أحدث الموضوعات
صبحي حديدي يكتب: أمريكا الحزب الجمهوري استعصاء «أسلحة الإيهام الشامل»
-
6 يناير 2023, 11:34:55 ص
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
حتى ساعة كتابة هذه السطور، كان النائب الجمهوري كيفن مكارثي قد فشل في حيازة الـ218 صوتاً التي تكفل له رئاسة مجلس النواب الأمريكي، وذلك بعد ستّ جولات متعاقبة من تصويت أظهر تمترس 20 من زملائه النوّاب الجمهوريين؛ «العصاة» كما باتت تسميتهم الشائعة في الإعلام الأمريكي، الصقور بالأحرى ممّن يريدون رئيساً أكثر تشدداً في مواجهة الحزب الديمقراطي والرئيس جو بايدن، وليس البتة أكثر صوناً للقِيَم المحافظة التي يتوافق عليها الحزب الجمهوري وأنصاره. وحتى تتعالى سحابة دخان أبيض من مداخن الكابيتول دلالة على انتخاب مكارثي او سواه (مجازاً بالطبع، ومع الاعتذار من تقاليد الفاتيكان)؛ ثمة مقادير أخرى من مظاهر انحدار هذا الحزب، خاصة وأنّ مهندس الانحطاط الحالي الأبرز، الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لم يهضم هو نفسه هذا الفشل في انتخاب رئيس للمجلس، في استعادة لسابقة لم تتكرر منذ 100 سنة.
بين مظاهر الانحطاط الأخرى حكاية النائب الجمهوري جورج سانتوس، الذي فاز خلال انتخابات الكونغرس التكميلية الأخيرة عن لوغ آيلاند، والذي حشد في سيرته الرسمية سلسلة من الأكاذيب المريعة: عن أماكن عمل في مؤسسات مرموقة، لم يسبق له أن اشتغل فيها؛ عن كليات زعم الدراسة فيها، منتحلاً المعلومة؛ وعن والدته، التي تفاخر بأنها قُتلت في مكتبها في البرج الجنوبي يوم 11/9، واتضح أنها توفيت بمرض السرطان على فراشها… صحيح أنّ نوّاباً آخرين عن الحزب الجمهوري كذبوا في سيرهم الرسمية، على شاكلة هيرشل ووكر المرشح (الفاشل) لمجلس الشيوخ عن جورجيا، الذي اتضح أنه متهم بالعنف المنزلي، وإجبار عشيقاته على الإجهاض، وتلفيق عناوين منزلية غير صحيحة، والتخلي عن أطفال غير شرعيين، وتزييف شهادات أكاديمية لم يحصل عليها. لكنّ مصيبة سانتوس، التي ذهب فيها أبعد من جميع أسلافه الكاذبين، أنه زعم محتداً يهودياً من أمّه؛ واضطرّ فيما بعد (حين فضحت صحيفة «نيويورك تايمز» سلسلة الأكاذيب) إلى الإقرار بأنه كان ويظلّ كاثوليكياً.
هي حال استعصاء بالطبع، لكنّ ما يستعصي في بواطنها ليس أعراض اعتلال عضوي يتفشى في الحزب الجمهوري وحده، بل هو سيرورات تتكاثر وتتنامى وتتفاقم في الحزب الديمقراطي أيضاً، أقلّ ربما ولكن على قدم المساواة في ظواهر عديدة
خيط طريف في حكاية سانتوس أنّ القضاء الأمريكي وقف حائراً بضعة أيام بعد افتضاح التفاصيل، قبل أن يضطر الادعاء في مقاطعة ناسو إلى التصريح بأنّ من حقّ ناخبي سانتوس أن يكون لديهم في الكونغرس «ممثّل شريف وخاضع للمحاسبة»، ولا أحد «فوق القانون، وإذا ارتُكبت جناية في هذه المقاطعة فلسوف نحقق فيها». ومع ذلك فإنّ التصريح شيء، وإخضاع نائب منتخب للمحاسبة القضائية شيء آخر مختلف، إنْ لم يكن بسبب تعقيدات قانونية أقرب إلى متاهة كافكاوية في هذا المضمار، فعلى الأقلّ لأنّ الجمهوريين في الكونغرس غارقون في هرج ومرج بصدد انتخاب رئيس لأغلبيتهم، أوّلاً؛ ثمّ ثانياً لأنّ سانتوس يدين في انتخابه بالكثير إلى مساندة مكارثي، إياه، الذي يتمرد عليه 20 من غلاة الجمهوريين. وأمّا في الخلفية الأبعد، والأعمق أيضاً، فإنّ قسطاً غير ضئيل من مظاهر الانحطاط سالفة الذكر لا تقتصر على الحزب الجمهوري، بل تشمل نظيره وخصمه الحزب الديمقراطي؛ وفي مسلسل أكاذيب السِيَر ليس المرء مضطراً للذهاب خارج البيت الأبيض الراهن، إذْ أنّ جو بايدن نفسه يتصدر لوائح التزييف والكذب.
وقد لا تكون مصادفة، أو هي واقعة خالية من دلالات تزامنية شتى عميقة الغور، أنّ فشل الجولة السادسة لانتخاب مكارثي رئيساً جمهورياً لمجلس النواب يأتي على أعتاب الذكرى الثانية لاقتحام مبنى الكابيتول، يوم 6 كانون الثاني (يناير) 2021؛ حين لاح أنّ الترامبية إنما تبلغ ذروة الهستيريا الجَمْعية، البيضاء، الانعزالية، العنصرية، المتشددة دينياً والمغالية في الولاء ليمين محافظ متعصب؛ وأنّ الأمريكي السبعيني الذي اهتاج وانتشى وهو يدوس رموز ديمقراطية آبائه وأجداده، كان يكمل سعار الأمريكي العشريني أو الثلاثيني الذي لم يعد يحفظ من «الحلم الأمريكي» إلا أقنعة الكواسر. ذلك لأنّ 12 من النوّاب الـ20 «العصاة» اليوم، كانوا ساعة اقتحام الكابيتول من المصفّقين ضمناً لأنهم أصلاً رفضوا نتيجة الانتخابات الرئاسية واعتبروا أنّ ترامب وليس بايدن هو الفائز، وهو رئيسهم الشرعي؛ و19 منهم أعضاء في «تجمّع الحرّية»، الذي أسسه عدد من نوّاب الحزب الجمهوري سنة 2015 ويُعدّ الأشدّ يمينية وتشدداً في تاريخ محلس النوّاب.
فهل يصحّ القول، بصدد حاضر الحزب الجمهوري قياساً على ماضيه القريب: ما أبعد اليوم عن البارحة؟ ليس تماماً، أو بالأحرى ليس ضمن أيّ معدّلات مقارنة تضع على المحكّ معايير السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإيديولوجي؛ ليس لأيّ اعتبار آخر يسبق الحقائق الأبعد والأعمق في طبائع المنظومة الحزبية الأمريكية، عند الجمهوريين مثل الديمقراطيين، وبدرجات عالية من التبادل والتكافل. ففي مثل هذه الأيام، ولكن قبل 27 سنة، وقع اختيار أسبوعية «تايم» الأمريكية على البروفيسور نيوتن ليروي ماكفرسن (غنغرش) ليكون رجل العام؛ لأنه يومها كان أبرز وجوه الحزب الجمهوري، رئيساً للكونغرس، وصانع ضجيج منتظم يكفي لإبقائه في سدّة الحدث اليومي وعلى خشبة المسرح الأكثر اجتذاباً للأنظار. إلى هذا وذاك، كان غنغرش أحد أبطال «العقد مع أمريكا»، أو ذلك البيان الانتخابي الذي تبارى على توقيعه مرشحو الحزب الجمهوري في انتخابات تلك السنة، كمَنْ يتناوب على شعائر الإخصاب وإحياء الأرض الموات. وإلى جانب السياسة والكونغرس، كان غنغرش أستاذ التاريخ الحديث، والروائي المولع بقصص الخيال العلمي ـ التاريخي، وأطول المحافظين الجدد لساناً في كلّ ما يتصل بالأخلاق والقيم والأعراف.
وأمّا العنصر الأهمّ وراء صعود نجمه فقد كان احتفاؤه المفرط، إلى درجة الهوس، بثوابت القيم الأمريكية، والموقع الاستثنائي لتلك القيم في السلّم الأخلاقي للإنسانية؛ بحيث أنه أعطى التكنولوجيا المعاصرة فرصة إشاعة وترسيخ وإحياء القيم القديمة، قبل تجديدها كرموز سارية المفعول في الوجدان والانضباط العام. والتاريخ، في ذلك كله، ملزَم بتعليمنا الدروس ذاتها التي تعلّمها بنيامين فرانكلين وألكسيس دو توكفيل، كما ساجل مراراً؛ والجمهوريون مطالبون بتكرار صرخة باتريك هنري (المحامي والمزارع والحاكم الأمريكي ابن القرن الثامن عشر): «أعطني الحرّية، أو فاعطني المنيّة»! وعنده أنّ خمسة أسباب تستوجب دراسة التاريخ الأمريكي: التاريخ ذاكرة جمعية، والتاريخ الأمريكي هو تاريخ الحضارة الأمريكية في الآن ذاته، وذلك كله ينطوي على امتياز استثنائي تنفرد به أمريكا عن التاريخ الإنساني العام، والتاريخ مصدر يعلّمنا بقدر ما يسمح لنا باستخدامه، والتجربة التاريخية تساعدنا في استخراج طرائق جديدة لحل المشكلات الراهنة.
غير أنّ غنغرش وقّع كتاباً بعنوان «إعادة اكتشاف الله في أمريكا»، وانقلب ذاتياً إلى سوط مسلط على رؤوس «خونة» ترامب في صفوف الجمهوريين؛ ولهذا فللمرء حقّ مشروع في تلمّس ظلّه خلف «عصاة» هذه الأيام، ومقدار الارتباط بين صعود ترامب، وانحطاط الحزب، وشيوع الأكاذيب وانتشارها كالنار في الهشيم. والغالبية من رفاقه، منظّري عقائد الحزب الجمهوري الحديث بصفة خاصة، الذين اختار لهم المؤرخ الأمريكي روبرت درابر صفة باعة «أسلحة الإيهام الشامل»، انقلبوا ذاتياً بدورهم إلى سماسرة تبعثرت وظائفهم بين خدمة ترامب والخنوع لاشتراطاته من جهة؛ واضطراب عاصف يضرب جهاز الحزب ونوّابه وأنصاره، في قلب الكونغرس، من جهة ثانية. هي حال استعصاء بالطبع، لكنّ ما يستعصي في بواطنها ليس أعراض اعتلال عضوي يتفشى في الحزب الجمهوري وحده، بل هي سيرورات تتكاثر وتتنامى وتتفاقم في الحزب الديمقراطي أيضاً، أقلّ ربما ولكن على قدم المساواة في ظواهر عديدة.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات