متطلبات النفوذ: ما دلالات زيادة حجم الإنفاق العسكري الصيني؟

profile
  • clock 9 مارس 2023, 5:17:13 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

مع افتتاح جلسة المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني لهذا العام، كشف رئيس المجلس المنتهية ولايته “لي كه تشيانج” النقاب عن الميزانية العسكرية الجديدة لجميع النواب، قائلاً إن هذه الخطوة تأتي في الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات الخارجية لقمع واحتواء الصين، كما أعلن عن خطة بكين لزيادة حجم إنفاقها العسكري بنسبة 7.2% خلال العام الجاري؛ وذلك بهدف دعم وتطوير قدراتها العسكرية، ليصل بذلك إجمالي الإنفاق العسكري إلى 1.55 تريليون يوان، أي ما يعادل نحو 225 مليار دولار؛ وذلك وفقاً لمسودة تقرير الميزانية الصادر عن الاجتماع السنوي للمجلس، لتصبح تلك الزيادة هي الأسرع في تاريخ الصين منذ عام 2019، في ظل تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وحلفائها بشأن تايوان. والجدير ذكره أن الصين تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في الإنفاق العسكري من حيث القيمة الدولارية، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

محاور التحديث

تعتمد محاور خطة الإنفاق العسكرية الصينية على تنمية المواهب العسكرية وتحديث الأسلحة والمعدات وإصلاح الجيش، ويمكن إيجاز أبرز هذه المحاور على النحو التالي:

1– تحديث قوات الدفاع الصينية: تشير زيادة الإنفاق العسكري هذا العام إلى الأولوية التي يُولِيها الزعيم الصيني شي جين بينج لتحديث قوات الدفاع الصينية، حتى في الوقت الذي يؤدي فيه النمو الاقتصادي الضعيف إلى زيادة الضغوط المالية، بيد أن الصين تبذل جهوداً متعددة لبناء جيش التحرير الشعبي؛ حيث تسعى بكين إلى أن يكون جيشاً عالمياً بحلول عام 2049، وهي الذكرى المئوية لتولي الحزب الشيوعي السلطة في البلاد.

هذا وقد تم توجيه المزيد من الاستثمارات في السنوات الأخيرة إلى التقنيات المتقدمة التي تساعد في إبراز قوة الصين خارج شواطئها، بما في ذلك أسطولها البحري، وقدرات أسلحتها النووية؛ إذ يتطلب تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني تمويلاً كبيراً من أجل شراء معدات متطورة، والحفاظ على مستوى عالٍ من التدريب، ناهيك عن أن تحديث الجيش الصيني قد يستغرق عقوداً؛ ما يتطلب من الصين الحفاظ على مستوى معين من الإنفاق الدفاعي لسنوات عديدة. وعطفاً على ما سبق، تكشف خطة زيادة الإنفاق العسكري عن رغبة الصين في تعزيز قدراتها العسكرية، وخاصةً فيما يتعلق بتشغيل حاملة الطائرات مع زيادة الاستثمار في الإنتاج السريع للطائرات المقاتلة وتكنولوجيا الفضاء والذكاء الاصطناعي.

2– تكثيف التدريبات العسكرية: أثناء خطابه أمام المجلس الوطني، دعا لي كه تشيانج جيش التحرير الشعبي الصيني إلى تكثيف التدريب العسكري على تنفيذ العمليات العسكرية، وتعزيز الاستعداد القتالي، وتعزيز القدرات العسكرية من أجل إنجاز المهام الموكلة إليه من قِبل الحزب والشعب، وشدد على أهمية تكثيف الجيش جهوده ليكون جاهزاً للقتال في أي وقت، خاصةً في ظل التحديات الإقليمية والعالمية التي تتعرض لها الصين مؤخراً.

3– مواجهة التحديات الأمنية المعقدة: في مؤتمر صحفي، قبل الإعلان عن الميزانية العسكرية، أوضح المتحدث باسم المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني وانج تشاو، أن الميزانية العسكرية المتنامية للصين مناسبة ومعقولة، معتبراً الزيادة في ميزانية الدفاع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي معتدلة، بل أقل من المتوسطات العالمية، لكنها تظل ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية المعقدة، ولكي تفي الصين بمسؤولياتها بصفتها دولةً رئيسيةً في النظامَين الإقليمي والعالمي، لا سيما أن التحديث العسكري الصيني لن يشكل تهديداً لأي دولة أخرى.

4– مواكبة سباق التسلح العالمي: بالنظر إلى حجم الإنفاق العسكري لأبرز دول العالم، سنجد أن الولايات المتحدة قد اعتمدت ميزانية دفاعية تُقدَّر بأكثر من 800 مليار دولار لعام 2023، بزيادة قدرها 13.9%، كما رفعت اليابان إنفاقها العسكري بنسبة 26.3% إلى مستوى قياسي بلغ 6.3 تريليون ين؛ أي 50 مليار دولار، لا سيما مع تحديد الحكومة اليابانية، في العام الماضي، هدفًا يتمثل في مضاعفة حصة ميزانية الدفاع من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2% بحلول عام 2027.

وعلى الصعيد الأوروبي، انضمت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أيضاً إلى سباق التسلح من خلال زيادة ميزانياتها الدفاعية؛ حيث حثت الولايات المتحدة دول الناتو ذات الميزانيات العسكرية الصغيرة نسبياً على زيادة ميزانياتها الدفاعية بشكل كبير؛ فعلى سبيل المثال، وافقت الحكومة الفرنسية على ميزانية عسكرية تقدر بنحو 43 مليار دولار، بزيادة قدرها 7.4%، وأنشأت الحكومة الألمانية صندوقاً دفاعياً بقيمة 100 مليار يورو لتلبية هدف الناتو المتمثل في إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على القوة العسكرية؛ هذا بجانب تخطيط المملكة المتحدة لمضاعفة ميزانيتها الدفاعية بحلول عام 2030 لتصبح 3% من إجمالي الناتج المحلي. ومن ثم ليس غريباً من الصين أن ترفع هي الأخرى حجم ميزانيتها العسكرية، حتى تتماشى مع الزيادات العالمية، في إطار مواكبة سباق التسلح الذي يشهده العالم.

دلالات رئيسية

هناك مجموعة من الدلالات تشير إليها خطة بكين لزيادة حجم إنفاقها العسكري، ومنها:

1– تجاوز الإنفاق العسكري معدل النمو الاقتصادي: لقد ارتفع حجم الإنفاق على الجيش الصيني بمعدل 6.6% على الأقل سنوياً خلال العقود الثلاثة الماضية، وهذا المعدل يتوازى أو يتجاوز غالباً معدل النمو الاقتصادي؛ إذ سيكون معدل النمو هو الأسرع منذ عام 2019، متجاوزاً نسبة 7.1% العام الماضي، كما أنه يتجاوز هدف بكين المتواضع لنمو الناتج المحلي الإجمالي البالغ 5% هذا العام، خاصةً بعد أن انخفض النمو الاقتصادي الصيني إلى 3% العام الماضي، وهو ثاني أضعف مستوى منذ السبعينيات على الأقل.

2–التأكيد على مبدأ الصين الواحدة: أكد لي كه تشيانج التزام الحزب الشيوعي الصيني بمبدأ الصين الواحدة، الذي ينص على أن تايوان جزء من الأراضي الصينية الموحدة. ويأتي ذلك بعد أن أثارت الحرب الأوكرانية العديد من الشكوك بين السيد شي وقادة صينيين آخرين حول قدرة جيش التحرير الشعبي على السيطرة على تايوان؛ خاصةً أن قضية تايوان تُعَد أكبر بؤرة اشتعال محتملة بين الولايات المتحدة والصين، وتحديداً في ظل تعزيز واشنطن دعمها لتايبيه، من خلال زيادة مبيعات الأسلحة وزيادة عدد القوات الأمريكية المنتشرة في الجزيرة.

