أحدث الموضوعات
د. يوسف داوود يكتب: لماذا تزايدت تحديات المستشار الألماني؟
-
29 أغسطس 2022, 1:47:14 م
- تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
لم يسعف الظرف الدولي الراهن المستشار الألماني الجديد “أولاف شولتز” في تنفيذ أجندة الإصلاح الطموحة التي روج لها قبل فوز حزبه بالأغلبية البرلمانية. وفي الوقت الذي ألقت فيه الأزمة الروسية–الأوكرانية بظلالها على الأوضاع الداخلية في كافة دول العالم، لا يمكن إرجاع هذه المجموعة من الإشكاليات التي يواجهها المستشار الألماني إلى التبعات السلبية لمثل هذه الأزمة بصورة حصرية، سواء على مستوى الأوضاع الداخلية في ألمانيا، أو على مستوى صورتها في محيطيها الإقليمي والدولي؛ إذ تتعرض صورة المستشار الألماني لمعضلات حقيقية، وخاصة أنه جاء بعد المستشارة “أنجيلا ميركل” صاحبة الإرث السياسي الكبير في ألمانيا، علاوة على الأزمات غير التقليدية التي بات يواجهها الاقتصاد الألماني وتعرضه للانكماش خلال الشهور الماضية، والتأثيرات المعاكسة للتغيرات المناخية التي تضاعف الضغوط على المستشار الألماني.
مشكلات داخلية
ساهمت مجموعة من الأزمات الداخلية في تعميق التحديات التي يواجهها المستشار الألماني “أولاف ششولتز. وتتمثل أبرز هذه الأزمات فيما يأتي:
1– تباطؤ معدلات النمو الداخلي: رغم تفشي أزمة كورونا، نجحت ألمانيا في تحقيق معدل نمو بلغ 2.9% في عام 2021، لكن تباطأ هذا المعدل بحدة ليصل إلى 1.2% في عام 2022 بسبب ارتفاع أسعار واردات الطاقة وضعف ثقة المستهلكين، مع توقع باستمرار اختناقات العرض حتى عام 2023. وقد تزامن هذا التراجع الاقتصادي مع بداية تولي “شولتز” مقاليد الحكم في ألمانيا، وهو إن عاد لأسباب ظرفية وهيكلية خارجة عن مجرد أداء الحكومة، إلا أنه شكل أكبر مشكلات المستشار الجديد وأكبر هواجسه على المستوي الداخلي.
لقد ارتبط هذا التراجع في معدلات النمو بحالة انكماش اقتصادي وتراجع في حجم الإنتاج على نطاق واسع مع تعمق التباطؤ في التصنيع، وتراجع نشاط قطاع الخدمات إلى منطقة الانكماش للمرة الأولى منذ ديسمبر من العام الماضي. ناهيك عن تعرض بعض الشركات الكبيرة لخسائر واضحة. ولعل النموذج الأبرز على ذلك شركة الكيماويات العملاقة الألمانية “BASF SE ” التي حققت خسائر تقدر بنحو 30 مليون يورو؛ ما دفعها إلى الإعلان عن كونها قد تضطر إلى خفض الإنتاج في ظل نقص الغاز الروسي.
2– اتهامات للمستشار بالتورط في تهرب ضريبي: في الفترة السابقة، تعرض “شولتز” لضغوط متزايدة بسبب وجود مزاعم بأنه ساعد بنكاً خاصاً على التهرب من دفع ضرائب بقيمة 47 مليون يورو أثناء توليه منصب عمدة مدينة هامبورج في عام 2016. وقد تفاقمت هذه الأزمة داخلياً بعد أن أنكر المستشار الألماني في البداية في التحقيقات أنه التقى على انفراد أحد مالكي البنك، ثم اضطر في مرحلة لاحقة إلى الاعتراف بأن اللقاء قد تم بالفعل. ورغم نفيه وجود أي تأثير سياسي على عملية فرض وتحصيل الضرائب في هذه الواقعة، إلا أنه يبدو أن هذا “التردد” قد خلف بالفعل انطباعاً سلبياً لدى بعض مؤيديه، الذين وجدوا أنفسهم في موقف تعارض صارخ بين التصريحات يصعب معه مراوغة المعارضين.
3– تصاعد الخلافات حول قضية المناخ داخل الحكومة: يتمثل أحد أهداف التحالف الحكومي الذي تم تشكيله في العمل نحو التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 80% من إجمالي الطاقة المنتجة في ألمانيا بحلول نهاية العقد الجاري، وهي زيادة كبيرة عن النسبة الحالية التي تبلغ نحو 45%. بيد أن هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة لمواجهة تغير المناخ، وتحديث البيروقراطية القديمة في ألمانيا، وإعادة هيكلة بعض القطاعات الاقتصادية القائمة على مصادر الطاقة التقليدية. وفي ظل الظروف الداخلية والدولية الراهنة، يبدو أن كوادر الحزب الديمقراطي الاجتماعي – وعلى رأسهم شولتز – في حالة تردد إزاء تنفيذ هذه التعهدات، في ظل الاتجاه المتصاعد إلى الاستدانة لسد عجز الموازنة، وهو ما لا يأتي بالطبع على هوى وزراء حزب الخضر المؤثرين الموجودين في الحكومة الحالية.
4– انخفاض الشعبية مقارنة بوجوه الحكومة المؤثرة: عقب ثمانية أشهر من توليه منصب المستشارية، يجد “شولتز” نفسه أمام أزمة انخفاض شعبية في مواجهة وجوه بارزة داخل حكومته؛ حيث تشير استطلاعات الرأي إلى ارتفاع في نسب تقبل المواطنين لكل من “روبرت هابيك” نائب المستشار الألماني و”أنالينا باربوك” وزيرة الخارجية الألمانية، اللذين ينتميان إلى حزب الخضر، مقارنة بالمستشار الألماني؛ وذلك في مؤشر لتحول نسب التأييد لصالح حزب آخر وليس مجرد انخفاض في شعبية شخص. ورغم تعدد أسباب هذا التحول في المزاج العام، فإن أكثر العوامل المتحكمة فيه يمكن إرجاعها إلى عنصر شخصي خاص بالكاريزما المفقودة لدى “شولتز” لصالح هذه الشخصيات البارزة، خاصة مع عقد المواطنين الألمان مقارنات تلقائية بينه وبين المستشارة السابقة “أنجيلا ميركل”.
تأثيرات خارجية
لم تتوقف معضلة المستشار الألماني عند حدود القضايا الداخلية، بل تعمقت بفعل عدد من التحديات والأزمات الخارجية، التي تتمثل أهمها فيما يأتي:
1– الاتهامات بتبني موقف سلبي تجاه الأزمة الأوكرانية: تفاوتت ردود فعل الدول الغربية من حيث مستوى التأييد الذي أبدته لأوكرانيا في حربها الحالية مع روسيا. وفي حين انتهجت بعض الدول الغربية نهجاً متشدداً إزاء روسيا عن طريق دعم أوكرانيا بكل السبل السياسية والاقتصادية والعسكرية (الولايات المتحدة، بريطانيا، حلف الناتو بوجه عام)، فإن دولاً أخرى آثرت أن تدين العدوان وتشجبه دون دعم عسكري حقيقي لأوكرانيا بالعتاد، وعلى رأسها ألمانيا.
وإذا كان من المؤكد أن برلين تتخوف من مناوأة روسيا جذرياً نظراً إلى اعتمادها الكبير على واردات الغاز الطبيعي الروسي، إلا أن أكثر التيارات مناوأةً لروسيا داخل ألمانيا – وكذلك الدول الغربية الأخرى – لم تتوقع تصريحات “شولتز” المشككة في “جدوى” استخدام القوة العسكرية من الأساس للرد على العملية العسكرية الروسية. هذا، وقد أثارت هذه التصريحات الأخيرة الشكوك حول مدى التزام “شولتز” بالموقف الأوروبي الموحد حول هذه المسألة، وهو ما سبب له تحدياً مركباً يتمثل في انتقادات الرأي العام الألماني المعادي لروسيا، فضلاً عن الدول الغربية الأكثر مساهمةً في الحرب الجارية.
2– انتقادات حول تراجع النفوذ الألماني داخل الاتحاد الأوروبي: بعد خسارة حزب ماكرون الأغلبية البرلمانية في الانتخابات التشريعية الفرنسية التي عقدت في شهر يونيو 2022، بدا جلياً أن اعتبارات السياسة الداخلية وتوازنات قوى “نظام التعايش” ستؤثر على اهتمام فرنسا التقليدي بالريادة السياسية على مستوى الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت الذي انتظر فيه أنصار مشروع الاندماج الأوروبي في ألمانيا تحركات مكثفة من “شولتز” داخل المنظمة الإقليمية لملء الفراغ الناتج عن انكفاء فرنسا على توازنات القوى الداخلية بها، فإن انتهاج “شولتز” نهجاً هادئاً وتقليدياً داخل الاتحاد قد قلب هذه التوقعات رأساً على عقب؛ ما زاد حدة الانتقادات الداخلية التي يتعرض لها المستشار الألماني خلال أشهر عمله الأولى.
