كرم سعيد يكتب: بؤرة التصدُّعات: لماذا تحوَّلت تركيا إلى مركز إقليمي للزلازل؟

profile
  • clock 9 فبراير 2023, 6:32:29 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

شهدت مناطق جنوب تركيا زلزالاً مدمراً بقوة 7.4 درجة بمقياس ريختر في 6 فبراير الجاري، أسفر – بحسب الإحصائيات الأولية – عن وقوع آلاف القتلى، وعدد هائل من الجرحى والمصابين، بالإضافة إلى تدمير قطاع واسع من البنية التحتية، وانهيار عدد كبير من المباني، وحصار المئات تحت الأنقاض، وهو ما دفع السلطات التركية إلى إعلان درجة “الإنذار الرابعة” التي تعني طلب مساعدة دولية. ويُعَد هذا الزلزال هو الأكبر والأسوأ من نوعه منذ الهزة الأرضية التي ضربت تركيا في عام 1999 وخلَّفت الآلاف من القتلى والجرحى. ورغم تصاعد حدة التوتر بين أنقرة وعدد واسع من القوى الدولية خلال المرحلة الراهنة، فإن الزلزال، الذي ترتفع وتزيد تداعياته البشرية والاقتصادية باطراد، دفع المجتمع الدولي إلى إرسال مساعدات إنسانية مرفقة بمعدات وخبراء إنقاذ إلى تركيا.

شواهد كاشفة

تقع تركيا في منطقة تشهد نشاطاً زلزالياً هو من بين الأعلى في العالم؛ لذلك لا تعد الزلازل والهزات الأرضية التي تشهدها تركيا ظاهرة مفاجئة أو نادرة الحدوث، ويكشف عن ذلك عدد من المؤشرات؛ وذلك على النحو التالي:

1– تحذير النخب التركية من حدوث زلازل قوية: تُحذر النخبة التركية الحاكمة باستمرار من وقوع البلاد في حزام الزلازل والكوارث الطبيعية؛ ففي تصريحات له في مارس الماضي، أعلن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، خلال اجتماع لتقييم التأهب للكوارث في مديرية الكوارث والطوارئ؛ أن عام 2022 سيكون عاماً التدريب على الكوارث، ووجَّه تحذيراته من زلزال محتمل في إسطنبول والولايات المجاورة قائلاً: “هذا ليس سراً؛ لدينا توقعات بحدوث زلزال كبير”.

2– كثافة الزلازل التي شهدتها تركيا خلال الفترة الماضية: ففي 18 ديسمبر الماضي، ضرب زلزال بقوة 4.8 درجة على مقياس ريختر، ولاية هطاي جنوب تركيا، وسبق هذا الزلزال هزة أرضية في أواخر نوفمبر 2022، بقوة 6.1 درجة شمال غرب تركيا، أوقعت نحو خمسين جريحاً، كما شهدت تركيا في يونيو الماضي زلزالاً بقوة 5.0 درجات مركزه محافظة “فان” التي تقع في المنطقة الحدودية بين تركيا وإيران. وفي سياق متصل، كشف التقرير الصادر في مطلع عام 2021 عن هيئة إدارة الكوارث والطوارئ في تركيا، عن وقوع أكثر من 33 ألف زلزال في عام 2020 وحده، بينها 322 بقوة تزيد عن 4 درجات على مقياس ريختر، غير أن الهزة الأرضية الأخيرة التي وقعت في منطقة بازارجيك في محافظة كهرمان مرعش التركية جنوب شرق البلاد، تعد الأكثر دماراً منذ زلزال 17 أغسطس 1999 الذي تسبَّب في مقتل 17 ألفاً، بينهم ألف في إسطنبول.

3– توجُّه حكومي مُكثف للتدريب على الكوارث: بدا لافتاً التوجه التركي المستمر في السنوات الماضية نحو العمل على إجراء تدريبات عالية المستوى في مختلف الولايات التركية للتدريب على الكوارث، بعد دخول البلاد في حزام التصدعات الأرضية، وزيادة وتيرة الهزات الأرضية.

4– اعتماد سياسات للحد من خطر الزلازل: اعتمدت الحكومة التركية منذ عام 2020 عدداً من الإجراءات والقوانين للتعامل مع مخاطر الزلازل التي تحولت إلى ظاهرة لافتة في العقد الماضي، ومنها التشدد في شروط السلامة المعمول بها في معاملات البناء، وعدم منح التراخيص لبناء أي منشأة، أو تزويد القائم منها بالخدمات، دون إثبات جاهزية المبنى لمواجهة الزلازل والهزات الأرضية، كما فرضت أنقرة ضريبة إلزامية لتغطية التأمين على الكوارث، وتعرف بــ”ضريبة الزلازل والبراكين”، ويُتعارَف عليها في الشؤون العقارية التركية باسم ضريبة “داسك” (DASK).

