د. يوسف داوود يكتب: هل تؤدي الأزمات الراهنة في أوروبا إلى تعزيز نفوذ القوى اليمينية؟

profile
  • clock 5 سبتمبر 2022, 5:20:04 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

أدى تفاقم أزمة الطاقة في أوروبا وزيادة التهديدات العسكرية، مع استمرار الصراع المسلح بين روسيا وأوكرانيا، إلى نوع من المراجعات السياسية في أوروبا، التي لم تقتصر على السياسة الأوروبية الموحدة للدفاع والأمن، بل امتدت لتشمل مستقبل التيارات الحاكمة في الدول الأوروبية الرئيسية. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن النزعات القومية اليمينية عادة ما تقوى وتنشط في حالة بزوغ تهديد خارجي وجودي، وهو ما يفرض تساؤلاً بشأن مدى مساهمة الأزمات الراهنة في أوروبا في تعزيز نفوذ التيارات اليمينية بصفتها قوة بديلة قادرة على ردع التهديد الروسي وإيقاف نزيف الاقتصادات الوطنية.

مؤشرات بارزة

تصاعدت في الفترة الأخيرة مؤشرات تصاعد نفوذ القوى اليمينية في أوروبا، وهو الأمر الذي ارتبط، بصورة رئيسية، بطبيعة الأزمات التي واجهتها الدول الأوروبية والتأثيرات الممتدة للحرب الأوكرانية. وتتمثل أبرز مؤشرات تصاعد نفوذ القوى اليمينية فيما يلي:

1– فوز أحزاب يمينية بالانتخابات في بعض الدول الأوروبية: مع نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، رجحت بعض التقديرات غلبة التيار الليبرالي الحقوقي في أوروبا؛ لكونه أشد التيارات مناوأةً للحكومات ذات النزعة الشعبوية التي قد يصنف رجل الكرملين أحد المنتمين إليها؛ حيث قد تتجه هذه الحكومات إلى قمع الحريات وفرض القيود بداعي الحفاظ على الأمن القومي وحماية الهوية الأوروبية. ولكن فوز الأحزاب اليمينية الشعبوية في الانتخابات التي عُقدت في المجر وصربيا في شهر أبريل الماضي جاءت لتقلب هذه التوقعات رأساً على عقب.

ففي المجر، أعيد انتخاب الزعيم المحافظ “فيكتور أوربان” رئيساً للوزراء لولاية رابعة على التوالي من خلال تأمين 53% من الأصوات الوطنية ضد كتلة معارضة موحدة تتكون من ستة أحزاب مختلفة. وبالمثل، أعيد انتخاب الرئيس الصربي “ألكسندر فوتشيتش” بنسبة 60% من الأصوات. ورغم تبني الرئيسين موقفاً علنياً رافضاً للحرب التي تقودها روسيا، فإن تصريحاتهما تتسم بنوع من الحيادية في ظل ما هو معروف عنهما من تأييد سابق للرئيس بوتين. لذلك فإن استمرار الناخبين في دعمهما يعكس، بدرجة ما، استمرار جاذبية الخطاب اليميني في أوروبا.

2– تصاعد شعبية الأحزاب اليمينية في دول أوروبية كبرى: لم تقتصر المؤشرات المرجحة للصعود المستقبلي لليمين المتطرف في أوروبا على الأحزاب الفائزة في الانتخابات فحسب، بل امتدت أيضاً لتشمل تزايد نفوذ بعض الوجوه اليمينية المؤثرة في الدول الأوروبية الكبرى. ولعل أهم هذه الأمثلة هو نجاح “مارين لوبان” مرشحة حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف في الوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي عُقدت في شهر أبريل الماضي، مع خسارتها أمام ماكرون في الجولة الثانية بعد تذليل الفارق بينهما مقارنة بانتخابات 2017 (حصلت على 41.5% من الأصوات مقارنة بـ33.9% في 2017).

يضاف إلى ما سبق تحقيق ذات الحزب اليميني نتيجة تاريخية في الانتخابات البرلمانية التي عقدت في شهر يونيو 2022 بفوزه بـ89 مقعداً كفلت له المشاركة بوصفه من قوى المعارضة الرئيسية في المشهد السياسي الفرنسي. في ذات الإطار، ارتفعت في إيطاليا أسهم “جيورجيا ميلوني” زعيمة الحزب اليميني المتطرف “إخوة إيطاليا” في الفوز بالانتخابات البرلمانية الإيطالية القادمة المقرر لها 25 سبتمبر المقبل. هذا وقد رجحت التوقعات فوز التحالف اليميني، الذي تم تشكيله مع أحزاب “الرابطة”، بقيادة الزعيم القومي المتشكك في الاتحاد الأوروبي “ماتيو سالفيني”، و”فورزا” إيطاليا بزعامة “سيلفيو برلسكوني”، بالانتخابات بنحو 48% من الأصوات ضد اليسار المنقسم؛ وذلك وفقاً لاستطلاع رأي أجرته قناة سكاي تي جي 24 الإخبارية.

أما في بريطانيا، فإنه رغم أن اليمين المتطرف لا يزال ضعيفاً جداً ومشتتاً من الناحية التنظيمية، أظهرت بعض استطلاعات الرأي أن عدد الذين يتبنون أفكاره يتزايد زيادة كبيرة نتيجة لبعض العوامل الداخلية منها تصاعد موجة العنف العنصري ضد أصحاب البشرة السمراء Black Lives Matter [BLM]، وصعود الخطاب المناوئ للإسلام داخلياً.

3– صعود اعتبارات “الأمن الفردي” في مقابل دعاوى “حماية الديمقراطية الجماعية”: شهدت العديد من الدول الأوروبية في الفترة الأخيرة اتجاهاً لترجيح اعتبارات الأمن الفردي مقارنة بهدف الترويج للديمقراطية الجماعية، وهو مؤشر للميل نحو النزعة القومية البحتة التي تتغذى عليها التيارات الشعبوية. هذا وقد تجلى ذلك في ارتفاع حدة الانتقادات لبعض القادة الأوروبيين الذين حاولوا النأي عن تبني مواقف حادة ضد روسيا بالامتناع عن تسليح أوكرانيا أو فرض قيود على واردات الغاز الروسية مثل ألمانيا وبولندا، إلى الحد الذي دفع المنتقدين إلى اتهام سياساتهم بأنها أكثر تطرفاً من سياسات اليمين المتطرف نفسه.

وفي الوقت الذي اتجه فيه هؤلاء الزعماء نحو تبرير هذه السياسات بمحاولة الابتعاد عن حرب غير معلوم أمدها – خاصة في ظل الظروف الاقتصادية غير المواتية – بدأت تيارات اليمين المتطرف تستغل الموقف بتعديل خطابها التقليدي؛ وذلك بالدفع بأن الأمن الداخلي يبدأ من اتباع نهج متشدد إزاء روسيا والعمل على إنهاء هذه الحرب في أسرع وقت ممكن.

عوامل جوهرية

بالرغم من تعدد مؤشرات صعود نفوذ اليمين الشعبوي في أوروبا نتيجة الظروف الراهنة، فإن ترجمة هذه المؤشرات إلى تأثير حقيقي تبقى مرهونة ببعض العوامل الظرفية، التي إن وجدت في دولة معينة فهي تساهم في تجسيد هذه التوجهات نتائج حقيقية، وتتمثل أهم هذه العوامل فيما يلي:

1– مدى تصديق الناخبين تغير خطاب زعماء اليمين الشعبوي: خلال السنوات الماضية، اعتادت الوجوه البارزة في تيار اليمين الشعبوي الإشادة ببوتين ونمط إدارته للدولة، بصورة حفزت ضدهم دعاة الليبرالية والحرية. ولكن بعد الحرب، انتهج كل من مارين لوبان وإيريك زيمور (فرنسا)، وفيكتور أوربان (رئيس وزراء المجر)، وماتيو سالفيني (زعيم حزب الرابطة الإيطالي) على سبيل المثال، نهجاً من التراجع والمراجعة عن طريق تأكيد أن “بوتين” حالياً ليس هو “بوتين” الذين اعتادوا الإشادة به في أوقات سابقة. لذلك فإن نجاح هذه الوجوه في تمديد نفوذها يرتبط شرطياً بمدى اعتقاد الناخبين في دولهم بمصداقية خطابهم المتغير، وأنه نابع من تغير غير متوقع بالمرة في نمط إدارة الرئيس الروسي للموقف وليس وليد لحظة انتهازية سياسية من قبل هذه التيارات.

