أحدث الموضوعات
صادق الطائي يكتب: العراق: محتوى هابط… محتوى صاعد
-
20 فبراير 2023, 3:31:03 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
الحملة التي يشنها القضاء العراقي والأجهزة الأمنية على من يعرفون بـ(مروجي المحتوى الهابط على منصات وسائل التواصل الاجتماعي) أصبحت الخبر الأول في أخبار العراق، الذي يعاني من الفساد المالي والإداري، وانتشار خطاب الكراهية والطائفية بين مكونات المجتمع، وخراب الذمم، وسوء الخدمات حتى تربعت العاصمة بغداد على قمة القائمة كأسوا مدينة للعيش، وفق المعايير العالمية لعدة سنوات، أضف إلى ذلك تعثر العملية السياسية، والخطر الذي يهدد الاقتصاد الريعي القائم على سعر برميل النفط، وغيرها من الكوارث التي يعيشها العراقي، كل تلك المحن نُحيت وأهملت، وانصب التركيز على حسابات في منصات التواصل تروج شياء تافهة.
لقد أنشأت وزارة الداخلية العراقية منصة مفتوحة للمواطنين للتبليغ عن حسابات تروج المحتوى الهابط، إذ أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية اللواء خالد المحنا، أن منصة (بلّغ) الخاصة بالتبليغ عن منشئي المحتوى السيئ (الهابط) وصلت إلى أكثر من 96 ألف تبليغ، وتم إصدار مذكرات قبض بحق ثمانية من ناشري محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، وصدرت أحكام قضائية بحق بعضهم. وبيّن الناطق باسم الداخلية العراقية، أن الإجراءات القانونية، التي اتخذت بحق من قبض عليهم، تمت وفق مواد قانون العقوبات العراقي 111 لعام 1969 المعدل وهي تتنوع بين المادة 403، التي تنص على: (الحبس سنتين، والغرامة، أو بإحداهما لكلّ من صنع أو استورد أو صدّر أو حاز أو أحرز أو نقل بقصد الاستغلال، أو التوزيع لكتب أو مطبوعات أو كتابات أو رسوم أو صور أو أفلام أو رموز أو غير ذلك من الأشياء إذا كانت مخلّة بالحياء والآداب العامة، ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل من أعلن عن شيء من ذلك أو عرضه على أنظار الجمهور أو باعه أو أجّره أو عرضه للبيع أو الإيجار، ولو في غير علانية ويعتبر ظرفاً مشدّداً إذا ارتكبت الجريمة بقصد إفساد الأخلاق(.أما المادة 404 فقد عاقبت (بالحبس لمدةّ لا تزيد عن سنة أو بالغرامة من جهر بأغانٍ أو أقوال فاحشة مخلّة بالحياء بنفسه أو بواسطة جهاز، وكان ذلك في مكان عام).
البعض رأى أن حملة مطاردة مروجي المحتوى الهابط لا تعدو كونها ستارة لتمرير كوارث عديدة، وسيفا مسلطا على رقاب منتقدي الطبقة السياسية الرثة والفاسدة
المفارقة أن الإجراءات القانونية تمت بشكل مفاجئ تقريبا، وبدأت الحملة بالمطاردة والمحاسبة على أفعال لم تكن مجرّمة قبل ذلك، أي أنها حاسبت البعض بأثر رجعي، وهي من أكثر الطرق تعسفا في تطبيق القانون، ومع ذلك أوضح اللواء المحنا: أنه «بالنسبة لناشري المحتوى بينت وزارة الداخلية حسن نيتها، من خلال قرار وزير الداخلية، بعدم تعقب الأشخاص بأثر رجعي، اعتماداً على سلوك ناشري المحتوى من خلال مسح محتوياتهم وتعهدهم بالنشر الجديد الذي لا يؤدي إلى الإساءة». وأشار إلى الارتياح الشعبي الواسع تجاه هذه الإجراءات. المضحك المبكي في الحملة الأخيرة ظهور نقيبة المحامين أحلام اللامي في فيديو وهي تهدد أي محام يتوكل للدفاع عن المتهمين بالمحتوى الهابط، بأنها ستشطب اسمه من سجل نقابة المحامين، وتمنعه من ممارسة المهنة. وقد أيد ونشر عدد من الكتاب والناشطين ومستخدمي منصات التواصل، الإجراءات الحكومية، وعبروا عن ضرورة تطبيق حملة المطاردة بحق من ينشر محتوى هابطا، إذ يقول أحدهم: «حقيقة كنّا نحتاج لمثل هذه القرارات لحفظ الذوق العام ولحماية الآداب العامَّة، وللحد من التصرفات الطائشة والسلوكيات الغريبة، وحفظ قيمنا الدينية والأخلاقية والوطنية والصورة المدنية الحقيقية للمجتمع». كما يشير البعض إلى أن ناشر التفاهة والرثاثة والقبح وقلة الذوق: «يتجاوز حدود الحرية المسموح بها ويتعدّى على حرّيات الآخرين، ويمارس التحرّش والابتزاز، ويرتدي ملابس غير لائقة أو ملابس غير محتشمة، وهذا تجاوز على آداب الذوق العام». ويستنتج بعض مؤيدي حملة الداخلية بالقول: «وجود رادعٍ قانوني لضبط الذوق العام والآداب العامَّة سيضع لكلِّ صاحب سلوك شاذ حدوداً، وسيعيد ترتيب السلوكيات وفق منظومة من الأخلاقيات التي نستمدّها من القيم الحقيقية للمجتمع العراقي». ويتجرأ البعض على تقديم تعريف للآداب العامة أو الذوق العام بقوله: «اختیار ما یتوافق مع طباع الآخرین من دون المساس بالقیم الأخلاقیة الثابتة، ویعبر عنها بالذوق الرفیع والخلق السامي». مع التعريفات الفضفاضة للمحتوى الهابط، والذوق العام، ومنظومة أخلاقيات المجتمع التي لا يمكن الاتفاق على تعريفات محددة لها، تكون أزمة الحملة على المحتوى الهابط في العراق، متمحورة حول نقطة جوهرية واحدة، وهي وجوب تحديد السلوكيات الاجتماعية المدانة بغرض تجريمها. ومع كل الهذر الذي قيل، لم يحدد المشرع أو مطبق القانون ما هو (الذوق العام) الذي يخرقه المدان بالحملة الأخلاقية الحكومية، لأن (الذوق العام)، وكما نعلم، مصطلح مطاط يختلف باختلاف الزمان والمكان، إذن نحن إزاء حالة خطيرة تترك الحبل على الغارب لاجتهادات أجهزة الشرطة، التي تأخذ البلاغات من منصة (بلغ) المفتوحة التي قد تتحول إلى مفقس للشكاوى الكيدية. البعض رأى أن حملة مطاردة مروجي المحتوى الهابط لا تعدو كونها ستارة تحاول عبرها أجهزة الحكومة تمرير كوارث عديدة، فقد تخوف البعض من تحول الحملة إلى سيف مسلط على رقاب منتقدي الطبقة السياسية الرثة والفاسدة، إذ تستعد هيئة الإعلام والاتصالات لإصدار لائحة، تطالب فيها بتطبيق قانون العقوبات العراقي 111 لسنة 1969 إضافة إلى تطبيق بعض بنود قانون مكافحة الإرهاب، ونصوص قانونية عقابية أخرى، على كل من يمس الدولة وكياناتها ورموزها، بل حتى من يمس النقابات والاتحادات التنظيمية، وكذلك تلزم المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي التسجيل في هيئة الإعلام والاتصالات، وأخذ الموافقات الرسمية وتسديد الرسوم المالية قبل الشروع بالنشر. والنتيجة تحويل اللائحة المقدمة من هيئة الإعلام والاتصالات إلى قانون يمنح مجلس الهيئة المكون من أطراف سياسية جاءت بالمحاصصة، صلاحيات رقابية مطلقة وواسعة للتحكم في محتويات النشر. يقول فيلسوف التنوير فولتير: «قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك»، من هذا المنطلق المهم ارتفعت أصوات رافضة الحملة التي تشنها أجهزة الحكومة بحجة المحتوى الهابط، مع الإشارة إلى الدور السلبي الذي تلعبه شرائح واسعة من المجتمع التي صفقت لهذه الإجراءات، لكنها في الحقيقة هي من جعلت أصحاب المحتوى الهابط نجوما قبل ذلك. وإن الحل الحقيقي يمكن أن يكون في دعم وتشجيع المحتوى الجيد والرصين، الذي يجذب الجمهور ويحد من تأثير المحتويات الهابطة الموجودة على شبكة الإنترنت، التي لا يمكن في أي حال من الأحوال محوها نهائيا.
إن ظاهرة «الترند» لا يمكن أن تنشأ بمعزل عن الملايين ممن يشجعونها، مثال ذلك (سعلوسة) الذي لم يقدم محتوى مؤذيا، أو خادشا للحياء، أو متجاوزا للأعراف، لكن يمكن وصف ما قدمه الشاب بأنه سطحي وتافه، لكنه جمع أكثر من 40 مليون لايك في حسابه في تيك توك، وحسب قرارات وزارة الداخلية أن كل من وضع له لايك يعد مشتركا في جريمة نشر المحتوى الهابط! إذن هل نحن أمام 40 مليون مدان في العراق؟ إن بعض المقارنات تبدو مضحكة مبكية في ما يجري في عراق اليوم، فهل يجرؤ أحد من مشرعي القانون، أو مطبقيه على المساس ببعض رجال الدين ممن يروجون خطابات الكراهية والطائفية والتحريض على القتل، والقول إن هذا الخطاب ذو محتوى هابط؟ هل يجرؤ ضباط الداخلية وقضاة التحقيق على إدانة أتفه سياسي من طبقة سياسي الصدفة الذين حولوا كل تفصيلة في حياة العراقيين خلال عشرين عاما إلى محتوى هابط بكل معنى الكلمة؟ وأخيرا تكمن المفارقة في المقارنة بين تعامل القضاء والداخلية مع من أدينوا بـ»سرقة القرن» الذين سرقوا ثلاثة مليارات دولار وألقي عليهم القبض، ومن ثم تم الإفراج عنهم في غضون أسبوع. بينما بعض المساكين ممن اتهموا بترويج المحتوى الهابط، تم القبض عليهم، والتحقيق معهم، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن وصلت إلى حد السجن لسنتين، وكل ذلك تم في غضون سبعة أيام فقط. أليست هذ هي القسمة الضيزى؟
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات