أحدث الموضوعات
صدمات مُربكة: لماذا تتفاقم أزمة الديون في اقتصادات الأسواق الناشئة؟
-
22 يوليو 2022, 7:35:36 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
يعاني الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي من أزمة شديدة نتيجة التحديات المُركَّبة التي يواجها، والتي يأتي على رأسها التداعيات الممتدة لجائحة كورونا، والتي فاقمتها الأزمات التي نجمت عن الحرب الروسية الأوكرانية. وقد كانت اقتصادات الأسواق الناشئة هي الأكثر تضرراً؛ حيث أشارت تقديرات اقتصادية مؤخراً إلى أن الأسواق الناشئة نتجه إلى تحقيق أسواء أداء لها خلال النصف الأول من عام 2022 منذ 24 عاماً؛ وذلك نتيجة لقلق المستثمرين من ارتفاع معدلات التضخم، والتداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي من تشديد السياسة النقدية. وفي هذا الإطار، نشر موقع “الإيكونوميست” مقالاً بعنوان “53 اقتصاداً ناشئاً هشاً”، بتاريخ 20 يوليو 2022، تطرق إلى مظاهر تفاقم أزمة الديون في الأسواق الناشئة، والأسباب التي تقف وراء ذلك، ومدى تأثر الأسواق الناشئة بتداعيات الأزمة الاقتصادية.
أعباء متزايدة
سرد المقال في البداية مجموعة من المؤشرات التي رأى أنها تدلل على تفاقم أزمة الديون في الأسواق الناشئة خاصةً مع تشديد الدول المتقدمة لسياساتها النقدية، وتتضح هذه المؤشرات عبر ما يلي:
1- عجز حكومة سريلانكا عن خدمة ديونها الخارجية: وفقاً للمقال، أعلنت سريلانكا في أبريل الماضي أنها لم تعد قادرة على خدمة ديونها الخارجية؛ حيث سعت حكومتها للحصول على مساعدات من الهند وروسيا لدفع ثمن الواردات الأساسية، وارتفع معدل التضخم السنوي في يونيو الماضي إلى 55% على أساس سنوي. وبحسب المقال، أدت تلك الأوضاع في 9 يوليو الجاري إلى اقتحام الآلاف من السريلانكيين -الذين خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن إحباطهم من الأزمة الاقتصادية في البلاد- مقر إقامة الرئيس، ولم يمض وقت طويل حتى وردت أنباء عن فرار الرئيس “جوتابايا راجاباكسا” من البلاد.
2- وصول أعباء الديون لمستويات عالية في 53 دولة: أوضح المقال أن ما حدث في سريلانكا دلالة على تدهور الأوضاع الاقتصادية في بعض من دول الأسواق الناشئة الأخرى؛ حيث وصلت أعباء الديون في الدول الفقيرة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، ودخلت الاقتصادات الناشئة عصراً من المعاناة الاقتصادية الشديدة. وطبقاً للمقال، تدفع بعض هذه الدول فاتورة سنوات من خيارات الميزانية الصعبة وضعف النمو الاقتصادي، وهناك حوالي 53 دولة تعاني في هذا الصدد، ويصنفها صندوق النقد الدولي بأنها تعاني من ديون لا يمكن سدادها، أو تخلفت بالفعل عن سداد بعض الديون.
ضغوط متزامنة
قدم المقال مجموعة من الأسباب التي رأى أنها تفسر تفاقم أزمة الديون في بعض الأسواق الناشئة، ويمكن توضيح هذه الأسباب من خلال ما يلي:
1- ارتفاع تكلفة الغذاء والطاقة وتباطؤ الاقتصاد العالمي: رأى المقال أن السبب الرئيسي لتفاقم أزمة الديون في الأسواق الناشئة تتمثل في ارتفاع تكلفة الغذاء والطاقة وتباطؤ الاقتصاد العالمي والزيادة الحادة في أسعار الفائدة حول العالم. وأوضح المقال أن الوضع الاقتصادي القاتم في الأسواق الناشئة في الوقت الحالي مشابه لما حدث له في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. ونوه المقال إلى أن صدمات الاقتصاد الكلي، وارتفاع التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة في الدول المتقدمة في الثمانينات والتسعينات، دفعت العديد من الاقتصادات الفقيرة المثقلة بالديون إلى مواجهة العديد من الأزمات المالية. ودلل المقال على ذلك بإعلان حكومة المكسيك في أغسطس 1982 بأنها لم تعد قادرة على خدمة ديونها الخارجية، وعجزت أكثر من 30 دولة من الأسواق الناشئة عن سداد ديونها قبل انتهاء العام نفسه.
2- اضطرار الأسواق الناشئة للاقتراض بالعملات الأجنبية: أكد المقال على أن الأسواق الناشئة تبنت مجموعة من السياسات الاقتصادية في مطلع الألفية الجديدة لمواجهة الأزمات المتتالية التي تعرضت لها، وهو ما أدى إلى تحسينات واسعة النطاق في السياسات المالية للاقتصادات الناشئة. ووفقاً للمقال، وبحلول عام 2008 عندما عانت الدول المتقدمة من أزمة مالية، وبلوغ مستوى الدين العام في الاقتصادات الأفقر حوالي 33% من الناتج المحلي الإجمالي؛ فلم يكن أمام معظم حكومات الأسواق الناشئة للاستفادة من رأس المال العالمي خيار سوى الاقتراض بعملة أجنبية.
ونوه المقال إلى أن هذه الخطوة كانت محفوفة بالمخاطر، وتسببت في خفض قيمة العملة المحلية. وبحسب المقال، ونتيجة لذلك في مطلع الألفية الجديدة، كان حوالي 85% من الديون الجديدة الصادرة خارج الولايات المتحدة وأوروبا واليابان مقومة بالعملة الأجنبية. وطبقاً للمقال، لكن بحلول عام 2019 ومع نضوج النظم المالية للاقتصادات الناشئة، كان ما يقرب من 80% من السندات القائمة في جميع أنحاء الأسواق الناشئة مقومة بالعملة المحلية، حيث أصبحت هذه الدول أكثر قدرة على الاستفادة من أسواق رأس المال المحلية.
وأكد المقال على أن الأسواق الناشئة استفادت من الأزمات السابقة لزيادة احتياطاتها من النقد الأجنبي؛ إذ ارتفعت الاحتياطيات من أقل من 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2005 إلى 15% في عام 2020. وطبقاً للمقال، وبفضل هذه الاحتياطات الضخمة نجحت معظم الأسواق الناشئة في تحمل النمو البطيء في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وصدمة جائحة كورونا، وتعثرت 6 دول فقط في عام 2020، بما في ذلك الأرجنتين والإكوادور ولبنان.
3- تراكم الديون نتيجة مرونة الاقتراض بالعملة المحلية: أوضح المقال أن المرونة التي اتبعتها الأسواق الناشئة في الاقتراض بالعملة المحلية أدت تراكم المزيد من الديون عليها؛ فبحلول عام 2019 بلغ الدين العام 54% من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة. وأكد المقال على أن جائحة كورونا أدت إلى تزايد الاقتراض، ففي عام 2020 كان متوسط عجز الموازنة للاقتصادات الناشئة 9.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت نسبة ديونها بمقدار 10% في عام 2020 فقط، واستقر الاقتراض في عام 2021 مع انتعاش الاقتصادات.
وشدد المقال على أن الوضع الاقتصادي للأسواق الناشئة ينتابه الآن حالة من عدم اليقين؛ حيث أدى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة في أعقاب التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا إلى انخفاض النمو في معظم أنحاء العالم، مما أدى إلى زيادة أعباء الديون. وأشار المقال إلى أن ارتفاع فواتير الاستيراد أدى إلى استنزاف العملة الصعبة في العديد من الدول الناشئة، مما أدى إلى تآكل قدرتها على خدمة الديون الخارجية. وتوقع المقال أنن تتدهور الأوضاع بشكل أكبر مع استمرار البنوك المركزية في العالم المتقدم في رفع أسعار الفائدة، خاصةً من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؛ حيث يُتوقع أن يقترب سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية من 3.5% بحلول نهاية العام الجاري.
تأثيرات متفاوتة
صنف المقال الأسواق الناشئة إلى ثلاث مجموعات من حيث مدى التأثر بتداعيات الأزمة الاقتصادية الراهنة على الأوضاع المالية بها، وتتمثل أبرز هذه التأثيرات فيما يلي:
1- تفاقم الأوضاع بشدة بالدول منخفضة الدخل: نوه المقال إلى أنه سيكون من الصعب على الدول الفقيرة تحمل أعباء الديون الثقيلة وتباطؤ النمو العالمي معاً، خاصةً الدول التي كانت أقل قدرة على الاقتراض بعملاتها الخاصة، والتي كانت تعاني اقتصادياً بسبب تداعيات جائحة كورونا. ولفت المقال إلى أنه من بين 73 دولة ذات دخل منخفض مؤهلة لتخفيف أعباء الديون بموجب مبادرة مجموعة العشرين، تحمل ثمانية دول أعباء دين عام اعتبرها صندوق النقد الدولي غير مستدامة، و30 دولة أخرى معرضة بشدة لخطر الوقوع في مثل هذا الوضع. ووفقاً للمقال، وعلى الرغم من أن مشاكل الديون في هذه الدول تشكل تهديداً ضئيلا للاقتصاد العالمي؛ حيث إن الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول يعادل تقريباً الناتج المحلي الإجمالي لبلجيكا، لكنها موطن لما يقرب من 500 مليون شخص يعتمد مصيرهم على قدرة حكوماتهم على الاستثمار في البنية التحتية الأساسية والخدمات العامة.
2- تزايد احتمالية التعثر بالدول متوسطة الدخل: بحسب المقال، تعاني أيضاً الاقتصادات ذات الدخل المتوسط، والتي هي أكثر اندماجاً في النظام المالي العالمي، من المخاطر السياسية التي تعقب الأزمات الاقتصادية؛ فهناك 15 دولة إما في حالة تخلف عن السداد أو لديها سندات سيادية يتم تداولها عند مستويات متعثرة، وتشمل هذه الدول السلفادور وباكستان وتونس. وطبقاً للمقال، كما يعتقد صندوق النقد الدولي أن حوالي 16% من الدين العام في الأسواق الناشئة مقوم بالعملات الأجنبية، وهذا يثير احتمال أن أي ضغوط ائتمانية تواجهها الحكومات ستؤثر على نظامها المصرفي، مما قد يؤدي بدوره إلى إضعاف الإقراض وقد يؤدي ذلك إلى أزمة صريحة، فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي ارتفعت حصة الدين العام الذي تحتفظ به البنوك المحلية في الأسواق الناشئة على مدى العقدين الماضيين إلى حوالي 17% من الناتج المحلي الإجمالي.
3- قدرة الدول الناشئة الكبرى على مواكبة الأزمة: أوضح المقال أن عدداً من الدول الكبرى في الاقتصادات الناشئة، خاصةً المصدرة للسلع الأساسية، استفادت من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة مؤخراً، منها البرازيل، كما أدت احتياطاتها الضخمة من العملات الأجنبية إلى طمأنة الأسواق حتى الآن. وأشار المقال إلى أن الرئيس البرازيلي “جايير بولسونارو” يحاول كسب الدعم قبل الانتخابات المقرر إجراؤها في أكتوبر القادم من خلال تخفيف القيود المالية للبلاد، وهو ما زاد من عبء الديون الثقيل على البلاد.