ومن الجدير ذكره أن الولايات المتحدة قد وافقت على أكثر من 20 مليار دولار من مبيعات الطائرات العسكرية والأسلحة المختلفة لتايوان منذ عام 2019، بجانب مُوافَقة الخارجية الأمريكية مؤخراً على بيع صواريخ لتسليح مقاتلات أمريكية الصنع من طراز F–16 بقيمة 619 مليون دولار.

3– توسيع النطاق العالمي والإقليمي للجيش الصيني: بجانب قضية تايوان، تستثمر الصين أيضاً بشكل كبير في توسيع النطاق الإقليمي والعالمي لجيش التحرير الشعبي؛ بحيث يشمل تحديث قواتها البحرية والجوية لتكون قادرة على العمل لفترة أطول في البحر وأبعد من شواطئ الصين. ومن المتوقع أن تدخل حاملة الطائرات الثالثة في البلاد “فوجيان” الخدمة بحلول العام المقبل.

ولتوسيع نطاق تدريباتها الدولية، تواصل الصين إجراء تدريبات مشتركة مع روسيا منذ بداية الحرب الأوكرانية العام الماضي؛ الأمر الذي أثار القلق لدى المسؤولين الأمريكيين بشكل خاص من أن الصين يمكن أن تستعد الآن لتقديم مساعدة عسكرية لروسيا، بما في ذلك المدفعية التي تحتاجها موسكو لمواصلة جهودها الحربية، وردَّت بكين باتهام واشنطن بتأجيج نيران الحرب من خلال تزويد كييف بالسلاح.

4– منافسة القوة العسكرية الأمريكية: تعد الولايات المتحدة هي أقرب منافسي الصين في مجال القوة العسكرية، بجانب القوة الاقتصادية، بيد أن الإنفاق العسكري الصيني لا يزال أقل بكثير من الإنفاق العسكري الأمريكي؛ إذ تبلغ ميزانية الدفاع الصينية الآن نحو 225 مليار دولار، بينما تنفق الولايات المتحدة أكثر من 800 مليار دولار على جيشها هذا العام. وبالمقارنة من حيث حجم الإنفاق العسكري للبلدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، سنجد أن هذا المعدل في الصين قد بلغ نحو 1.7% خلال عام 2021، في حين وصل هذا المعدل إلى 3.5% في الولايات المتحدة خلال ذات العام، بيد أن الصين لديها أكبر مشاة وأكبر بحرية في العالم، وتواصل بناء مخزونها من الصواريخ والسفن الحربية والغواصات والطائرات، بما في ذلك القاذفات ذات القدرات النووية والمقاتلات؛ وذلك حتى تُوازِن قوتها العسكرية مع نظيرتها الأمريكية.

5– تعزيز مكانة الرئيس شي: يرأس الرئيس شي جين بينج الجيش الصيني، وهو رئيس اللجنة العسكرية المركزية؛ لذلك يسعى الزعيم الصيني إلى دعم قوة بلاده العسكرية؛ وذلك بعد أن أصبح الزعيم الوحيد الذي انتخبه الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لفترة ولاية ثالثة مدتها خمس سنوات في أكتوبر من العام الماضي.

