د. محمود زكريا يكتب: ما دلالات زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر؟

profile
  • clock 29 أغسطس 2022, 1:50:11 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

جاءت زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى الجزائر خلال الفترة (25–27) أغسطس 2022 بناءً على دعوة مقدمة من نظيره “عبد المجيد تبون”. وتعد هذه الزيارة هي الثانية من نوعها للرئيس الفرنسي إلى الجزائر؛ حيث كانت الزيارة الأولى له في ديسمبر 2017؛ وذلك خلال ولايته الرئاسية الأولى، التي التقى في إطارها الرئيس الجزائري السابق “عبد العزيز بوتفليقة”. وتزامنت هذه الزيارة مع احتفال الجزائر بالذكرى الستين لاستقلالها عن فرنسا في عام 1962؛ إذ تأتي في ظل مساعي الرئيس “ماكرون” مع بداية ولايته الرئاسية الثانية التي بدأت في أواخر أبريل الماضي لإعادة إحياء دور فرنسا وعلاقاتها التاريخية بالدول الأفريقية ولا سيما تلك التي ترتبط مع فرنسا بماضٍ استعماري من جانب، وللبحث عن بدائل أفريقية لمواجهة التداعيات المتنامية للحرب الروسية–الأوكرانية من جانب آخر.

سياقات مؤثرة

تزامنت زيارة الرئيس الفرنسي “ماكرون” إلى الجزائر  مع مجموعة السياقات الهامة والمؤثرة، بعضها متعلق بديناميات العلاقات الفرنسية–الجزائرية، والبعض الآخر متصل بالمتغيرات الحادثة في أنماط النفوذ والتنافس الدولي على القارة الأفريقية:

1– تصحيح مسار العلاقات البينية: تأتي هذه الزيارة في سياق من التوتر القائم في العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين منذ التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي بشأن الجزائر في أكتوبر 2021؛ حين وصفها بأنها لم تكن “دولة” قبل الاحتلال الفرنسي، كما أشار إلى أن الهوية الوطنية الجزائرية تم تشكيلها في ظل الحكم الفرنسي، وأن قيادة البلاد أعادت كتابة تاريخ الكفاح من أجل الاستقلال على أساس كراهية فرنسا، وهو ما دفع الجزائر إلى سحب سفيرها للتشاور وإغلاق مجالهم الجوي أمام الطائرات الفرنسية؛ ما عرقل طرق النقل أمام المهمات العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل، كما طالبت منظمات جزائرية الرئيس “ماكرون” بوقف استضافة فرنسا مجموعات يرونها معادية للجزائر ومدعومة من خصمها الإقليمي الرئيسي “المغرب”.

وقد حاولت فرنسا تدارك هذا الأمر بسرعة لاحقاً من خلال إصدار مكتب الرئيس الفرنسي بياناً في نوفمبر 2021، أعرب من خلاله الرئيس عن شعوره بالأسف حيال التصريحات التي أطلقها بشأن الجزائر وما نتج عنها من جدل وسوء فهم، مع تأكيد الاحترام الكبير الذي يحمله للشعب الجزائري وتاريخ الجزائر، كما حاولت فرنسا إصلاح وإعادة العلاقات إلى مسيرتها الطبيعية عبر تقديم المساعدات لخدمات مكافحة الحرائق البرية والجوية في الجزائر؛ وذلك من أجل تعزيز قدرتها على التعامل مع حرائق الغابات المدمرة التي وقعت خلال الشهر الجاري، وانتشرت في (14) مقاطعة بالبلاد؛ ما أسفر عن مقتل (38) شخصاً على الأقل.

وبالرغم من ذلك، فإن الإرث التاريخي سيظل محدداً هاماً في العلاقات الفرنسية–الجزائرية؛ فخلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، الذي امتد من عام 1830 حتى 1962، وقع العديد من الضحايا الجزائريين والانتهاكات من قبل السلطات الفرنسية. وعلى الرغم من حفاظ الجزائر على علاقات اقتصادية وثقافية وثيقة مع فرنسا منذ استقلالها فإن العديد من الجزائريين لا يزالون معارضين لنهج فرنسا المرتبط بتاريخ الحرب بما في ذلك رفضها تقديم أي اعتذار رسمي بشأن معاملة الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية.

