أحدث الموضوعات
عبد الحليم قنديل يكتب: أمريكا وإيران والاتفاق المعلق
-
27 أغسطس 2022, 3:57:29 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
رغم رواج سابق لاهث لتوقعات متفائلة بقرب إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني، وتحديد تواريخ سريعة للتوقيع عليه، خصوصا بعد الرد الإيراني على المسودة الأوروبية الأخيرة، الذي وصف بالمعقول من قبل جوزيب بوريل منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، ثم الرد الأمريكي المتحفظ على ما سماه ثغرات ومطالب إيرانية مستجدة، والداعى لجولة مفاوضات أخيرة في فيينا، أو في خارجها، وتواتر أحاديث لمسؤولين أمريكيين كبار، تعدد مزايا الاتفاق في صيغته الجديدة، وضرورته القصوى في لجم تطور البرنامج النووي الإيراني، واعتباره خيارا دبلوماسيا لا بديل عنه في الوقت الراهن.
رغم كل هذه التطورات المتسارعة، والإسهاب في أحاديث مزايا العودة للاتفاق على أطرافه، من نوع رغبة أمريكا وأوروبا في إعادة البترول الإيراني رسميا لأسواق الطاقة، واحتمالات دفع إيران تدريجيا لتصدير ما قد يصل إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا، واستفادة إيران بالمقابل من رفع أغلب العقوبات المفروضة عليها، وكسبها الوارد لمئات مليارات الدولارات تنعش اقتصادها المأزوم، ورغم كل هذه الاعتبارات وغيرها، لا تبدو العودة للاتفاق مؤكدة ولا قريبة، وربما يستطيل المدى الزمنى للمفاوضات المستأنفة، ويبقى الاتفاق معلقا حتى إشعار آخر إضافي، ربما بسبب شياطين كثيرة تسكن في التفاصيل..
صحيح، أن الطرفين الأمريكي والإيراني يروجان لتنازلات قدمها الطرف الآخر، من نوع الكلام الأمريكي عن تنازل طهران في موضوعات أساسية، أولها التنازل عن شرط رفع «الحرس الثورى الإيراني» من قوائم الإرهاب الأمريكية، فيما تدعى طهران أنها لم تطرح هذا الشرط أبدا، وأن البرنامج التنفيذي للاتفاق يتضمن رفع العقوبات عن مئات المؤسسات الإيرانية، كثير منها مملوك ضمنا للحرس الثوري، وتقول واشنطن إن الاتفاق المطروح يجمد البرنامج النووي الإيراني، ويلزم طهران بأسقف منخفضة لحيازة اليورانيوم المخصب، وبنسبة تخصيب لا تجاوز 3.67%، تماما كما نص اتفاق إبريل 2015، الذي خرج منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2018، وبما دفع إيران إلى رد درامي في الاتجاه المعاكس، بالتملص من التزاماتها، والخروج من البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووقف عمل كاميرات مراقبة، واستبدال أجهزة طرد مركزي بأجيال أحدث، والقفز بنسبة التخصيب إلى 20%، ثم إلى 60% بعدها، وبما راكم لدى إيران كميات هائلة من اليورانيوم المخصب بنسب متقدمة، تكاد تقارب نسبة 90% المطلوبة لإنتاج قنابل ذرية، وكل ذلك عرضة للتوقف، إذا تم توقيع الاتفاق الجديد، إضافة لسحب أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وتخزينها تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عدا ضرورة تقديم إيران لتفسيرات مقنعة لوجود آثار يورانيوم في أماكن أخرى سرية خارج منشأة «نطنز» شمال أصفهان، وهي الوحيدة المسموح فيها بالتخصيب المنخفض حسب اتفاق 2015، الذي نص على وقف التخصيب في منشأتى «فوردو» ومفاعل «آراك» للماء الثقيل، وكلها ترتيبات تنص المسودة الجديدة على العودة لشروطها، ومد فترة سريان الاتفاق من 2025 إلى 2031، فيما تقول طهران إنها غير مطالبة بتفكيك تطورات برنامجها النووي، وهو ما يثير متاعب متوقعة، حتى في حال التوقيع على اتفاق الإحياء، خصوصا مع الالتزام المتبادل المنصوص عليه في المسودة الأوروبية الأخيرة، ووجود برنامج تنفيذي متدرج، يوازي بين رفع العقوبات وتنفيذ طهران للشروط، ويبدأ ببرنامج أولي لمدة ستة شهوركاختبار ثقة للنوايا، وهو ما يهدد بوقف العملية كلها مع أول خلاف، وبالذات مع رفض واشنطن تقديم ضمانات لدوام التزامها بالاتفاق، بدعوى أن كل إدارة أمريكية حرة في الالتزام من عدمه، وأن إدارة الرئيس الحالي جو بايدن، لا تملك حق إلزام إدارة تليها، وأنه لا ضمانة أكيدة تمنع تكرار واقعة إلغاء ترامب التزامه بالاتفاق، والعودة لفرض العقوبات الأمريكية على طهران، وإضافة عقوبات جديدة، وهو ما دفع طهران إلى طلب إلزام أمريكا بدفع غرامة مالية ضخمة حال التراجع عن الاتفاق، وهو ما لا تبدو واشنطن مستعدة للتسليم به، وإن طرح الأوروبيون صيغا في صورة ضمانات لعدم العودة لمعاقبة الشركات الغربية، التي تقرر التعامل مع إيران، وكلها تفاصيل كرؤوس الشياطين في أثرها، قد تعيد وضع العصى