أحدث الموضوعات
صوفي تويبر: فنٌّ يتمشّى بين قرنين
-
4 أبريل 2022, 12:04:06 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
إسماعيل كرك
إذا كانت الحياة عقلانيةً ومقبولة، فلماذا على الفن أن يكون مختلفاً؟» بهذا التساؤل البسيط والمهم عبَّر فنانو (الحياة الجديدة) الذين قدَّموا خلال السنوات الأولى من القرن العشرين أعمالاً غايةً في التفرُّد والتمرُّد، ورسموا خريطة الإنسان الأخلاقية لأكثر من مئة عام. من بين هؤلاء كانت السويسرية صوفي تويبر، التي أبدعت بالرسم، النحت، التصميم الفني والرقص.
سنة 1915 التقت بهانز آرب (الذي سيصبح من أهم فناني القرن) ثم تزوجا بعد ذلك بسبع سنوات في (أسكونا) البلدة الجميلة في (تيشينو) – الكانتون السويسري الناطق بالإيطالية. بعد زواج صوفي المغرمة بالإنجاز، المتعددة المواهب، عانت الكثير بصبر لا يعرف الهزيمة، بين حربين هُزِمَ فيهما الجميع، كما يدرك ويعرف الجميع!
يتذكرها زوجها الفنان العالمي هانز آرب: «عاشت تويبر في أعمالها ما تصنَعُهُ من تصوُّرات للشَعر الطويل، الخطوط، الدوائر والمثلثات فأوجدت دروباً تسير بها خلال الحلم والحقيقة». وفي إحدى مقالاته يصفها فاسيلي كاندينسكي مُنَظِّر الفن الحديث متحدثاً عن تجربتها المميزة: «عبّرت تويبر في السنوات الأخيرة من حياتها، مستخدمةً بشكلٍ حصري أبسط الأشكال الهندسية، من خلال رصانتها، وطريقتها في الاكتفاء بنفسها، إنها تدعو اليد – إذا كانت ماهرةً – إلى استخدام اللغة المناسبة لها، التي غالباً ما تكون همسةً؛ لكن في كثير من الأحيان يكون الهمس أكثر تعبيراً، وأكثر إقناعاً من الصوت العالي الذي ينفجر هنا وهناك».
ابتداء من عام 1915 مروراً بعشرينيات القرن العشرين المعقَّدة سياسيا واقتصادياً خطت تويبر خطاها الأولى نحو زيوريخ – نيدردورف ووصلت إلى (شبيغل غاسيه) لتلتقي هناك بالدادائيين في (كباريه فولتير) وترسم على الجدران وتبدع في الرقص مع كل من ماري ويغمان، وإيمي هينينغز، التي وصفتْ روح الفن لدى تويبر: «تمنحنا الجدران التي قامت بِطِلائِها بألوانها، أطيافاً لِغُرَفٍ لا تنتهي، لِبَيتٍ كأنه صندوق كنز.. يستطيع المرء النظر إلى أعمالها بعيون جديدة فهي مصباح يضيء كهفاً رُخامياً».

آمنت تويبر الممتلئة بالطاقة الإيجابية والشخصية الهادئة، بإمكانية الحل والتعايش مع المعاناة بإسقاط الراء من كلمة حرب، وبالتفاني والعمل الجاد لتقديم الأجمل والأكمل. تسأل نفسها في رسالة إلى هانز آرب: «إذا لم يكن هناك أي شيء أفْضَل للقيام به، فسوف أختار حتى الموت من التعب لكسب بعض المال، أريد أن أخبركَ أيضاً أن عمل الخرز جميل وأحبه كثيراً، لكنه شاقٌ بشكل غير معقول، لأنه مجرد خيال ولا يخترع أي شيء جديد». إنها إذن تعي في رسالتها مرارة الواقع وصعوبة العيش، إلا أنها وجدت الحل المناسب لاحقاً، عندما وظَّفت فنّها وخبرتها في التصميم الفني في أُطر الفن التجريدي الصِرْف. تتكون أشكالها المطلية بلون وحيد، من مخاريط خشبية ودبابيس متصلة بأسلاك، لتشكِّل دُمىً مبتكَرة ومميزة، صممتها في النهار، لتتمكن من متابعة دروسها في مدرسة رقص (رودولف لابان) مساء، كما أقامت عروض رقص دادائية أثناء أمسيات الشِعر في كباريه فولتير، التي شارك فيها كل من تريستان تزارا، أبولينير، لوي أراغون وبول إيلوار، ومارسيل يانكو، ومن أشهر الأعمال الشعرية التي رقصت على كلماتها قصيدة (كرفانة) للشاعر هوغو بال وهي غرائبية مبتكرة تنتمي إلى (شِعر الصوت). ثم أسَّسَتْ مع هانز آرب ومجموعة من الدادائيين مجلة «بلاستيك» التي صدرت منها خمسة أعداد ثم توقفت.
افتُتِحَ معرضها الدادائي الأول بتاريخ 11 أيلول/سبتمبر 1918 في (مسرح ماريونيت) في زيوريخ. وعلى الرغم من أن المعرض نال إشادة كبيرة من نقاد الفن الحديث، إلا أنه لم تتم الموافقة على تكراره سوى ثلاث مرات، لأن المسرح المذكور أُغلق بسبب تفشِّي الأنفلونزا الإسبانية آنذاك.
ولدت الفنانة متعددة المواهب في دافوس (كانتون غراوبوندين) بعدها انتقلت مع أمها لتقضي أيام طفولتها في « المنزل الأحمر» في (تروغين – كانتون سانت غالين) الذي يعتبر أحد أهم المحطات التي يزورها المهتمون بالحركة التجريدية. مؤخراً ومنذ السنة الماضية تم اعتبار حياتها وعملها محوراً لمعرض دولي في بلدتها تروغين، كما أشارت إلى ذلك الصحافية شارلوت كايل في صحيفة «تاغ بلات» السويسرية في عددها الصادر بتاريخ 10/04/2021.
الجدير بالذكر هنا أيضاً، أنه اعتباراً من سنة 1995 حتى سنة 2016 وكَتَثمين لفنّها وضع السويسريون صورتها على العملة الورقية السويسرية فئة 50 فرنكا، لتعريف عموم السويسريين والمتعاملين بالعملة السويسرية بإبداعها ودورها العالمي المؤسِّس للفن التجريدي، حيث كانت ترتدي قبعة لتبدو بشكل خارق، كواحدة من رؤوس الدادائية المتناظرة.
توجد الدُمى التي صممتها تويبر في (متحف فن التصميم في زيوريخ) حيث تمت إعارتها من أجل إقامة معرض استعادي كبير بدأه متحف الفن في مدينة بازل في آذار/مارس 2021 ثم انتقل إلى معرض الفن (تيت موديرن) في لندن من العام ذاته وصولاً إلى متحف نيويورك للفن الحديث الذي انتهى في الثاني عشر من مارس 2022.
هناك في نيويورك وُضِعت في مكانها الصحيح كمحرك رئيسي بين دادائيِّ زيوريخ، بعدما أُغفل ذِكرها لعقود في أوروبا، فلَمعت ألوانها المائية المجردة، المنحوتات الخشبية المطلية والدمى، الحقائب المزيّنة بالخرز، والنوافذ ذات الزجاج الملوّن، لأن فنها النابض كان بإمكانه فعل كل شيء. تويبر، أيضاً، خجولة بشكل غريب بشأن مصادرها الفنية، نظراً لإسقاطاتها التجريدية المهمة والتي استٌخدمتّ في المنسوجات الأمريكية و إيحاءاتها المهمة لتطوير أعمال النحاتين الحداثويين الأفارقة «والتي تغرق ألوانها وأنماطها في حوار مع الاستعمار والإثنوغرافيا. في نيويورك وجد زائرو المتحف الكثير مما يمكن تخيُّله، يشدِّدُ على ذلك جايسون فاراكو الصحافي الأمريكي المتخصص في شؤون الفن. كان الهدف من المعارض الثلاثة إخراج صوفي تويبر من ظل زوجها هانز آرب (أو جان آرب كما يسميه الفرنسيون) الذي يرى الفنانة السويسرية، الشخصية المركزية الاعتبارية للحداثة التجريدية.

في متحف الفن في بازل طارت روح تويبر فرِحةً، لأنها لا تعترف ببدعة المقدَّس الرأسمالي المثلث: رب العمل، الآلة والوقت اللازم للإنتاج، وأكملتْ تلك الطاقة الملموسة رحلتها واتحدت بروح العالم.. بلى العالم: تلك الدمية ذات العُقدتين والرأس الخشبي المصبوغ، القادر على التجريد، الرقص والقصيد، فانتصرت على الشَرَك الذي نُصِبَ لها بين حربين، لتثبت أن الدمار الذي تخلِّفه الحروب لن يمنع هذا العالم، من أن يُشفى من آلامه، دون ذكريات، وبلا ذبذبات حروف لفظة.. (لكن) المترددة! أما في (تيت موديرن) في لندن فقد كتبت الصحافية البريطانية لورا كامينغ: «في خطوطها ترفرف وترقص وتتقاطع تشكيلات مجرَّدة رائعة». وعلى الرغم من أن الجرائد لم تنشر عنها الكثير آنذاك، إلا أن تويبر تخرج هذه الأيام من النتيجة الهزيلة للقاسم المشترك للحرب، محاولةً إعادة ترتيب الجمال وإعادته إلى مفاهيمه الأصيلة، لأنها بحق تلك المرأة التي رسمت روحها المتحركة على جدران الوقت، وحملتْ عَلَمَ هوغو بال بيدها اليسرى (أيضاً) لِتُجَرِّدَ العالم من سلاح ينوي بَقْرَ بطن الحُلم وإعادته إلى الإيقاع الصِفري، وما زالت تحاول إعادة تزيين هذا القرن، كما فعلتْ في القرن العشرين بخَرَزِها الجميل، لتدافع عن فن تجريدي خالص أساسه خطوط الدائرة، المستطيل والمثلث، فنٌّ ينظِّف الأمكنة من زوغان الواقع ومن قواميسه المزدحمة التي لا تقول كثيراً مما يجب أن يُعاش.
كاتب سوري
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 4 سنوات