2– تأثر قطاعات معينة من الناخبين بموجات الهجرة والنزوح: وفقاً لبعض التقديرات، وصلت أعداد المهاجرين والنازحين الأوكرانيين إلى نحو 7 ملايين خلال الأشهر الأولى من اندلاع فتيل الحرب. وفي حقيقة الأمر، فإن دول الجوار الأوكراني تجد نفسها في مأزق أشد وطأة نسبياً من الدول الأوروبية الأخرى؛ لاضطرارها إلى استضافة أعداد أكبر من هؤلاء اللاجئين في ظل اقتصادات منهكة بالفعل من تبعات جائحة كورونا، وعلى رأس هذه الدول بولندا ورومانيا وألمانيا والنمسا والمجر.

في خضم هذه الضغوط، اتجهت بعض الدول الأخيرة إلى إعادة توطين اللاجئين الأوكرانيين في المناطق الريفية لتخفيف الضغط عن مرافق المدن؛ ما يمكن اليمين الشعبوي من التغلغل وسط هذه الفئات بدرجة أكبر عن طريق التركيز على ضرورة أن توجه الدول مواردها لخدمة المواطنين الأصليين بصورة حصرية. لذلك كلما كانت هناك فئات معرضة للاحتكاك بموجات النزوح والهجرة من أوكرانيا، كانت أكثر ميلاً للاستقطاب من قبل اليمين الشعبوي.

3– تزامن عقد الانتخابات القادمة مع استمرار الحرب الأوكرانية: مما لا شك فيه أن قرب موعد الانتخابات التشريعية أو الرئاسية في دولة ما من شأنه أن يؤثر على توزنات القوى الحزبية في ظل استمرار الأزمة الروسية الأوكرانية، وتقديم أحزاب اليمين الشعبوي نفسها على أنها بديل يعتمد عليه. من ثم، فمن المتوقع أن تلعب أحزاب اليمين الشعبوي دوراً مؤثراً في الانتخابات المقرر عقدها في ظل الأزمة الدولية الراهنة، ومن ضمن الدول التي تعقد الانتخابات فيها في الربع الأخير من العام الجاري بلغاريا وإيطاليا ولاتفيا والسويد، ثم تعقد الانتخابات خلال العام القادم في كل من سويسرا وأسبانيا وبولندا ولكسمبورج واليونان. وعلى النقيض، قد تتغير موازين القوى لو انتهت هذه الحرب فيما بعد ونجحت الحكومات الحالية في رسم خارطة فعالة للتعافي الاقتصادي.

4– الوزن النسبي للأحزاب اليمينية في المشهد السياسي العام: هناك دول أوروبية تمثل أرضاً خصبة لتنامي نفوذ حقيقي للتيارات اليمينية، مثل فرنسا وإيطاليا. ولكن على النقيض من ذلك، هناك دول أخرى لا تستطيع فيها هذه التيارات أن تترجم أي ظرف دولي مساعد إلى تأثير حقيقي؛ نظراً إلى ضعف وجوه التيار في هذه الدول، وعدم وجود تقاليد تنظيمية راسخة لهذا التيار على أرض الواقع، ومن ثم ضعف التأييد الواسع له في أي فئة من فئات الناخبين. ولعل من أمثلة هذه الدول الأخيرة بريطانيا والدول الاسكندنافية. لذلك فإن الوزن النسبي لهذه الأحزاب في المشهد السياسي العام في كل دولة من الدول الأوروبية من شأنه حسم مسألة مدى ترجمة الظروف الدولية إلى تأثير حقيقي للتيارات الشعبوية من عدمه.

خلاصة القول: ولَّدت كل من الحرب الروسية–الأوكرانية وأزمة الطاقة في أوروبا حافزاً لدى التيارات السياسية البديلة على تقديم نفسها على أنها قادرة على تخطي هذه الأزمات والعبور بالدول الأوروبية إلى بر الأمان. هذا وإن كانت تيارات اليمين الشعبوي تفرض نفسها باعتبارها أكثر هذه البدائل زخماً وأوفرها حظاً في قلب موازين الأمور، فإن هناك عوامل شرطية تحد من قدرتها على بسط نفوذها في بعض الحالات، أخذاً في الاعتبار أن عاملاً واحداً من هذه العوامل كفيل بمنعها من الصعود أو الوصول إلى الحكم.

التعليقات (0)