محمود علوش يكتب: تركيا وروسيا و الشراكة الاستراتيجية

profile
  • clock 16 أغسطس 2022, 6:30:59 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

بعد شهر على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كتبتُ مقالة للجزيرة نت قلت فيها إن هذه الحرب تُشكّل فرصة لتركيا والغرب لإعادة تشكيل علاقاتهما من جديد وتجاوز سنوات من الاضطرابات، وإن ذلك سيُساعد أنقرة في تحقيق توازن في علاقتها مع موسكو. مضى ما يقرب من 7 أشهر على تفجر الصراع، لكن النتيجة حتى الآن أنه يفعل العكس ويدفع أنقرة وموسكو إلى تعميق علاقتهما بشكل أكبر. وفي الخامس من أغسطس/آب الجاري، اتّفق الرئيسان رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في سوتشي على تعزيز الشراكة بين بلديهما على مستويات عديدة، بما في ذلك الاقتصاد والتجارة.

كون روسيا تُعاني من عزلة غربية وتبحث عن سبل لتخفيف وطأة العقوبات وكسب المزيد من الأصدقاء في العالم، فإن بوتين ينظر بأهمية بالغة إلى تعزيز العلاقة مع تركيا بسبب قربها الجغرافي ودورها المحوري في التجارة العالمية والإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها، فضلا عن كونها قوة إقليمية صاعدة وتمتلك مفاتيح البحر الأسود، والأهم قبل كل ذلك أنها عضو في الناتو، لكنّها تلتقي مع روسيا في تحدي السياسات الغربية.

لم يكن الدافع الرئيسي لعلاقة العمل التي أنشأها أردوغان وبوتين محصورًا في اتساع رقعة المصالح المتداخلة بينهما؛ فقد لعب الإحباط التركي المتزايد من الغرب دورًا قويًّا في تشكيل هذه العلاقة رغم أنها تتعارض مع هوية تركيا الأطلسية

رغم القفزة الكبيرة التي شهدتها العلاقات التركية الروسية، لا سيما بعد النصف الأول من العقد الماضي، فإن التبادل التجاري بين البلدين ظل بعيدًا جدًّا عن الهدف الذي وضعه أردوغان وبوتين؛ وهو 100 مليار دولار أميركي. اليوم، تُعطي التحولات التي أحدثتها الحرب زخما قويا لهذا الهدف، ومن المتوقع أن يرتفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين بنهاية العام إلى نحو 10 مليارات دولار أميركي، مما سيجعل أنقرة الرابعة في قائمة أكبر موردي البضائع إلى السوق الروسية، كما خلق رحيل الشركات الأوروبية والأميركية من روسيا مزايا فريدة للشركات التركية.

إن توسيع حجم التبادل التجاري سيُعزز كلا من روسيا، التي تجد في تركيا أحد البدائل الأساسية عن أوروبا والولايات المتحدة في العديد من قضايا التجارة، وتركيا التي يرى اقتصادها فرصا جديدة. إن المنافع الإضافية التي سيجنيها البلدان من تعزيز العلاقة لن تقتصر فقط على المجالات الاقتصادية، بل ستدفعهما إلى مواءمة سياساتهما الخارجية بشكل أكبر في كثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

في حين أن الشراكة التي أقامها أردوغان وبوتين منذ وصولهما للسلطة كانت وظيفية في الغالب، إلا أنها شهدت توسّعا تدريجيا لتشمل تعاونا في مجالات إستراتيجية؛ كالتنسيق في القضايا الجيوسياسية والتعاون في الطاقة النووية والصناعات الدفاعية. في عام 2016، أطلق البلدان مشروع بناء خط أنابيب الغاز التركي، ثم اتفقا على توريد أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية "إس 400" إلى تركيا في العام التالي. وفي العام نفسه، دخلت أنقرة في منصة أستانة السورية إلى جانب روسيا وإيران، كما استطاع أردوغان وبوتين تطوير عملية مواءمة المصالح في سوريا إلى تنسيق أوسع في قضايا إقليمية أخرى.

في عام 2020، أشرف البلدان على إنهاء الحرب بين أذربيجان وأرمينيا في قره باغ، واتفقا أيضًا على رعاية وقف إطلاق النار بين حلفائهما في ليبيا. هذه التطورات كانت مرتبطة في جانب بالتفاعل الروسي المرن مع تركيا، وفي جانب آخر بالهوية الجيوسياسية الجديدة التي اعتنقتها أنقرة وتقوم على فكرة التوازن بين الشرق والغرب بدلا من حصر الشراكة الخارجية مع أحدهما.

 

لم يكن الدافع الرئيسي لعلاقة العمل التي أنشأها أردوغان وبوتين محصورا في اتساع رقعة المصالح المتداخلة بينهما؛ فقد لعب الإحباط التركي المتزايد من الغرب دورا قويا في تشكيل هذه العلاقة رغم أنها تتعارض مع هوية تركيا الأطلسية. روسيا هي منافس إستراتيجي رئيسي لتركيا في البحر الأسود شمالا وفي القوقاز شرقا وفي سوريا جنوبا وفي أفريقيا أيضا. ومع ذلك، استطاع أردوغان وبوتين إيجاد أرضية مشتركة لإدارة هذا التنافس وتحويله إلى تعاون واسع في سياساتهما الخارجية. هذا ما لم يكن من الممكن فعله بين تركيا والغرب في السنوات الأخيرة التي شهدت تراجعا حادا في العلاقات. علاوة على ذلك، فإن الميول الأوراسية لتركيا في ظل حكم أردوغان وسّعت حجم الفجوة مع الغرب وساعدت في المقابل في تضييق الفجوة مع روسيا والصين. تُفسر هذه التحولات في سياسات تركيا الخارجية كيف أن أنقرة تسعى من أجل الحكم الذاتي الإستراتيجي في سياستها الخارجية والأمنية.

بفعل التنافس الجيوسياسي الحادّ والتناقض في الهويات السياسية، كان من الصّعب تصور إمكانية تطوير العلاقات التركية الروسية إلى مستوى تحالف إستراتيجي. مع أن ذلك لا يزال غير مُمكن وغير واقعي، إلا أن البلدين يسعيان إلى تطوير العلاقة إلى مستوى أعلى من شراكة عادية وأقل من تحالف. على سبيل المثال، كان البحر الأسود والفضاء السوفياتي السابق سببا للشكوك العميقة المتبادلة بين تركيا وروسيا لعقود، وأدت الحرب الروسية على جورجيا عام 2008، ثم ضم شبه جزيرة القرم في 2014؛ إلى خلل في ميزان القوى في البحر الأسود. مع ذلك، فإن هذا التنافس بدأ يتحول مؤخرا إلى تعاون فعّال. تصميم تركيا على إبقاء البحر الأسود بمعزل عن الصراع الروسي الغربي وعرقلتها طموح الناتو في لعب دور فيه، إلى جانب موافقة روسيا على صفقة الحبوب مع أوكرانيا برعاية تركية؛ كلها مؤشرات على أن أنقرة وموسكو توليان أهمية للتعاون الإستراتيجي في البحر الأسود. كذلك كان التعاون التركي الروسي في قره باغ مدخلا لشراكة بين البلدين في الفضاء السوفياتي السابق بعدما كانت روسيا في السابق تحد من طموح تركيا في استعادة نفوذها التاريخي في تلك المنطقة.

بالنظر إلى أن النهج التركي المتوازن في الصراع الروسي الغربي ينبع أساسا من رؤية أردوغان الواسعة لنظام عالمي جديد يفقد فيه الغرب الهيمنة المطلقة ويتجه نحو التعددية القطبية، فإن الحفاظ على علاقة عمل جيدة مع موسكو يُعد عنصرا أساسيًّا في هذا النهج بغض النظر عن طبيعة العلاقة مع الغرب. كان نهج التوازن التركي في حرب أوكرانيا يحظى بتفهّم نسبي في العواصم الغربية على اعتبار أن ذلك أقصى ما يُمكن أن تُقدّمه أنقرة في عملية الموازنة الدقيقة بين هويتها الأطلسية من جهة ومتطلبات مصالحها مع روسيا.

مع ميل أردوغان إلى الاستفادة بقدر أكبر من مزايا العلاقة مع روسيا، يتحول قانون التوازن التركي إلى مصدر قلق للغرب وينطوي على بعض المخاطر، وقد يؤدي إلى رد فعل غربي. لقد وضعت قمة سوتشي خارطة طريق لتطوير الشراكة التركية الروسية إلى مستوى إستراتيجي، وإذا نجح البلدان فإن ذلك سيُشكل ضربة قوية للجهود الغربية في عزل روسيا من جهة واستمالة تركيا من جهة ثانية. سيُصبح أردوغان أكثر تشددا في إدارة العلاقة مع الغرب. لقد برزت هذه النتيجة في قضية توسع الناتو قبل التوصل إلى تسوية بشأنها رغم أنها لا تزال غير مؤكدة وربما تنهار. لا ينظر أردوغان إلى روسيا من منظار غربي بل من منظاره الخاص الذي يعمل على توازن للمصالح التركية على أساس عقلاني وليس من ناحية أيديولوجية.

 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)