أحدث الموضوعات
لماذا رَفعت إيران مستوى التخصيب في منشأة "فوردو" النووية؟
-
14 يوليو 2022, 3:03:54 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تقرير صدر في 9 يوليو 2022، أن إيران زادت مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20% عبر تغذية مجموعة من 166 جهازاً من طراز “IR6” بغاز سادس فلورايد اليورانيوم المخصب بنسبة 5%. وقد أشار المتحدث باسم المنظمة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، في 10 يوليو، إلى أن الخطوة التصعيدية الجديدة تندرج في إطار تنفيذ الواجبات الشرعية لمنظمة الطاقة الذرية، مؤكداً أن الخطوة ستشمل ألف جهاز طرد مركزي من الجيل السادس، في إشارة إلى أن هذه الخطوة تتماهى مع القانون الذي أصدره مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) تحت اسم “الإجراء الاستراتيجي لإلغاء العقوبات”، في 29 نوفمبر 2020، الذي يُلزِم الحكومة باتخاذ مزيد من خطوات تقليص مستوى الالتزامات في الاتفاق النووي، رداً على العقوبات الأمريكية.
مكمن الخطورة
يمكن القول إن الخطوة الأهم التي أقدمت عليها إيران لا تكمن في زيادة مستوى التخصيب إلى 20%، بقدر ما تكمن في استخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً من طراز “IR6” لتنفيذ ذلك. وبمعنى أدق، فإن زيادة مستوى التخصيب إلى 20% لا يضيف جديداً إلى التصعيد الإيراني، باعتبار أن إيران أنتجت بالفعل في الفترات السابقة كميات كبيرة من هذا المستوى. ومن ثم، فإن ما حدث يعتبر بمنزلة “تحصيل حاصل” من هذه الزاوية.
لكن المغزى الأهم من جانب إيران هو استخدام أجهزة “IR6” في العملية الأخيرة؛ إذ قال بهروز كمالوندي إن اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، جرى تجميعه للمرة الأولى عبر هذه النوعية من الأجهزة. وهنا فإن الرسالة واضحة، ومفادها أن بإمكان إيران تسريع تطوير أنشطتها النووية بقدر كبير، خلال المرحلة القادمة، إذا أرادت ذلك أو اتخذت قراراً سياسياً في هذا السياق. ومن هنا، يمكن تفسير أسباب القلق الذي انتاب الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الخطوة الأخيرة، التي اعتبرت أنها تهدد بتحقيق قفزة في الأنشطة النووية الإيرانية خلال المرحلة القادمة، خاصةً إذا شهدت المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، مزيداً من التعثر خلال المرحلة القادمة.
أسباب عديدة
يمكن تفسير إقدام إيران على هذه الخطوة في هذا التوقيت في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها فيما يأتي:
1– توجيه رسالة تحدٍّ قبل زيارة “بايدن” إلى المنطقة: يمكن اعتبار الخطوة الأخيرة ثالث خطوة تصعيدية تتخذها إيران منذ الإعلان عن إجراء الرئيس الأمريكي جو بايدن جولة في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة من 13 إلى 16 يوليو الجاري؛ فقد تمثلت الخطوة الأولى في ملاحقة ثلاثة زوارق إيرانية، في 20 يونيو الفائت، سفينتَين تابعتَين للبحرية الأمريكية في مضيق هرمز لمدة ساعة تقريباً، وهي الملاحقة التي وصفتها البحرية الأمريكية بأنها “غير آمنة وغير مهنية”.
فيما تعلقت الخطوة الثانية بإعلان إيران، في 26 من الشهر نفسه، إطلاق صاروخ إلى الفضاء، أطلقت عليه “ذو الجناح”. وهنا فإن الرسالة مفادها أن إيران لا تُولي الضغوط التي تُمارِسها الولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق النووي اهتماماً كبيراً، ولا المعطيات التي يمكن أن تفرضها الزيارة التي يجريها الرئيس بايدن إلى المنطقة، لا سيما في ظل تزايد الحديث عن ترتيبات أمنية جماعية في المنطقة ترى إيران أنها المستهدف الأساسي منها.
2– التلويح بالتصعيد عقب فشل محادثات الدوحة: رغم أن إيران اعتبرت أن المحادثات غير المباشرة التي أجرتها مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر الوسيط الأوروبي في الدوحة يومَي 28 و29 يونيو الفائت، كانت إيجابية، فإن ذلك قُوبل بنفي أمريكي قاطع؛ حيث أكدت واشنطن أن المحادثات فشلت، وأن إيران لم تقدم جديداً فيها، بل أصرَّت على طرح مطالب خارجة عن الاتفاق النووي، في إشارةٍ إلى مطالب إيران بالحصول على ضمانات بعدم انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية مرةً أخرى من الاتفاق النووي، وشطب الحرس الثوري من قائمة التنظيمات الإرهابية. وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن إيران دائماً ما تكون حريصةً على اتخاذ خطوات تصعيدية بعد تعثُّر المفاوضات، باعتبار ذلك آلية تحاول من خلالها ممارسة ضغوط أقوى على القوى الدولية، خاصةً الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
3– تعزيز فرص الوصول إلى صفقة حول الملف النووي: على عكس التكهُّنات العديدة التي تُروَّج في هذا الصدد،ترى طهران أن هذا التصعيد يمكن أن يساهم في تعزيز فرص الوصول إلى صفقة جديدة حول الملف النووي. ويعود ذلك إلى أنها تعتبر أن التهديد برفع مستوى الأنشطة النووية وتحقيق قفزة نوعية فيها، يمكن أن يدفع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تقديم تنازلات من أجل تجنُّب تمادي إيران في هذا المسار، خاصةً فيما يتعلَّق بالموقف من الحرس الثوري؛ حيث ترى إيران أن من الصعوبة أن تُقدِم الإدارة الأمريكية على منح ضمانات بعدم الانسحاب مجدداً من الاتفاق؛ لاعتبارات دستورية في المقام الأول. وهنا فإن الاستجابة لمطلب شطب الحرس الثوري من قائمة التنظيمات الإرهابية يعني في المقام الأول أن جهود الوصول إلى تسوية وصفقة، قطعت شوطاً كبيراً وتكاد تنتهي بالنجاح.
وقد بدأت إيران توجه رسالة موازية تشير إلى استعدادها لاستئناف المحادثات خلال الفترة القادمة؛ فقد أشار رئيس وفد التفاوض مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية علي باقري كني، في 3 يوليو الجاري، إلى أن المشاورات مع المنسق الأوروبي بشأن المفاوضات إنريكي مورا لتحديد مكان وزمان انعقاد الجولة الجديدة من المحادثات، تكاد تبلغ مرحلتها النهائية، فيما استقبلت طهران وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في 6 من الشهر نفسه، الذي استضافت بلاده الجولة الأخيرة من المحادثات، وزار كني سلطنة عمان بعد ذلك بيوم واحد، وهي تحركات في مجملها تشير إلى استمرار الوساطات الإقليمية، ولا سيما الخليجية، لاستئناف المحادثات وربما الوصول إلى صفقة جديدة.
4– تأمين الأنشطة النووية المختلفة ضد الخصوم: تتزايد أهمية وخطورة الخطوة الأخيرة التي اتخذتها إيران في ظل تنفيذها داخل منشأة فوردو، لا داخل منشأة نطنز كالمعتاد. وهنا فإن الهدف الأساسي من ذلك هو حماية الأنشطة النووية من الاختراقات الأمنية المتتالية التي تعرضت لها إيران في الفترة الماضية. وقد كان لافتاً أنه في الوقت الذي تعرضت فيه منشأة نطنز لهجومَين تخريبيَّين في يوليو 2020 وأبريل 2021، لم تتعرَّض فوردو لأي هجوم، في ظل الإجراءات الأمنية المُشدَّدة التي تُفرَض داخلها، فضلاً عن وجودها تحت الأرض.
وربما يؤشر ذلك على أن إيران لا تستبعد أن تتعرَّض لمزيد من الاختراقات الأمنية خلال المرحلة القادمة، رغم الإجراءات التي اتخذتها بتغيير بعض القادة الرئيسيين في أجهزة الاستخبارات، على غرار حسين طائب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري؛ ففي رؤية طهران، فإن إسرائيل لن تتوانى في استغلال أي فرصة لتعطيل الأنشطة النووية المختلفة في ظل القدرات التي تمتلكها في هذا السياق.
إجراءات متواصلة
إن ما سبق، في مجمله، يطرح دلالة مهمة تتمثَّل في أن تعثُّر المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية سوف يدفع الأولى إلى رفع مستوى خطواتها التصعيدية التي ربما تصل إلى مرحلة غير مسبوقة من التحدي، خاصةً أن إيران ترى أنها باتت في موقع أقوى في المفاوضات، على نحوٍ يُوحِي بأن مزيداً من التوتر سوف يكون العنوان الرئيسي للتفاعلات الإيرانية مع التطورات التي تشهدها المنطقة خلال المرحلة القادمة التي سوف تشهد بدورها استحقاقات سياسية واستراتيجية عديدة، لا سيما بعد انتهاء جولة الرئيس بايدن في 16 يوليو الجاري.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
الأسرة والمجتمع
السعودية تطلق خدمات إلكترونية جديدة لخدمة الحجيج منذ 3 سنوات
موسم الحج 2023.. تفاصيل أداء الفريضة خطوة بخطوة منذ 3 سنوات