أحدث الموضوعات
دبلوماسية الإغاثة: هل يساعد زلزال تركيا في تهدئة التوترات بين أنقرة والغرب؟
-
9 فبراير 2023, 6:28:37 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
شهدت الشهور الماضية حالة من التأزم في العلاقات بين تركيا والدول الغربية، ساعدت على تزايد مؤشرات العداء لأنقرة في الغرب. ولقد ارتبطت هذه المؤشرات بعدد من الملفات الرئيسية، قد يكون أهمها شعور الدول الغربية بأن أنقرة لم تَنْحَزْ بالكامل إلى الموقف الغربي المضاد لروسيا؛ حيث لم تنضم إلى العقوبات الغربية المفروضة على موسكو. وجاء ملف انضمام كلٍّ من السويد وفنلندا إلى حلف الناتو ليزيد تعقيدات العلاقات بين تركيا والدول الغربية؛ فقد أظهرت أنقرة قدراً من التعنت، وفرضت شروطاً من أجل قبول عضوية الدولتَين في الحلف، وهو الأمر الذي دفع البعض إلى القول بأن سياسات تركيا قد تؤدي إلى تفكيك الناتو. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل خرجت بعض التظاهرات في دول أوروبية ترفع شعارات مناهضة للدين الإسلامي أمام السفارات التركية.
بالرغم من هذا العداء المتصاعد لتركيا داخل الدول الغربية، جاءت أحداث الزلزال المروع الذي تعرضت له تركيا يوم 6 فبراير الجاري، لتطرح تساؤلاً متجدداً حول مسار العلاقات بين أنقرة والدول الغربية، وخصوصاً أن غالبية الدول الغربية عبَّرت عن تضامنها مع أنقرة، وسارعت إلى تقديم الدعم والمساعدة لها.
سياق مأزوم
مرَّت العلاقات الغربية التركية في الآونة الأخيرة بمرحلة تأزم ظهرت ملامحه في تصاعد موجة العداء لتركيا في عدد من الدول الغربية، وهو الأمر الذي يُمكِن تناوله من خلال ما يلي:
1– الاتهامات المتكررة لأنقرة بإضعاف حلف الناتو: على مدار السنوات الماضية، لاحقت تركيا اتهاماتٌ متكررةٌ بإضعاف حلف الناتو، من خلال تبنيها سياسات لا تتسق بالضرورة مع توجُّهات الحلف. وجاءت حرب أوكرانيا لتُجدِّد هذه الاتهامات، بل إن البعض في الإعلام الغربي بدأ يَصِف تركيا بالحليف المُعطِّل a Disruptive Ally، على حد تعبير مايكل كرولي وستيفن إيرلانجر، في مقال لهما بنيويورك تايمز في شهر مايو الفائت؛ فقد تقدَّمت كلٌّ من السويد وفنلندا، العام الماضي، بطلب للانضمام إلى حلف الناتو بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، لكنهما واجهتا اعتراضات غير متوقعة من تركيا، وسعتا منذ ذلك الحين لكسب دعمها. في المقابل، تريد أنقرة من هلسنكي وستوكهولم اتخاذ موقف أكثر صرامةً ضد حزب العمال الكردستاني. وبناءً عليه، توصَّلت الدول الثلاث إلى اتفاق بشأن طريقة المضي قدماً في هذا الملف بقمة الحلف في مدريد في يونيو الماضي.
وبالرغم مما سبق، لا تزال أنقرة تعرقل عملية انضمام البلدَين – وخصوصاً السويد – إلى الحلف من أجل استغلال هذه الورقة للضغط على الدول الغربية لقبول تحركاتها في العديد من الملفات الخلافية؛ حيث تسعى تركيا إلى ضمان إذعان الغرب لمَطالِبها وانتزاع بعض التنازلات منه، وأبرزها عدم قيام الحلف بانتقاد أو فرض عقوبات عليها حال شنها أي هجمات على أكراد سوريا والعراق المدعومين من الغرب، فضلاً عن الضغط على إدارة بايدن من أجل رفع الكونجرس تعليق صفقة بيع 40 مقاتلة من طراز F–16؛ حيث تحاول الخارجية التركية إقناع الجانب الأمريكي بأن أي بيع لتلك المقاتلات إليها سيكون متماشياً مع المصالح الأمنية للولايات المتحدة، كما أنه سيخدم وحدة الناتو الطويلة الأمد، خاصةً في ظل الدعم العسكري التركي المقدم لأوكرانيا في الحرب.