في العجلات، حتى بافتراض العودة السريعة التي تتلكأ لمبدأ إحياء الاتفاق. ولا يبدو الرهان مضمونا على إقدام إدارة بايدن بالعودة السريعة للاتفاق الإيراني، صحيح أن تفسيرات بعض متنفذيها المتحمسين تبدو وجيهة للوهلة الأولى، فالاتفاق يضمن مراقبة لصيقة وتفتيشا لحظيا للبرنامج النووي الإيراني، وقد يضيف لموقع أمريكا العالمي في الصراع مع معسكر روسيا والصين، بضمان تدفقات أكبر للبترول تخفض سعره، وتضر بالخزانة الروسية المعتمدة كثيرا على صادرات الطاقة، وقد تساعد أوروبا الحليفة لواشنطن في التعجيل بخطة الاستغناء عن موارد الطاقة الروسية، خصوصا مع حيازة إيران لثاني أكبر احتياطي عالمي من موارد الغاز الطبيعي، إضافة لتضييق فرص التحالف الإيراني مع موسكو وبكين، ورغم وجاهة هذه التصورات من وجهة النظر الأمريكية، إلا أن المصاعب الداخلية لإدارة بايدن تلعب في الاتجاه المضاد، فالجمهوريون في الكونغرس وخارجه، ضد مبدأ إعادة الاتفاق مع طهران، وعدد متزايد من النواب الديمقراطيين في الاتجاه نفسه، ورغم انخفاض نسبي ملحوظ في سعر «البنزين» في أمريكا مؤخرا، إلا أن ذلك قد لا يساعد حزب بايدن الديمقراطي في الحفاظ على الأغلبية في مجلس النواب، فضلا عن انتفاخ ظاهرة «الترامبية» في الحزب الجمهوري المنافس، بعد تفتيش محل إقامة الرئيس السابق في فلوريدا بحثا عن وثائق سرية، وتواتر مظاهر لتراجع الديمقراطيين في انتخابات متفرقة ببعض الولايات، تشير إلى ترجيح فرص هزيمة حزب بايدن في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بمجلسيه أوائل نوفمبر المقبل، أضف إلى ذلك عنصرا لا يصح إغفاله، هو تزايد حملات «اللوبي الصهيوني» ضد الاتفاق مع إيران، وكلها اعتبارات قد تجعل بايدن منخفض الشعبية أصلا، يعيد حساباته على الأقل في المدى الزمني المطلوب للعودة إلى الاتفاق، والتراجع بخطوتين عقب كل تقدم بخطوة واحدة، فإذا فقد بايدن أغلبية حزبه في الكونغرس، وهو ما يبدو محتملا بشدة، فسوف يتحول ساكن البيت الأبيض مبكرا إلى «بطة عرجاء»، وإلى نصف رئيس أو ربع رئيس، وبالذات مع الإخفاقات التي تعانيها الإدارة الأمريكية في حرب أوكرانيا، وفي التوتر المتزايد مع الصين حول قضية تايوان، وفي الركود التضخمي الذي يكابده الاقتصاد الأمريكي، وهو ما قد يغير جزئيا في توازنات معادلة علاقة واشنطن مع تل أبيب بعامة، فقد يكون صحيحا أن «إسرائيل» لا تصنع السياسة الأمريكية في المنطقة، وأن العكس هو الأقرب للصحة، لكن كيان الاحتلال الإسرائيلي، يحاول قلب المعادلة، ويستغل ثغرات إدارة بايدن، وتراجع رأسمالها السياسي الداخلي، ويسعى لفرض «الفيتو» الإسرائيلي على موائد السياسة الأمريكية، والحيلولة دون توقيع اتفاق مجدد مع إيران، ودفع واشنطن لإعطاء ضوء أخضر لمهاجمة الداخل الإيراني عسكريا، وهو ما لا تريد واشنطن المشاركة فيه في المدى المنظور، وإن كانت لا تمانع في شن ضربات محدودة على مواقع للحرس الثورى الإيراني في سوريا، كما فعلت في «دير الزور» قبل أيام.
وربما تكون هناك مصلحة إيرانية أكبر في العودة المستعجلة للاتفاق، وبالذات في التفريج الاقتصادي لمتاعبها السياسية والاجتماعية الداخلية، وضمان فرص مضافة لبقاء النظام الإيراني الحاكم، إلا أن طهران على ما يبين، لا تضع كل بيضها في سلة الاتفاق النووي، ولا تستبعد خيار بقاء الوضع على ما هو عليه من دون اتفاق، والاستمرار في خطط التحايل على العقوبات الممتدة، ما دام برنامجها الصاروخي بعيدا عن أي نقاش، وما دامت تدخلاتها الواسعة في المنطقة بعيدة عن أي اعتراض أمريكي مؤثر، وما دامت علاقاتها تتحسن جزئيا مع الأطراف الخليجية العربية، بعودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الإمارات، وبتطوير المفاوضات التطبيعية على نحو علنى مع السعودية، فضلا عن علاقاتها المستقرة مع قطر وعمان والكويت، والتحسن المطرد في علاقاتها الدولية مع روسيا وقواتها في سوريا، واستطراد عملية توثيق العلاقات مع الصين، التي عرضت اتفاقا بتقديم 400 مليار دولار استثمارات لطهران في سنوات ربع القرن المقبل، إضافة لتعاون بكين في استيراد البترول الإيراني، رغم العقوبات، والمعنى في كل هذه الجوانب ظاهر جدا، فهي تضمن لإيران حريتها في تطوير برنامجها النووي من دون رقابة، وربما تخطي العتبة النووية إلى صناعة قنبلة نووية، ودونما مبالاة بفتاوى تحريم سابقة، لا يوجد دليل مرئي على سريانها، فالسياسة في إيران هي التي تصنع الفتاوى، وتلغيها وقت الحاجة.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
كتب ودراسات