2- تصاعد التنافس الدولي على أفريقيا: طرحت الحرب الروسية–الأوكرانية التي بدأت في أواخر فبراير الماضي جملة من التداعيات المؤثرة على بنية القوة والتفاعلات القائمة في المجتمع الدولي، ولعل من أبرزها استهداف أفريقيا باعتباره إقليماً مؤثراً من قِبل الغرب عامة وفرنسا خاصة؛ وذلك من أجل البحث عن بدائل لإمدادات مصادر الطاقة (النفظ والغاز الطبيعي) التي توقفت بفعل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وهو ما جعل الجزائر تأتي على رأس أولويات التحركات الدبلوماسية للقيادة الفرنسية في أفريقيا؛ حيث تعد الدولة بمنزلة أحد أبرز المصدرين من أفريقيا لإمداد الطاقة إلى أوروبا ولا سيما الغاز الطبيعي.

الدوافع المحفزة

تضمنت زيارة الرئيس الفرنسي التوقيع على عدد من الاتفاقيات في التعاون العملي والثقافي، وكذلك التوقيع على إعلان الجزائر من أجل شراكة متجددة بين الجزائر وفرنسا، وهو الإعلان الذي يستهدف توطيد العلاقات بين الدولتين في مجالات متعددة، كما وصف الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” الزيارة بالناجحة. وفي هذا الصدد، تبدو ثمة مجموعة من الدوافع الرئيسية الدافعة لزيارة الرئيس الفرنسي “ماكرون” إلى الجزائر، وتتمثل فيما يأتي:

1– تعويض نقص الإمدادات من الغاز الطبيعي: وهو ما يشكل أحد أبرز الدوافع الرئيسية من هذه الزيارة؛ وذلك بفعل نقص إمدادات الطاقة في القارة الأوروبية، ومنها فرنسا بطبيعة الحال؛ وذلك بفعل تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية التي أدت إلى وقف إمدادات الطاقة لأوروبا؛ ما أدى بدوره إلى زيادة الطلب على الغاز الطبيعي الموجود في إقليم شمال أفريقيا بصفة عامة وخاصة الجزائر، التي تعد أول مورد للغاز إلى إيطاليا؛ وذلك عبر خط أنابيب ترانسميد الذي يمر عبر تونس وصقلية بطول (2475) كيلومتراً تقريباً، والذي تم بناؤه في عام 1978 وجرى تشغيله في عام 1983، ويمثل أطول نظام لأنابيب الغاز في العالم؛ حيث تبلغ سعته نحو (110) ملايين متر مكعب يومياً لكنه ينقل (60) مليون متر مكعب فقط.

وتسعى الجزائر بطبيعة الحال إلى الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً لتأمين عقود كبيرة ومشاريع استثمارية بغية تأمين الإيرادات التي ستساعدها على تجاوز أي تحديات قادمة. وفي هذا السياق قد تسعى فرنسا إلى تعزيز الاستثمار في صناعة الغاز والطاقة المتجددة في الجزائر.

2- تعزيز العلاقات الاقتصادية البينية: تسعى فرنسا إلى تعزيز وجودها الاقتصادي في الجزائر؛ حيث تعد الدولة ثاني أكبر مورد لها، وتقدر الواردات الفرنسية إليها بنحو (3.4) مليار دولار؛ وذلك بنسبة (10%) من إجمالي الواردات الوافدة إلى الأسواق الجزائرية المقدرة بنحو (34.4) مليار دولار؛ وذلك في عام 2020، ويسبقها في ذلك الصين التي تعتبر أكبر مورد للجزائر بنسبة تصل إلى نحو (17%)، ويليها كل من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا على الترتيب خلال ذات العام، كما تعد فرنسا من أبرز الشركاء التجاريين الأوروبيين للجزائر على مستوى الصادرات في عام 2019.

3- معالجة قضية منح التأشيرات: وتشكل إحدى النقاط ذات الاهتمام المشترك بين الدولتين؛حيث اتخذتفرنسا قراراً بتخفيض عدد التأشيرات الممنوحة للجزائر – وكذلك للمغرب – بنسبة (50%) في عام 2021؛ وذلك من أجل محاولة ممارسة الضغط على حكومات الدولتين لمراجعة مواقفهما بشأن إعادة قبول المواطنين العائدين من فرنسا. وتريد الدولتان المضي قدماً في هذه القضية، ولا سيما في ضوء تزايد عدد تأشيرات العودة للجزائرين القادمين من فرنسا الممنوحة من قِبل السلطات الجزائرية منذ مارس 2022؛ حيث بلغ عددها نحو (300) تأشيرة؛ وذلك في مقابل (17) تأشيرة في عام 2021 و(91) تأشيرة  في عام 2020.

وفي هذا الصدد، صرح الرئيس الفرنسي “ماكرون”، أثناء الزيارة، بأنه سيعمل على “تسهيل حصول بعض الفئات من الجزائريين على تأشيرات فرنسية من أجل المساهمة في ظهور جيل فرنسي جزائري جديد في الاقتصاد والفنون والسينما وغيرها”.

4– تقريب وجهات النظر بين المغرب والجزائر بشأن قضية الصحراء الغربية: إذ تعد قضية الصحراء الغربية من أبرز القضايا الصراعية في أفريقيا منذ منتصف عقد السبعينيات من القرن العشرين، ولا سيما منذ الإعلان عن قيام دولة “الجمهورية العربية الصحراوية” في عام 1976، وتتباين وجهات نظر كل من المغرب والجزائر وهما الطرفان المباشران لهذا الصراع الممتد؛ إذ ترى الأولى منح الصحراء الغربية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما تدعم الثانية انفصال الإقليم وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة؛ لذلك فهي تدعم “جبهة البوليساريو”، وهو ما جعلها ترحب بقرار الاتحاد الأفريقي الذي اعترف بدولة “الجمهورية العربية الصحراوية” في عام 1984؛ ما أدى إلى انسحاب المغرب آنذاك من عضوية المنظمة.

وقد تسبب الخلاف بين الدولتين في قطع العلاقات الدبلوماسية في أغسطس 2021، وتحاول فرنسا أن تتبنى موقفاً متوازناً بشان هذه القضية للحفاظ على مصالحها الراهنة مع الطرفين، ولا سيما في ضوء أن كلتيهما تعدان من أبرز الأطراف الإقليمية الفاعلة في أفريقيا، ولعل هذا ما يفسر محاولة إظهارها الحياد، وهو ما تجلى من خلال عدم رغبتها في التعليق صراحة على تغيير إسبانيا موقفها بشأن الصحراء الغربية تجاه دعم فكرة منح الحكم الذاتي للإقليم تحت السيادة المغربية في 18 مارس 2022 أو تجاه رد فعل الجزائر المتمثل في كسر جسور الصلات مع إسبانيا؛ لذا من الممكن أن تسعى فرنسا إلى محاولة إقناع الجزائر بتخفيف التوتر القائم في علاقتها مع المغرب وإسبانيا؛ وذلك من منظور أن تحقيق ذلك قد يسهم في ازدهار وإحياء مشروع خط أنابيب غاز “ميدكات” الممتد من وإسبانيالدول الاتحاد الأوروبي عبر فرنسا.

5- التنسيق بشأن القضايا الإقليمية في الساحل الأفريقي: وتعد من أهم النقاط محل التركيز في الزيارة، ولا سيما في ضوء إدراك فرنسا أن الجزائر تعتبر من أبرز القوى الإقليمية المؤثرة على المستوى الأفريقي القاري، وتعتبر فاعلاً مؤثراً في معادلة التفاعلات في إقليم الساحل الأفريقي، ومن ثم ترغب في الاستفادة من الثقل الدبلوماسي والعسكري للجزائر لتحقيق أهدافها ومصالحها، وخاصة الأمنية في هذا الإقليم، وهو ما قد يكون له تأثير هام في ضوء الانسحاب التام للقوات الفرنسية المشاركة في عملية “برخان” في مالي في منتصف أغسطس الجاري التي بدأت منذ نحو تسع سنوات، واتخاذ قرار بإعادة نشر وتوزيع هذه القوات في دول أخرى في منطقة الساحل، وعلى رأسها النيجر، كما تحاول فرنسا أن تستثمر استقرار العلاقات الجزائرية مع الأنظمة الحاكمة في مالي والنيجر لتحقيق مصالحها في الإقليم. 

6- تقويض النفوذ الروسي المتنامي في الجزائر: تطمح فرنسا إلى محاولة موازنة النفوذ الروسي الطامح إلى بناء قاعدة من العلاقات الاستراتيجية في أفريقيا، وهو ما تبلور مؤخراً من خلال التحركات الدبلوماسية لوزير الخارجية الروسي “لافروف” عبر القيام بجولة أفريقية شملت (مصر، والكونغو برازافيل، وأوغندا، وإثيوبيا) في أواخر يوليو 2022. وتخشى فرنسا من امتداد النفوذ الروسي إلى  مناطق نفوذها التقليدية في أفريقيا كما حدث في مالي مثلاً، وهو ما قد يحدث مع الجزائر بطبيعة الحال؛ حيث تعد الأخيرة أكبر متلقٍّ للأسلحة الروسية في أفريقيا؛ إذ تستحوذ على نحو (52%) من إجمالي واردات الأسلحة الروسية إلى أفريقيا بقيمة تبلغ نحو (4.1) مليون دولار، وتليها مصر التي تحصل على نحو (35.5%) بقيمة إجمالية تبلغ (2.8) مليون دولار.  وتشكل الدولتان بجانب كل من الهند والصين أهم الدول المتلقية للأسلحة الروسية؛ وذلك بواقع نحو (73%) من إجمالي صادرات الأسلحة الروسية للعالم، علماً بأن أفريقيا ككل قد استحوذت على نحو (14%) من صادرات الأسلحة الروسية بين عامي 2017 و2021 وفقاً لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الصادر في مارس 2022. 

كما تجري روسيا تدريبات عسكرية مع عدة دول أفريقية ولعل من أهمها الجزائر؛ حيث أعلنت الدولتان إجراء تدريبات مشتركة لمكافحة الإرهاب على الحدود مع المغرب في نوفمبر 2022، وعُقد المؤتمر التخطيطي الأول في مدينة “فلاديكافكاز” الروسية للتحضير للمناورات التي من المقرر أن تتم في قاعدة “الحماقير” الواقعة في ولاية “بشار” الجزائرية، وقت التدريبات الافتتاحية في منطقة “أوسيتيا الشمالية” في أكتوبر 2021؛ ولذا فإن أولوية روسيا كشريك عسكري بالنسبة إلى الجزائر قد دفعت فرنسا إلى محاولة تعزيز علاقاتها مع الجزائر على مختلف الأصعدة.  

7- استعادة الثقل الفرنسي المتراجع في أفريقيا: تسعى فرنسا إلى استعادة دورها في مناطق نفوذها التقليدية في أفريقيا، وهو ما تبلور بجلاء مؤخراً من خلال قيام الرئيس الفرنسي”ماكرون” بجولة أفريقية شملت ثلاث دول (الكاميرون، بنين، وغينيا بيساو) في شهر يوليو 2022، واستهدفت بالأساس محاولة استعادة التوازن في العلاقات الفرنسية الأفريقية التي شهدت قدراً كبيراً من التراجع بدرجة ملحوظة لصالح قوى كبرى أخرى في الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد تزايد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بقطع العلاقات مع فرنسا في بعض الدول الأفريقية، وخصوصاً في إطار منطقة الساحل الأفريقي وعلى رأسها مالي التي اتخذ النظام العسكري الانتقالي بها قراراً بطرد السفير الفرنسي  مع مطلع العام الجاري؛ وذلك إثر تصريحات فرنسية معادية لهذا النظام وصفته بأنه “غير شرعي”، وقد استتبع ذلك صدور قرار من جانب فرنسا بإنهاء وجودها العسكري في مالي خلال ستة أشهر تقريباً، وكذلك حدثت احتجاجات مشابهة في كل من تشاد وبوركينافاسو خلال الفترة الأخيرة، التي طالبت بإنهاء مختلف أنماط العلاقات القائمة مع فرنسا.

وختاماً تطرح الرؤية المستقبلية تنامياً تدريجياً في العلاقات الفرنسية–الجزائرية لتجاوز التوترات القائمة في الفترة الأخيرة؛ وذلك من منظور المساعي المرتبطة بكلا الطرفين لتعظيم منظومة الأهداف والمصالح الوطنية على مختلف المستويات، ولا سيما في إطار مواجهة التداعيات المتفاقمة للحرب الروسية–الأوكرانية، التي فرضت معطياتها على الطرفين إعادة تقييم مجمل العلاقات لتصحيح مسارها باتجاه تحقيق مكاسب مشتركة ومؤثرة ليس على مستوى الواقع الداخلي في كلا الدولتين فحسب، بل على طبيعة الأدوار الخارجية المرتبطة بكل منهما.

التعليقات (0)