2– انتقاد السياسة التركية تُجاه الملف السوري: فقد وجهت عدد من الدول الغربية انتقادات علنية للسياسة التركية تجاه الملف السوري؛ بدايةً من التلويح التركي المتكرر خلال الشهور الماضية بتنفيذ عملية عسكرية في شمال سوريا ضد المجموعات الكردية هناك، وصولاً إلى الرفض الغربي لإجراءات التقارب بين أنقرة والنظام السوري.
فقد كررت الخارجية الأمريكية معارضتها تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق؛ وذلك على خلفية مُضاعَفة “أردوغان” إشارات الانفتاح لتطبيع العلاقات مع جارته الجنوبية، خاصةً أن عملية التطبيع تجري برعاية روسية؛ إذ من المتوقع أن تُمهِّد الاجتماعات الوزارية – التي عُقِدت في موسكو – الطريق لاجتماع قمَّة بين زعيمَي البلدين، بجانب استئناف الاتصالات السرية بين رئيسَي جهازَي المخابرات في البلدَين قبل نحو ثلاث سنوات؛ ما ساهم في تعزيز الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية؛ الأمر الذي دفع كبار المسؤولين الأتراك إلى اتهام واشنطن بصلتها بهجمات إرهابية نسبتها إلى حزب العمال الكردستاني، مثل تفجير إسطنبول في نوفمبر الماضي الذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص.
3– تصاعد الاحتجاجات الشعبوية المضادة لتركيا في الغرب: في الشهر الماضي، أثارت سلسلة من الاحتجاجات المناهضة لتركيا في السويد، غضباً عميقاً لأنقرة التي هددت بمزيد من تأخير محاولة ستوكهولم الانضمام إلى الناتو؛ حيث تضمنت التظاهرات رموزاً لحزب العمال الكردستاني، وشملت شنقاً وهمياً لدمية أردوغان بعمود إنارة، إضافة إلى أن راسموس بالودان – وهو مواطن سويدي دنماركي مزدوج الجنسية وزعيم حزب يميني متطرف دنماركي – أحرق نسخة من القرآن خارج مقر إقامة السفير التركي في ستوكهولم.
وسرعان ما تحرك المسؤولون السويديون للتنديد بهذه الإجراءات وتنصُّل الحكومة عن الاحتجاجات؛ حيث وصف رئيس الوزراء أولف كريسترسون، الأحداث بأنها عمل تخريبي ضد محاولة بلاده الانضمام إلى الناتو؛ لأن تركيا (مع المجر) لم تصدق بعد على انضمام السويد أو فنلندا إلى الحلف، بل اتهم وزيرَا خارجية السويد وفنلندا روسيا بأنها وراء حادثة حرق القرآن، في حين أن نظراءهم الأتراك لم يتأثروا بهذه التفسيرات؛ إذ ألغت تركيا على الفور الزيارات الرسمية إلى أنقرة من قبل رئيس البرلمان السويدي ووزير الدفاع، كما انتقد أردوغان السويد، محذراً من أن عدم احترام المعتقدات التركية والمسلمة سيُكلِّف السويد خسارة دعم تركيا لطلب انضمامها إلى الناتو.
4– تبادل الاتهامات العنصرية بين تركيا ودول غربية: بنهاية الشهر الماضي، حذرت تركيا مواطنيها من هجمات محتملة تنمُّ عن كراهية الإسلام وكراهية الأجانب، وتنم عن العنصرية في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية؛ حيث صرحت الخارجية التركية بأن الزيادات الأخيرة في الأعمال المناهضة للإسلام والعنصرية تعكس الأبعاد الخطيرة للتعصُّب الديني والكراهية في أوروبا. جاء ذلك رداً على إصدار عدة سفارات في أنقرة، بما في ذلك سفارات الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، تنبيهات أمنية لمواطنيها في تركيا تشير إلى هجمات انتقامية مُحتمَلة من قِبل الإرهابيين ضد أماكن العبادة؛ وذلك في أعقاب حوادث حَرق القرآن الأخيرة في أوروبا.