5– إقرار تركيا برنامج “التحول الحضاري”: أقرَّت تركيا برنامج التحول الحضاري، الذي يرتكز على إعادة بناء الأحياء القديمة والمباني الخطرة وفقاً لاعتبارات هندسية تُقاوِم الزلازل. ويستهدف البرنامج في جوهره تعزيز سياسة التعايش الآمن مع الزلازل.

تفسيرات متنوعة

ثمة العديد من الأسباب التي تقف وراء تحوُّل تركيا إلى مركز رئيسي للهزات الأرضية والزلازل التي تحدث في الإقليم، وهو ما يمكن بيانه على النحو التالي:

1– الموقع الجغرافي على خطوط صدع متعددة: ثمة العديد من التقديرات تشير إلى أن التطور الحادث في الهزات الأرضية التي تتعرض لها تركيا يعود في الأساس إلى الموقع الجغرافي لتركيا التي تقع على الصفيحة التكتونية الأناضولية؛ حيث توجد بين الصفيحة العربية التي تتجه شمالاً بمعدل بوصة واحدة تقريباً سنوياً، والصفيحة الأوراسية التي تمثل نسبياً قشرة غير قابلة للحركة، فيؤدي هذا إلى ضغط تركيا التي تقف على عدة خطوط صدع؛ ما يجعلها تتأثر بالزلازل على نحو متكرر. ويُعَد خط الصدع شمالَ الأناضول هو أكثر خطوط الصدع تدميراً في تركيا؛ حيث تلتقي صفيحتا الأناضول وأوراسيا. ويمتد خط الصدع شمال الأناضول من جنوب إسطنبول مباشرةً على طول الطريق إلى شمال شرق تركيا. وبالتوازي مع ذلك، هناك خط صدع شرق الأناضول، الذي يمتد نحو 650 كيلومتراً من مرتفعات شرق تركيا إلى البحر المتوسط؛ حيث يتجه جنوبا ويلتقي في النهاية مع الصدع الكبير الذي يفصل بين الصفيحتين الأفريقية والعربية.

2– كِبَر حجم الفوالق الأرضية في مناطق تركية مختلفة: يعود النشاط الزلزالي الهائل في بعض المناطق التركية إلى أنها توجد عند منطقة التقاء صدع خليج العقبة والبحر الميت، بدايةً من خليج العقبة في مصر، مروراً بفلسطين وسوريا والأردن، وصولاً إلى جنوب تركيا بالقرب من منطقة التقاء الصدعَين. كما أن هذا النشاط الزلزالي يعود في جانب منه إلى أن الفوالق الأرضية كبيرة جداً؛ حيث يصل طولها إلى نحو 1300 كم، ناهيك عن أن الحركة الخاصة بالصفائح التكتونية العربية تتجه إلى الشمال، والأناضولية تتجه ناحية الغرب. وتتسبب هذه الحركات الأرضية في حدوث الزلازل في تلك المنطقة.

3– تزايد التعرض لظاهرة الرسوبيات الأرضية: لا ينفصل الحدوث المستمر للزلازل في تركيا، من وجهة نظر قطاعات علمية معتبرة، عن تعرض البلاد لظاهرة الرسوبيات الأرضية، التي تعنى انتقال الرسوبيات على مساحة كبيرة من الأرض بكمية كبيرة، وحدوث ثقل على تلك المساحة. وهذا يتسبب في الاختلال بطبقات الأرض وتحرُّك طبقات القشرة الأرضية، ومن ثم تحدث الزلازل.

4– وجود المنشآت والمباني الهندسية الضخمة: ثمة تفسير يرجع حدوث الزلازل المتكررة فى تركيا إلى إقامة المنشآت الهندسية الضخمة، التي تزيد الحمل على القشرة الأرضية، كما هو الحال في مشاريع السدود على نهر دجلة، والتوجه نحو بناء قناة إسطنبول، وغير ذلك. وبحسب تفسيرات علمية، فإن ضخامة المنشآت والمباني الهندسية، تساهم في إحداث حركة في الطبقات الأرضية، وتؤثر بطبيعتها على المناطق الرخوة من القشرة الأرضية، وهو ما يتسبب في حدوث الزلازل.

تأثيرات انتشارية

في الختام، يمكن القول إن تركيا – بحكم موقعها الجغرافي، والتكوينات الطبقية للأرض التي تحتوى على الصفائح التكتونية، والتي تؤثر على القشرة الأرضية – تحولت إلى واحدة من أكثر الدول في العالم التي سجَّلت أكثر نسبة في حدوث الزلازل خلال وقت قصير. وتبدو تركيا مرشحة لمزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية بسبب كثافة الزلازل، وظهر ذلك في الاضطراب الحادث في أسواق الطاقة والمال، ناهيك عن تراجع مؤشرات البورصة فى إسطنبول. كما يُتوقَّع أن يسفر التكرار الحادث للزلازل عن تأثيرات سلبية على خريطة الاستثمار الأجنبي في البلاد، وتقليص حضور الشركات في المناطق التركية التي باتت عرضة للزلازل.


 


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)