ولفت المقال إلى أن تركيا تتمتع باقتصاد ديناميكي ومستوى متواضع من الدين العام، لكنها تعاني من ارتفاع الديون المقومة بالعملات الأجنبية في ظل تراجع الاحتياطات الأجنبية، خاصةً في ظل إصرار الرئيس “رجب طيب أردوغان” على إبقاء البنك المركزي أسعار الفائدة منخفضة بشكل غير مبرر في مواجهة التضخم المتصاعد، الذي قفز إلى ما يقرب من 80%، كما انهارت قيمة الليرة على مدى السنوات الأربع الماضية، وبدون تغيير تلك السياسة الاقتصادية قد تواجه تركيا أزمة ميزان المدفوعات. وشدد المقال على أن أكبر الأسواق الناشئة في العالم، وعلى رأسهم الصين والهند، قد لا تتعرض لخطر كبير بحدوث أزمة خارجية؛ خاصةً وأن كلاهما لديه احتياطات ضخمة من احتياطيات النقد الأجنبي، الأمر الذي يمكنهما من باحتواء الأزمة الاقتصادية.
مبادرات ضعيفة
على الرغم من أن المقال أكد على أهمية مبادرات الإعفاء من الديون لمساعدة الدول الفقيرة والتي تعاني من ارتفاع مستويات الديون، لكنه رأى أن هذه المبادرات كانت ضعيفة للغاية، وذلك كما يلي:
1- فشل الإطار المشترك في تخفيف أعباء الديون: أوضح المقال أن الإعفاء من الديون من شأنه أن يساعد الدول على التخلص من أزمة الديون، مشيراً إلى أن مجموعة العشرين قدمت مبادرة تعليق خدمة الديون أثناء جائحة كورونا، والتي من خلالها كان أكثر من 70 دولة مؤهلة لتأجيل الديون، ثم توفر هذا الأمر من خلال الإطار المشترك الذي يهدف إلى توفير إطار لضمان مساعدة أوسع. ووفقاً للمقال، ورغم ذلك فشل هذا الإطار في اكتساب قوة دفع، وطلبت ثلاث دول فقط المساعدة حتى الآن من خلاله، وتضاءلت آفاق تحسين هذا الإطار، أو التوصل إلى اتفاق بشأن تخفيف الديون.
2- وجود غموض حول القدرة الاقتراضية للصين: طبقاً للمقال، أشار بحث مقدم من معهد كايل للاقتصاد العالمي وجامعة هارفارد إلى غموض قوة الإقراض الصيني؛ حيث يُعتقد أن ما يقرب من نصف إقراض الصين في الخارج لم يتم الإبلاغ عنه. ونقل المقال عن هذا البحث ما يفيد بأن حجم الإقراض الصيني خلال الفترة من 1998 إلى 2018، ذهب الجزء الأكبر منه إلى الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل، وبلغ حجم هذا الإقراض ما يعادل 2% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
كما نقل المقال عن البحث كذلك أنه اعتباراً من عام 2017، بلغ الدين المستحق للصين على كينيا 10% من الناتج المحلي الإجمالي لها، كما أن الصين دائن كبير لسريلانكا، بما يعادل 8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017. ونوه المقال إلى أن العديد من الاقتصادات المثقلة بالديون لا تطالب الصين بإعفائها من الديون، خوفاً من فقدان الوصول إلى التمويل الصيني في المستقبل، كما أدى تدهور العلاقات بين الصين والغرب إلى تقليص نطاق التعاون في معالجة مشاكل الديون للدول الأقل فقراً.
وختاماً، أكد المقال على أن هناك 53 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل تعاني بالفعل من مشاكل الديون، مشيراً إلى أن اقتصادات هذه الدولة تمثل مجتمعة حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وشدد المقال أن ما يثير القلق هو وجود القليل من الخيارات المتاحة لتجنب الأزمة، ومنها إنهاء الأزمة في أوكرانيا، حيث توجد احتمالية ضعيفة لتحقق هذا الأمر. وأشار المقال كذلك إلى أن انتعاش النمو في الصين أو في أي مكان آخر سيكون سلاحاً ذا حدين، حيث رأى أنه سيعزز النمو، ولكنه سيساهم أيضاً في زيادة التضخم، ومزيد من الارتفاع في أسعار الفائدة في الدول المتقدمة.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
تحليلات