5– التلويح الأمريكي بمُعاقَبة شركات وبنوك تركية: فخلال الأيام الماضية، هددت الولايات المتحدة بمُعاقَبة كيانات تركية قد يكون لها دور في توريد بعض المنتجات إلى روسيا. وبحسب تقرير لموقع “أحوال تركية” منشور يوم 4 فبراير الجاري، حذرت “واشنطن خلال شهر فبراير الجاري أنقرة من تصدير مواد كيمياوية ورقائق دقيقة ومنتجات أخرى إلى روسيا يمكن أن تستخدمها في مجهودها الحربي بأوكرانيا، مشيرةً إلى أنها قد تتحرك لمُعاقَبة الشركات والبنوك التركية التي تنتهك العقوبات”.
ووفقاً للتقرير “التقى براين نيلسون كبير مسؤولي العقوبات في وزارة الخزانة الأمريكية، مسؤولين من الحكومة والقطاع الخاص في تركيا يومَي 2 و3 فبراير الجاري؛ للحث على مزيد من التعاون في عرقلة تدفق هذه السلع”. وفي كلمة وجهها لمصرفيين، قال نيلسون إن “زيادة ملحوظة على مدار عام في الصادرات إلى روسيا تجعل الكيانات التركية مُعرَّضة بشكل خاص لمخاطر السمعة والعقوبات، أو خسارة القدرة على الوصول إلى أسواق دول مجموعة السبع”.
تأثير الزلزال
بالرغم من هذه الصدام المتزايد بين أنقرة والدول الغربية، جاء زلزال يوم 6 فبراير الجاري الذي كان له آثار مدمرة على تركيا، ليفتح الباب أمام إمكانية تهدئة التوترات بين تركيا والدول الغربية، وهو السيناريو الذي يرتبط بعدد من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يلي:
1– تبني خطاب مُتعاطِف مع تركيا: فقد تبنَّت الدول الغربية خطاباً متعاطفاً مع أنقرة عقب كارثة الزلزال؛ فعلى سبيل المثال، قال رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في بيان: “أفكر في شعب تركيا وسوريا هذا الصباح، لا سيما المستجيبين الأوائل الذين يعملون ببسالة لإنقاذ المُحاصَرين بسبب الزلزال”. وكتب الرئيس الأمريكي جو بايدن تغريدة على تويتر قال فيها: “أشعر بحزن عميق بسبب الخسائر في الأرواح، والدمار الناجم عن الزلزال في تركيا وسوريا. وجَّهت فريقي لمُواصَلة مُراقَبة الوضع عن كثب بالتنسيق مع تركيا، وتقديم أي مساعدة مطلوبة”.
وفي سياق ذي صلة، أبدى المستشار الألماني أولاف شولتز عن تعاطفه مع ضحايا الزلزال، وقال في تغريدة: “نتقدم بخالص التعازي لأسر الضحايا، ونخشى على العالقين تحت الأنقاض”، كما غرَّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلاً: “تَرِدُنا صور فظيعة من تركيا وسوريا بعد زلزال بقوة غير مسبوقة. نتعاطف مع العائلات التي خسرت أفرادها”.
2– مسارعة الدول الغربية الكبرى لتقديم المساعدة: يلاحظ أن الدول الغربية الكبرى سارعت لتقديم المساعدات لتركيا؛ فالرئيس الأمريكي وجه الأجهزة الأمريكية بمواصلة “متابعة الوضع عن كثب بالتنسيق مع تركيا، وتقديم كل المساعدة الضرورية أيًّا كانت”، وأعلن البيت الأبيض عن إرسال فرقتَين تتألَّف كل واحدة من 79 مسعفاً، كما أكد المستشار الألماني أن ألمانيا ستقدم المساعدات الضرورية لتركيا وسوريا.
وأكدت فرنسا أيضاً تقديم مساعدات، وتم الإعلان عن توجه 139 من عمال الإنقاذ التابعين للأمن المدني إلى تركيا، وخصوصاً محافظة كهرمان مرعش، علاوةً على توجه نحو ثلاثين متطوعاً من جمعية “أجهزة الإطفاء للطوارئ الدولية” – ومقرها فرنسا – إلى تركيا.
3– تفعيل الاتحاد الأوروبي آلية الحماية المدنية: فقد قام الاتحاد الأوروبي بتفعيل “آلية الحماية المدنية” الخاصة به، وتمت “تعبئة فرق من عشر دول أعضاء بشكل عاجل”. وبحسب بيان صادر عن المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات “يانيز ليناركيتش”، غادر الفريقان الهولندي والروماني بالفعل يوم 6 فبراير الجاري للمشاركة في جهود الإغاثة بتركيا.
4– إعلان السويد واليونان عن استعدادهما لتقديم المساعدة: بالرغم من حالة التوتر القائم بين أنقرة وكل من السويد واليونان، فإن الدولتين أعربتا عن تعاطفهما مع أنقرة، وعرضتا تقديم المساعدات لتركيا؛ إذ ذكر رئيس الوزراء اليوناني “كيرياكوس ميتسوتاكيس” أن اليونان مستعدة “لتوفير كل قواتها لمساعدة تركيا”، كما أجرى اتصالاً هاتفياً بالرئيس التركي لتقديم التعازي في ضحايا الزلزال، وعرض تقديم المساعدة لتركيا.
وفي سياق متصل، أشار رئيس وزراء السويد “أولف كريسترسون” إلى أن بلاده “بصفتها شريكاً لتركيا ومُكلَّفة برئاسة الاتحاد الأوروبي، مستعدة لتقديم مساعدتها”، كما أعلنت السويد عن التبرع بنحو 650 ألف دولار للجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الهلال الأحمر مخصصة لتركيا وسوريا.
مسار المستقبل
ربما تدفع دبلوماسية الإغاثة والتعاطف الغربي مع تركيا إلى تهدئة التوترات بين أنقرة والدول الغربية، والتخفيف من حدة العداء بينهما، ومع ذلك ليس من المرجح أن تؤدي كارثة الزلزال إلى تغير راديكالي في العلاقات بين الطرفَين؛ فالعلاقات بين الطرفَين ستظل محكومة بمُعادَلة الحسابات البرجماتية لكل طرف؛ وذلك لاعتبارات جوهرية؛ قد يكون أهمها:
1– الخلافات الهيكلية الممتدة بين الدول الغربية وأنقرة: وخصوصاً أن الدول الأوروبية ترفض منح تركيا ورقة عضوية الاتحاد الأوروبي؛ فمنذ عام 1999، كانت تركيا دولة مُرشَّحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقد فتحت مفاوضات الانضمام في عام 2005. ولكن منذ يونيو 2018، توقفت المفاوضات بين الطرفَين فعلياً، ودخلت العلاقات بينهما في حالة من التدهور بشكل تدريجي؛ فوفقاً لتقييم المفوضية الأوروبية، فإن أنقرة لم تلتزم بإجراء الإصلاحات المطلوبة منها في المجالات الرئيسية لعملية الانضمام؛ حيث تشهد تراجعاً مستمراً في أداء مجالات الحقوق الأساسية وسيادة القانون واستقلال القضاء، فضلاً عن تدهور الحوكمة الاقتصادية واختلالات الاقتصاد الكلي.
ويبقى ملف شرق المتوسط أبرز عقبة في نظر الأوروبيين لتقريب السياسات الخارجية التركية مع الموقف الأوروبي الموحد، وهو ملف ذو شقين؛ يتعلق أولهما بالمسألة القبرصية، والثاني بالحدود البحرية والاستكشافات النفطية غير القانونية في نطاق الحدود اليونانية؛ الدولة العضو في الاتحاد؛ لذا عادةً ما ينتقد “أردوغان” أعضاء الاتحاد الأوروبي؛ لعدم مساندتهم بلاده في ملف انضمامها إلى التكتل، متهماً إياهم بأنهم لم يساندوا أوكرانيا إلا بعد أن تعرضت للهجوم الروسي، ومن ثم يتساءل أردوغان حول إذا ما كان التكتل ينتظر تكرار أزمة كييف نفسها حتى يتم اتخاذ مواقف جادة لضم بلاده إليه!