مخاوف دولية

تتابع واشنطن وحلفاؤها هذا التعزيز في الإنفاق العسكري الصيني عن كثب؛ حيث يعتبرون أن بكين أصبحت التحدي الرئيسي للنظام الدولي الراهن. وفي هذا الصدد، ارتبطت الاستجابة الدولية لخطة الإنفاق العسكري الصيني بعدد من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1– الترويج للإعداد الصيني لضم تايوان عسكرياً: تعاطى الإعلام الغربي مع إعلان الصين عن خطة زيادة إنفاقها العسكري باعتبارها خطوة في الإعداد الصيني لضم تايوان عسكرياً، كما ركز الإعلام الغربي على تصريحات المسؤولين الأمريكيين بأن القدرات العسكرية المتنامية للصين تُهدِّد تايوان بشكل متزايد، ومنهم مدير وكالة المخابرات المركزية وليام بيرنز، الذي لا يستبعد أن السيد شي قد يُصدِر تعليماته للجيش الصيني بالاستعداد لغزو تايوان بحلول عام 2027؛ وذلك عندما يحتفل جيش التحرير الشعبي بالذكرى المئوية لتأسيسه.

2– المعارضة التايوانية للتوجهات الصينية: أكدت حكومة تايوان أن الصين يجب أن تحترم المبادئ الأساسية للسيادة والديمقراطية والحرية التي تعتبر مهمة لشعب تايوان؛ حيث حثت تايبيه المسؤولين الصينيين على التعامل مع القضايا الخلافية حول مضيق تايوان بطريقة عملية وعادلة وتحترم الجميع، كما شددت على أهمية إيجاد حل سلمي للتوترات المستمرة بين البلدين؛ إذ ترفض حكومة تايوان بشدة مطالبات بكين بالسيادة، وتقول إن سكان الجزيرة البالغ عددهم 23 مليوناً هم فقط من يمكنهم تقرير مستقبلهم.

3– استخدام سردية تهديد النظام الغربي الديمقراطي: لجأت العديد من وسائل الإعلام الأجنبية إلى ازدواجية المعايير؛ وذلك بادعاء أن ميزانيات الدفاع المتضخمة للدول الغربية مُعَدة من أجل الدفاع عن التهديدات التي من المحتمل أن تواجهها هذه الدول، في حين أن أي زيادة في ميزانية الدفاع الصينية هي تحدٍّ لقيادة الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بل إن البعض يربط زيادة الميزانية العسكرية لبكين بقضية تايوان، واعتبار أن الصين تسعى إلى إنهاء النظام الديمقراطي الحاكم هناك.

4– تصاعد المخاوف الإقليمية: يُثير الإنفاق العسكري الصيني مخاوف لدى الدول المجاورة للصين، خصوصاً الهند؛ إذ تندلع مناوشات أحياناً على طول الحدود المتنازع عليها في جبال الهيمالايا، وكذلك بالنسبة إلى اليابان من أجل السيطرة على الجزر الخلافية بينهما، والأمر مماثل للفلبين؛ حيث تتجدد بانتظام حوادث تتعلق بالسيادة على جزر في بحر الصين الجنوبي، الذي تتصارع فيه الصين مع العديد من الدول الإقليمية المطلة عليه، وكذلك الدول الأخرى التي تتمتع بمصالح استراتيجية فيه.

خلاصة القول: مما لا شك فيه أن استمرار الصين في زيادة حجم إنفاقها العسكري إنما يدل على التوسع في الطموحات العالمية لبكين؛ وذلك في ظل التهديدات المتنامية التي تعاني منها الصين من القوى الغربية مؤخراً، لا سيما رغبتها الحثيثة في مواكبة القوة العسكرية الأمريكية؛ إذ إنه ليس من المستبعد أن تصبح بذلك الصين قوة عظمى تنافس نفوذ الولايات المتحدة، مثلما استطاعت منافستها على الصعيد الاقتصادي، بل من المتوقع أن تتجاوزها اقتصادياً خلال العقود القليلة القادمة، ومن ثم فإنه حتى تتربَّع الصين على عرش النظام العالمي، لن ينقصها حينها سوى قوة عسكرية ضخمة تساعدها على تحقيق أهدافها بمرونة أكبر؛ الأمر الذي سيعيد تشكيل النظام العالمي الذي خلفته الحرب الباردة.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)