمكن من سداد القروض الصينية الحالية المستحقة هذا العام، بالإضافة إلى 1.5 مليار دولار لشراء احتياجاتها من السلع الأساسية من الصين، وتفعيل مبادلة ديون بقيمة 1.5 مليار دولار. في الوقت ذاته، استطاعت الحصول على نحو 4 مليارات دولار مساعدةً ودعماً من الهند في الفترة من يناير 2022 إلى يوليو الماضي، علاوة على ذلك، أكدت الهند مواصلة دعمها الاقتصادي لسريلانكا عبر المزيد من الاستثمارات.
وإجمالاً، فإن من الصعب الجزم بأن الهند تمتلك المقومات الكافية للقضاء بصورة كاملة على النفوذ الصيني في سريلانكا خلال الفترة القادمة، خاصة أن الأخيرة في أشد الحاجة إلى مساعدة كلا الطرفين لعبور أزمتها الاقتصادية غير المسبوقة، في ظل الإمكانات الاقتصادية الضخمة التي تتمتع بها كل منهما، بيد أنه على الأرجح أن نشهد توجهاً من الرئيس السريلانكي الجديد رانيل ويكرميسنجه، يرمي إلى استعادة التوازن في العلاقات بين الصين والهند؛ فبينما تأتي الهند كأكبر داعم لبلاده خلال الأزمة، فإنه يسعى إلى إقناع الصين بالموافقة على جدولة ديون بلاده، ودعمها بالمساعدات المالية اللازمة لمعالجة تداعيات هذه الأزمة.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
قراءة في كتاب