2– صعوبة تغير سياسة النظام التركي: ليس من المرجح أن تتغير سياسة النظام التركي تجاه الدول الغربية، بل يحاول توظيف الملفات المهمة للحصول على مكاسب؛ فعلى سبيل المثال، تُساوِم أنقرة على ضم البلدين: السويد وفنلندا، إلى الناتو مقابل موافقة واشنطن على شراء تركيا مقاتلات (F–16) المتقدمة؛ فخلال زيارة وزير الخارجية التركي إلى الولايات المتحدة، في شهر يناير الماضي، لم يُشِرْ صراحة إلى فنلندا والسويد في تعليقاته، لكنه أكد الأهمية التي تُوليها تركيا للفوز بموافقة الولايات المتحدة على شراء هذه المقاتلات، منتهزاً فرصة دعم إدارة بايدن هذه الصفقة، في حين أنها تواجه مُعارَضة كبيرة من الكونجرس.
هذا ويعتقد مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين أن الكونجرس لا يمكنه دعم بيع طائرات مقاتلة من طراز (F–16) لتركيا بقيمة 20 مليار دولار، حتى تُصدِّق أنقرة على عضوية السويد وفنلندا في حلف شمال الأطلسي. والجدير ذكره، أن هذه المرة هي الأولى التي يربط فيها الكونجرس بأسلوب صريح ومباشر بيع الطائرات لتركيا بعروض الانضمام إلى الناتو من دولتَي الشمال الأوروبي. ولكن تركيا لا تزال متعنِّتة بشأن عملية تسهيل انضمام السويد إلى الحلف؛ حيث أوضحت أنها قد تُوافِق على طلب عضوية فنلندا في الناتو قبل السويد، لكن الرئيس الفنلندي ووزير الخارجية رفضا هذه الفكرة، بحجة أن أمن كلٍّ من البلدين الشماليين يعتمد على الأخرى، ومن ثم فإن عملية الشد والجذب المُتبادَلة بين الطرفين قد تدفع إلى تعقُّد المشهد بينهما في هذه المسألة.
3– انتقال التوجهات السلبية إلى المجتمعات: ظهرت مؤشرات خلال السنوات الأخيرة عن انتقال التوجهات السلبية الحاكمة للعلاقات بين تركيا والغرب، إلى المجتمعات؛ فالعديد من المجتمعات تتبنى وجهات نظر سلبية تجاه تركيا، والأمر ذاته بالنسبة إلى المجتمع التركي؛ فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة Gezici التركية في ديسمبر 2022 أن 72.8% من المواطنين الأتراك الذين شملهم الاستطلاع يؤيدون العلاقات الجيدة مع روسيا. وبالمقارنة، يرى ما يقرب من 90% أن الولايات المتحدة دولة معادية، ومن ثم قد تلعب مؤشرات الآراء الشعبية دوراً في التأثير على سياسات أردوغان الخارجية، وخاصةً خلال الفترة المقبلة، في ظل استعداده للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، التي سبق أن أعلن عن موعد إجرائها المقرر في يوم 14 مايو المقبل. ومع ذلك، فإن الأمر يحتاج إلى المزيد من الوقت للتعرف على انعكاس المساعدات الغربية لتركيا عقب الزلازل على موقف المجتمع التركي من الغرب.
خلاصة القول: يبدو أن زلزال تركيا جاء ليسمح بقدر من التهدئة في العلاقات بين تركيا والدول الغربية، وإن كان من الصعب القول إن التضامن الغربي مع تركيا سيؤدي إلى تغير راديكالي في مسار العلاقات بين الطرفَين؛ نظراً إلى طبيعة الملفات المعقدة التي تشتبك فيها تركيا مع الدول الغربية. وهكذا سيظل الطرفان يحافظان على علاقات برجماتية تخدم مصالح كلٍّ منهما؛ فالغرب يحتاج إلى تركيا لاعتبارات أمنية وسياسية وكذلك اقتصادية في ضوء انفتاح الأخيرة على موسكو. ومن جهتها، لن تضحي تركيا بعلاقاتها مع الدول الغربية، وهو ما يعني أنه من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – أن تدفع أنقرة الأمورَ إلى نقطة اللاعودة، وخصوصاً فيما يتعلق بملف الأعضاء الجدد في حلف الناتو.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
وثائق وحكايات