3– التردد في مواجهة الانتقادات التي تستهدف إسرائيل: تعتبر ألمانيا من أكثر الدول التي تنشط فيها المنظمات اليهودية وتجرم جذرياً أي إيماءات أو تعبيرات قد تعتبر “معادية للسامية”،؛ وذلك كنوع من التكفير عن الإرث النازي السابق. في ظل هذا المناخ، أثار رد فعل المستشار الألماني “المتردد” أثناء لقائه الرئيس الفلسطيني “محمود عباس” في برلين في منتصف أغسطس 2022 على هامش قمة “مجموعة ال7” حفيظة المنظمات اليهودية الداخلية وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وقد ظهر هذا التردد عندما سئل الرئيس الفلسطيني عما إذا كان مستعداً للاعتذار عن الهجوم الفلسطيني في دورة الألعاب الأولمبية عام 1972 في ميونخ الذي أسفر عن مقتل 11 رياضياً إسرائيلياً؛ حيث أشار “عباس” إلى معاناة الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 70 عاماً، مضيفاً أنه بين عام 1947 واليوم ارتكبت إسرائيل 50 مجزرة في 50 موقعاً فلسطينياً وهو ما يمكن اعتباره إعادة إحياء للهولوكوست. هذا وقد أثار رد فعل “شولتز” الصامت حفيظة المنظمات اليهودية؛ حيث اعتبرت هذه المنظمات صمت “شولتز” تكريساً لسابقة غير مقبولة، وإعادة لسياسة عنصرية رفضها الشعب الألماني نفسه منذ وقت بعيد.
4– عدم اتخاذ مواقف حاسمة تجاه الصين: وجد المستشار “شولتز” نفسه أمام تحدٍّ آخر متعلق بالحفاظ على صورة ألمانيا الريادية في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان؛ فبعد تبني الدبلوماسية الألمانية نهجاً متشدداً إزاء انتهاكات حقوق الإنسان خاصة في الصين خلال أعمال مجلس حقوق الإنسان بجنيف طوال السنوات الماضية، فإن نأي ألمانيا حالياً عن تصدر المشهد في الهيئة الأممية فيما يتعلق بالانتهاكات التي يمارسها نظام “شي جين بينج” يعتبره البعض تراجعاً عن سياسة رصينة. ويعزو البعض هذا النهج إلى الظروف الدولية الراهنة واعتماد حركة التجارة الدولية – المضطربة أصلاً – على حاويات الصين، وعدم رغبة “شولتز” في فتح جبهة إضافية في الوقت الحالي في ظل الصعوبات الجمة التي يعاني منها الاقتصاد الألماني.
الخلاصة: رغم تصاعد حدة المشكلات التي يواجهها المستشار الألماني “أولاف شولتز” نتيجة ظروف دولية غير مواتية واستثنائية، فإن هناك عوامل شخصية تعزز الاتجاه الضاغط عليه، وهي من ثم قد تعرقل أي تخفيف لحدة الانتقادات بتغير الظروف الدولية. مع هذا، فمن المبكر الزعم بأن هذا التراجع النسبي من شأنه التأثير جذرياً على شعبية المستشار الألماني بصورة جوهرية، أو على حزبه بوجه عام في الوقت الراهن؛ حيث سيبقى المعيار الرئيسي للحكم عليه مرهوناً بتعقيدات الواقع الدولي التي يمكن لحكومته الاستناد إليها في تبرير بعض السياسات باعتبارها ضرورية في الوقت الراهن. بالإضافة إلى ذلك، فإن قدرة “شولتز ” على الحفاظ على تماسك حكومته داخلياً ستكون لها الكلمة العليا في تحديد احتمالات تحسن شعبيته مستقبلاً من عدمه.
هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)
أخبار متعلقة
أحدث الموضوعات
الأكثر قراءة
طارق مهني يكتب : بزنس المعارضة - سبوبة الزنازين منذ 4 سنوات
كفى (بورنو) سياسي وإعلامي منذ 5 سنوات
الأسرة والمجتمع
السعودية تطلق خدمات إلكترونية جديدة لخدمة الحجيج منذ 3 سنوات
موسم الحج 2023.. تفاصيل أداء الفريضة خطوة بخطوة منذ 3 سنوات