أحدث الموضوعات
سامح المحاريق يكتب: النخبة العربية المنفصلة وإشكالية التفاهة والجموع
-
7 أكتوبر 2022, 6:36:57 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
ليس من المعاني الشائعة أو المعروفة أو السارية للكلمة الإنكليزية ذات الأصل الفرنسي وقبله اللاتيني Mediocre ما يعني التفاهة، وحينما يوصف شخص بأنه ميديوكر، فذلك يعني ببساطة أنه متوسط، بل إن المقطع اللغوي (ميد) نفسه يعبر عن ميديوس اللاتينية التي تعني في الوسط، على الرغم من هذه الحالة من الوضوح، لم تجد المترجمة لكتاب La médiocratie الذي كتبه باللغة الفرنسية الفيلسوف الكندي آلان دونو، في رثاء عصر المتميزين، فهو يتحدث عن صعود الشخص متوسط الموهبة وتسنمه مواقع السلطة والقيادة.
هذه الفكرة داعبت المثقفين العرب، لدرجة أن الكتاب حظي باهتمام كبير في الأوساط العربية، أكثر من أي مكان آخر في العالم، لأنه تمكن من مداعبة الاستعلائية السادية للنخبة العربية، وملامسة الحس الفاشي داخل المثقف العربي، فالمثقفون العرب يحملون إرثاً من الإحباط، الذي تراكم خلال عقود من الزمن أكد فشلهم المستمر في التواصل مع الجموع، الذي كان يعتبر شرطاً أساسياً من أجل التقدم لقيادتها.
تقول أروى صالح في كتابها «المبتسرون» الذي وجهته إلى إدانة سلوكيات المثقف العربي وممارساته، إن الشخص الذي يعجز عن فهم العالم يلجأ إلى إدانته، وهذه تحديداً قصة النخبة العربية مع الجموع، وعندما نتحدث عن النخبة، فإن الوصف لا يعد دقيقاً ولا صحيحاً على أي وجه، فلا توجد سوى نخبة متخيلة أعطت نفسها هذه المكانة، وكل ما هو موجود ومتوفر هي الصفوة التي اصطفتها السلطة وتحصلت على مكتسباتها، بناء على علاقتها معها، أما النخبة فإنه لم تخرج من أي عملية اجتماعية، وإنما وضعت نفسها في ذلك الموقع على أساس الهروب إلى الفراغ، والسكن فيه قبل الآخرين، بل إهمال الآخرين والتعامي عن رؤيتهم. تلقف المثقف العربي الكتاب بعنوانه الخاطئ، ليوجه ضغائنه تجاه الجموع بشكل عام والكتلة الواسعة من الأفراد التي تعاني من مستويات تعليم متدنية، وخدمات غير مقبولة ولا تمثل الحد الأدنى اللازم من أجل حياة كريمة، فالتافه هو من يعطي من يعتقد نفسه متميزاً القيمة التي يفتقدها، وفي المقابل، فإن التافهين، في وجهة نظر المثقف أو النخبوي العربي، يضنون بالاعتراف على المثقف، والمثقف العربي بطبيعته متعطش للاعتراف ويطلبه بأي طريقة، ويلهث وراءه وعندما لا يتحصل عليه فإنه يبدأ في الندب والشكوى ويوزع اتهاماته الجاهزة، أو يقدم تنازلاته تجاه الغرب، ويبدأ في توجيه الإدانة لمجتمعه، ويعيد إنتاج وجهات نظر الفكر الغربي.
المثقفون العرب يحملون إرثاً من الإحباط، الذي تراكم خلال عقود من الزمن أكد فشلهم المستمر في التواصل مع الجموع، الذي كان يعتبر شرطاً أساسياً من أجل التقدم لقيادتها
في موسم نوبل يمكن أن نستدعي وجوهاً كثيرة وقفت على الأعتاب تنتظر، وبدأت في تقديم نقد حسب الطلب لمجتمعاتها، بما يتماشى مع المواصفات القياسية للمؤسسة الغربية، وذلك جزء من أزمة النخبة العربية، الذي يظهر في السياسة كما في الثقافة، وبعد بدايات تنظيرية تنويرية لليساريين والقوميين، بدأت المشكلة تتفشى في الانفصال الذي عايشته هذه النخب، فالقوميون الذين أزاحوا الأنظمة الملكية في العراق وسوريا مثلاً، لم يتركوا وقتاً طويلاً ليثبتوا أن صعودهم كان لتكرار التجربة نفسها، وليبدأوا في ممارسة سلوكياتهم الإقصائية القمعية مع الإفساد الممنهج الذي تجلى في محاباة الأقارب. ووفقاً للمقاربة البسيطة، فهذه الشخصيات التي استطاعت أن تتصدر المشهد في لحظة تراجيدية من التاريخ، تشابه اقتحام سجن الباستيل الذي يطرحه المؤلف في كتابه بوصفه لحظة استثنائية في التاريخ، لم تتمكن من تحقيق نموذج القيادة المطلوب، وغرقت وأغرقت مجتمعاتها معها، وبعد فشل نماذجها، ونبذها من أوساط اجتماعية كثيرة، أصبحت تتفرغ لنقد المجتمع وتوجيه اتهاماتها المجانية تجاهه، مع أنها لم تعمل بجدية من أجل الارتقاء به وتطويره، وتبدت الفاجعة في العراق في لحظة سقوط نظام البعث الذي حاول أن يعطي نفسه صبغة نخبوية في البداية، ليظهر مدى عمق الأزمة مع خروج الملايين إلى معانقة الفوضى والاضطراب.
ترجمة عنوان الكتاب ربما كانت عفوية، إلا أنها تعبير عن العقل الباطن للنخبة العربية التي تعتقد في نفسها التميز، وترفض التخلي عن مواقعها في أبراجها العالية بعيداً عن الجموع، والاحتفاء بالكتاب أتى ليعبر عن حالة تربص من المتميزين المفترضين تجاه حواضنهم الشعبية، التي تعتبر أن نخبويتهم شهادة لإزاحتهم عنها، وهذه العقدة التي ما زالت مقيمة، تمثلت كثيراً في فشل النخب العربية، الثقافية والسياسية، في التعبير عن مصالح الناس ليتم احتواؤها بسهولة من السلطة المتمرسة والمسيطرة على منظومة الدولة العميقة، وكم بدا ذلك واضحاً في المفاوضات والمداولات التي خاضتها أطراف النخبة التي وجددت في ميدان التحرير، ولم تكن في القيادة فعلياً، مع المجلس العسكري ورجاله في مصر، وهو ما عبر عنه يوماً الرئيس في وقت لاحق، عبد الفتاح السيسي، أن الشعب لم يجد من يحنو عليه، وصحيح أنه لم يحنُ عليه أيضاً، ولكنه توصل بذكائه الفطري إلى إشكالية المشتغلين بالسياسة بوصفهم نخبويين ذاتيين مع الناس والعامة. تراثنا المزدحم بفكرة العامة والخاصة وخاصة الخاصة، يجد نفسه متواصلاً في هذه الفكرة المضللة، لتترك الجموع هائمة من غير قيادة سياسية، أو ثقافية مناسبة وواعية بما يحدث، فهي تتسابق وتتصارع بعيداً عن الحواضن الطبيعية، وعند الفشل، فإنها تصفها، ومن غير اكتراث أو مبالاة، بالتفاهة، في أكبر خطأ للترجمة إلى العربية في العقود الأخيرة كلها.
كاتب أردني
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات